التفاصيل
         اين المصلحة في انضمام العراق الى منظمة التجارة العالمية / للقاضي محمد عبد طعيس

اين المصلحة في انضمام العراق الى منظمة التجارة العالمية / للقاضي محمد عبد طعيس

2011-06-30 10:00:00

 

  ان شغف البعض المشروع بما يمر به الاقتصاد العراقي من انفتاح اقتصادي وحرية التبادل التجاري كبديل عن مرحلة النظام المركزي المسيطر على حركة السوق سابقا دفعهم بقصد او بدونه الى المناداة بضرورة انضمام العراق الى منظمة التجارة العالمية ، بل باتت الاصوات تتعالى بين الحين والاخر عبر وسائل الاعلام ومن خلال بعض المؤتمرات التي تعقد بالتنسيق مع خبراء منظمة التجارة العالمية بأن الانضمام الى المنظمة المذكورة اضحى مصلحة وطنيه قصوى وكأن الانضمام حسب مايروه هو السبيل الوحيد لبناء هيكلة الاقتصاد العراقي ورفع مستوى نموه وفق المسايره غير المدروسه للنهج الرأسمالي المتبع لدى الدول المتقدمه صناعيا . وهكذا سعت بعض الوزارات المعنيه وراء هذا التوجه المتعجل لتخصص جزء من ميزانيتها وطاقاتها بغية الانضمام وارست الوفود الرسميه للتنسيق مع اعمدة منظمة التجارة الدوليه واثقال كاهل الدوله بالكثير من النفقات والاموال التي كان من الاجدر تكريسها لما يعود بالنفع العام وبناء الاقتصاد الوطني . لذلك وجدنا ضرورة احاطة المعنيين بالامر بالمخاطر التي تنعكس بالضرر على الاقتصاد العراقي في حال الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والتوقيع على اتفاقية التربس لعام 1994الراعية لها وهي :-

اولا : - تعتبر اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة لعام 1994 (التربس) أول اتفاق دولي يحدد طبيعة التزامات الدول الأعضاء ونطاقها ، حيث ألزمت نصوص الاتفاقية البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية مراجعة قوانينها ولوائحها الداخلية بالشكل الذي يتوافق مع أحكام الاتفاقية. وبذلك يكون خطاب الاتفاقية ملزماً وقاصراً في إلزامه للدول الأعضاء في منظمة التجاره العالمية فقط ، وأن من شروط قبول عضوية أي دولة في المنظمة أن تقبل اتفاقية مراكش التي أنشأت بموجبها المنظمة والاتفاقيات التجارية المتعددة الإطراف المرفقة بها وتعد اتفاقية التربس أهمها، وهذا يعني أن أحكام الاتفاقية تعتبر جزء من صفقة واحدة تشمل الاتفاقات كافة وتشكل جميعا نظاماً موحداً للإحكام التشريعية للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ، ويفهم من ذلك أن نصوص اتفاقية التربس ليست ذاتية التنفيذ وأن رعايا الدول الأعضاء لا يكتسبون حقوقاً مباشرة من نصوص الاتفاقية ، ولا يجوز لهم التمسك بأحكامها واستبعاد أحكام القوانين الوطنية كما هو الحال في اتفاقية باريس الخاصة بالملكية الصناعية والتجارية لعام1883م ، لذلك تعد في مقدمة شروط الانضمام الى منظمة التجارة العالمية والتوقيع على اتفاقية التربس هو قبول الدولة التي انضمت او التي ترغب بالانضمام لاحقا هو قبول احكام اتفاقية التربس وما سبقها من اتفاقيات بنفس الاطار دون ابداء أي تحفظ على أي بند من بنودها وهذا امر فيه الكثير من المجافاة لقواعد العداله وحق الدول الممنوح لها وفق قواعد القانون الدولي العام التي يعد في مقدمتها اتفاقية فينا للمعاهدات الدوليه لسنة 1968 التي اعطت الحق للدول التي ترغب بالانضمام لاي معاهدة دوليه شارعه بالتحفظ على أي بند موجود فيها او أي بنود لاحقه تضاف لها لا تنسجم مع المعايير التي تقدرها الدولة المعنيه والتي غالبا ما تتعلق بالمصلحة الوطنية او مخالفة البنود المطلوب التحفظ عليها لقواعد النظام العام والقيم الفلسفيه والاجتماعيه والاقتصادية والدينيه لمجتمعاتها، حيث ان اختلاف ثقافة الشعوب وقيمها الثقافيه وكذلك انظمتها الاقتصادية والسياسيه تفرض على الدوله التحفظ على بعض البنود التي لا تتوافق مع المعطيات المذكوره ،مما يعد اهدار هذا الحق يعود بالضرر على البنيان العراقي ومصالحه العليا .

ثانيا:-  ان احكام اتفاقية التربس لعام 1944 التي توجب لمن يرغب بالانضمام الى منظمة التجارة العالمية التوقيع عليها لم تكن عادلة حتى بين الدول الاعضاء المنضمين لها ، حيث قد خلقت احكامها نوع من التمايز بين نوعين من الدول حين اجازت واعطت الحق للدول المنشأة للاتفاقية في التحفظ على بعض بنود الاتفاقية التي تتعارض مع مصالحها الوطنيه او النظام العام لديها بينما لم تمنح الحق نفسه للدول التي انضمت او التي ترغب بالانضمام لاحقا ، الامر الذي يدل على افتقار هذه الاتفاقية لمبدأ المساواة والعداله الذي تهدف اليه الاحكام الدوليه ، الامر يعطي انطباعا ان الغاية المقصودة من هذا التمييز والتمايز في الحقوق يصب في اتجاه حماية المصالح الاقتصادية للدول المؤسسه لمنظمة التجارة العالمية عن طريق توفير بيئه امنه لسلعها وخدماتها على حساب الدول المنضمه لها لاحقا كما هو الحال في دول العالم الثالث ومنها العراق .

ثالثا:- ان انضمام أي دوله او العراق الى منظمة التجارة العالمية والتوقيع على احكام اتفاقية التربس يعني اعادة النظر في تشريعاتها الوطنيه ذات الصله بأحكام الاتفاقية وخصوصا العقوبات الجزائيه وتشديدها بما يتناسب مع الحماية المطلوبه في الاتفاقية المذكوره ولو كان الامر يتعلق بتوفير الحماية الجزائيه والمدنية فقط دون التدخل في تحديد طبيعة وتفاصيل هذه الحماية لكان الامر فيه شيئا من القبول وفق احكام القواعد العامه للقانون الدولي ولكن نرى في  تعديل التشريعات الجزائيه والعقابيه الوطنيه ذات الصله فيما يخص تحديد الفعل الجرمي والعقوبه المقرة له تدخل ضمن اختصاص الدولة العراقية واحترام سيادتها ومصالحها العليا، والتي لا تجد حتما تناسب الفعل الجرمي مع العقوبه او تغليض العقوبه بشأنه ينسجم مع المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي السائد في مجتمعها ، مما نجد أن تعديل التشريعات الوطنية بما يتفق وأحكام الاتفاقية قد ينعكس بآثار سلبيةً على اقتصاديات بعض الدول الأعضاء وخصوصاً النامية منها ويفقد سيطرتها على قواعدها التكنولوجيه ويضعف مركزها الاقتصادي لاختلاف المصالح والآمال بين الدول المتقدمة والنامية .

رابعا:- يعد مبدأ المعاملة الوطنية المقرر سابقا في المادة الثانية من اتفاقية باريس لعام 1883 من المبادئ الملزمة للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ، أذ أوجبت اتفاقية التربس معاملة لا تقل عن المعاملة المقررة لمواطني الدولة العضو في المنظمة بالنسبة لرعايا الدول الأعضاء الأخرى فيما يتعلق بحقوق الملكية بوجه عام وحقوق العلامات التجارية بوجه خاص ، أي تمنحهم على الأقل المزايا نفسها التي يتمتع بها رعاياها وتخضعهم للإلتزامات نفسها ، مما تنسحب هذه المساواة على تحديد المستفيدين من الحماية وكيفية الحصول عليها وكذلك نطاق هذه الحماية والمدة المقررة لها ، ورغم ان مبدأ المساواة المذكور يتفق مع حكم المادة الثانية من اتفاقية باريس لحماية الملكية الصناعية والذي سبق تناوله ، ولكن ما يعاب على هذا المبدأ الوارد في اتفاقية التربس أنه أجاز صراحة للدول الأعضاء منح الأجانب حقوقا تتجاوز الحقوق التي تمنحها لمواطنيها عندما أوجبت معاملة مواطنين البلدان الأخرى معامله لأتقل عن معاملة مواطنيها وهو أمر لا يقبله المنطق ويتعارض حتى مع حق المساواة الذي أقرته اتفاقية باريس ، ويبدو أن الحكمة من إيراد هذا النص بالدرجة الأساس هو توفير حماية من نوع خاص لرعايا الدول المستفيدة من إنشاء منظمة التجارة العالمية ، لذلك تعتبر هذه المبالغة في الحماية من المآخذ المؤشرة على أحكام اتفاقية التربس أضافه إلى مآخذ أخرى يعد من بينها مبدأ المعاملة الخاصة بحق الدولة الأولى بالرعاية ، والذي تلتزم بمقتضاه الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بألا يميز في المعاملة بين رعايا الدول الأعضاء الأخرى ومن في حكمهم أي المساواة في الحقوق والالتزامات ، بمعنى أنها تلزم الدول الأعضاء إذا منحت أي ميزة أو تفضيل لمواطنيها يجب أن يمنح رعايا الدول الأعضاء الأخرى جميعاً الميزة والتفضيل نفسه ، وهذا يعد سابقة جديدة في الاتفاقيات الدولية لما يشكله من مساس بمصالح الدول وحقها في تشجيع رعاياها وتحفيزهم وحثهم على العمل والإبداع وتقيد مواردها في تنمية طاقات شعوبها وفق قوانين وأُطر تشريعية خاصة بها دون أن ينصرف هذا الاستحقاق لرعايا الدول الأخرى خصوصاً  المتطورة صناعياً واقتصاديا.

 خامسا:- إن الأمر المربك والأكثر جدلا الذي أقرته اتفاقية التربس في الفقره الثالثة من المادة (16) هو مد سعة الحماية الواردة في الفقرة الأولى من المادة السادسة / ثانيا من اتفاقية باريس ليشمل العلامة المشابهة أو المطابقة للعلامة المشهورة على السلع أو الخدمات غير المماثلة لتلك التي سجلت تلك العلامة بشأنها إن أدى الاستعمال إلى توليد الاعتقاد بوجود صله بين هذه السلع أو الخدمات ومالك العلامة التجارية المسجلة والذي يحتمل أن تتضرر مصالحه من جراء ذلك الاستعمال في حين أن الحماية المذكورة كانت مقصورة على السلع أوالخدمات المماثلة وفق التصنيف الخاص بالسلع والمنتجات الوارد في اتفاقية نيس لعام 1957.

   والعله في ذلك الجدل  يجد مبرر له في الحماية المبالغ فيها للعلامة المشهورة ومالكها على حساب حقوق أخرى أولى بالحماية ، الأمر الذي يولد القناعة أن بعض أحكام اتفاقية التربس ومن بينها النص المذكور قد جاءت وبوبت بالدرجة الأساس لحماية أصحاب العلامة التجارية المشهورة في الدول المتقدمة والتي تضغط باستمرار على الدول النامية لغرض رفع درجة الحماية للعلامة المشهورة إلى ذلك المستوى من خلال قبول عضويتها في منظمة التجارة العالمية وتعديل تشريعاتها الوطنية وفقا لما ورد في الاتفاقية المذكورة بالشكل الذي يخلق مجالاً تجارياً محمياً لأنشطتها التجارية والاقتصادية والتي تعد الدول النامية البيئة الاستهلاكية المناسبة له ، مع الاشاره ان العراق قد اقر الحماية القانونية للعلامات الدولية المشهورة حتى وان لم تسجل فيه بموجب احكام قانون العلامات والبيانات التجارية النافذ رقم 21 لسنة 1957 وهذه الحماية في الحقيقة هي استثناء من القواعد العامه التي تستلزم تسجيل العلامات التجارية لغرض الحصول على الحماية القانونيه المطلوبه لها ، مما يعد التوسع في ذلك الاستثناء واقرار الحماية للعلامات التجارية المشهورة خارج اطار الصنف او النوع المشهورة به يعد توسع لا مبرر له يولد انطباعا بان الغايه من تكريس هذه الحماية للعلامة المشهورة يهدف الى حماية مصالح مالك العلامة المذكوره وليس المستهلك المعني اساسا بهذه الحماية ، مما ينعكس ذلك التوسع ويعود بالضرر على جمهور المستهلكين من الدول التي تنوي الانضمام الى احكام اتفاقية التربس او منظمة التجارة العالمية .

سادسا:- ان القبول باحكام اتفاقية التربس والانضمام الى منظمة التجارة العالمية يعني اهدار مبدأ الاستنفاذ الدولي المعمول فيه في معظم اقتصاديات دول العالم ، لكون الاتفاقية المذكوره قد اغفلت عن سوء قصد مبدأ الاستنفاذ الذي بمقتضاه يسقط حق صاحب العلامة التجارية في منع الغير من استيراد المنتجات المشمولة بالحماية بمجرد أن تطرح تلك المنتجات للتداول ، مما يؤدي ذلك الإغفال إلى طرح السلع والمنتجات بأسعار متفاوتة وغير متساوية أمام جمهور المستهلكين ليس إلا لتحقيق الربح لصاحب العلامة التجارية وسلعه المتداولة ، مما يعد إهمال هذا المبدأ خللا في طبيعة الحماية الواجب منحها بموجب أحكام هذه الاتفاقية ويعزز القول بان هذه الاتفاقية سخرت لحماية أنشطة الدول الاقتصادية الكبرى على حساب مصالح البلدان الاخرى .

   وخلاصة القول إنَّ إحكام هذه الاتفاقية لم تأت بأحكام متوازنة يُراعى فيها مدى التفاوت الصناعي والاقتصادي للبلدان التي تنضم لها ومدى واثر ذلك على مصالحها الوطنية بقدر ما يفهم من أحكامها انها تبحث عن بيئة آمنه للسلع والمنتجات للدول الناشطة في فرض هيمنتها الاقتصاديه على الأسواق العالمية ، وبذلك لا نجد هناك أي ضرورة ملحه او مصلحه وطنية تقتضي انضمام العراق الى منظمة التجارة العالمية على ضوء المخاطر والمساوئ التي نوهنا عنها انفا ، خاصة ان التشريعات العراقية المعنيه قد وضعت الاحكام الحامية لحقوق المستهلك العراقي في حال حصول أي تعدي على السلع والبضائع الاجنبيه المستورده ، وقد تكون هذه الاحكام اكثر فعالية واثر في توفيرالحماية المرجوه فيما لو فعلت بالشكل الصحيح ضمن الاطار العملي والتنفيذي ، وحتى لو انتاب بعض التشريعات الوطنيه المعنيه نوع من الغموض والوهن فيمكن معالجته تشريعيا من قبل السلطه التشريعيه بدلا من اقحام العراق في اتفاقيات ومنظمات تجاريه دوليه تجعل منه مقدم خدمات امنيه مجانية مبالغ فيها للسلع الاجنبيه دون أي مقابل يحصل عليه البلد عن هذه الخدمه لعدم قدرة الاقتصاد العراقي على مجارات اقتصاديات تلك الدول وجودة سلعها والذي يقود حتما على عدم قدرة المنتج او الصانع العراقي على المنافسه والذي ينعكس كله بالضرر والركود والوهن على الاقتصاد الوطني ، لذلك نأمل من المختصين واولي الامر التريث واجراء التمحيص والبحث والدراسه قبل الاقدام على خطوة الانضمام الى منظمة التجارة العالمية حيث عندها لا تنفع ساعة ندم .