التفاصيل
احموا القضاء… تحموا العراق! / جاسم الحلفي

احموا القضاء… تحموا العراق! / جاسم الحلفي

2012-01-08 11:00:00

السلطة القضائية هي إحدى السلطات الثلاث في النظام السياسي للدولة، بجانب السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، بغض النظر عن نوع النظام السياسي، رئاسي، برلماني، مختلط. أما الفصل بين السلطات فهو المنظم للتعاون والرقابة المتبادلة، والمرسخ لاحترام كل سلطة للاختصاصات الوظيفية المنوطة بالسلطة الأخرى، وإذ أرسى افلاطون وأرسطو أساس ذلك في “دولة المدنية” فقد بينه الفيلسوف الفرنسي (مونتيسكيو) بشكل أوضح في مؤلفه “روح القوانين”. فيما عدّها المفكر الإنكليزي (جون لوك) الوسيلة الضامنة لعدم تركز السلطة في يد شخص واحد على نحوٍ يعرض الحقوق والحريات للانتهاكات. إن الاستقلال المقصود يقوم على التعاون، وليس التقاطع، عبر التحديد الدقيق للصلاحيات، من أجل الوصول إلى الهدف الرئيسي للدولة، وهو تحقيق النفع العام للشعب.

إن العراق وهو يعيش مخاض التحول اليوم، ويريد هجر فكر الاستبداد، عليه أن يتعامل مع القضاء كسلطة ثالثة، وفقا لما جاء في الدستور، وليس كجهاز ملحق بالسلطة التنفيذية، وذلك يتطلب احترام استقلاليته، بدون أي تدخل في شؤونه من أي شخص مهما بلغ موقعه في النظام السياسي. والملاحظ وكما شهد عدد من القضايا بأن هناك تدخلاً واضحاً، من قبل بعض أطراف السلطة التنفيذية وخصوصا المتنفذين منها، وكذلك الجهات المتهمة بجرائم الإرهاب أو الفساد، وهذا أمر مقلق وخطير.

وفي شأن القضية التي اعترف بها حماية طارق الهاشمي بقيامهم بعمليات إرهابية، وبتوجيه منه، كما دونها قاضي التحقيق، وتدقيقها والمصادقة عليها لاحقا من قبل خمسة قضاة، كان يمكن إدارة عرضها بعيدا عن أي تصور، يمكن استغلاله بأن هناك أبعادا سياسية وطائفية تقف خلف القضية، ما خلق أجواء مشحونة بالتوتر الطائفي، ووفر غطاء لتدخل أطراف السلطة التنفيذية بجميع متحاصصيها، وبشقيها مجلس الوزراء ، ورئاسة الجمهورية، كذلك تدخل السلطة التشريعية سواء من النواب أو رئاسة البرلمان، في شان قضائي ليس من اختصاصهم الدستوري، فهذا يصرح بدلا من مجلس القضاء، وذاك يطالب بنقل القضية بعيدا عن بغداد، فيما كان المفترض أن يتركوا هذه القضية لمجلس القضاء الأعلى يديرها وفق الأحكام القانونية، فهو جهة الاختصاص أولا وأخيرا، وليس سواه من ينطق بالحكم.

إن الواجب يتطلب ابتعاد السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية بكل السبل عن القضاء خاصة في القضايا التي هي محل خصومة بين متحاصصيها. كي يأخذ القضاء مجراه، خصوصا وأنه سبق وأن أصدر أحكاماً مشرفة، منها الحكم لصالح منظمات المجتمع المدني بإنهاء الجلسة المفتوحة، والحكم لصالح الأستاذ مثال الألوسي حينما صوت البرلمان بسحب الثقة منه، والحكم لصالح الحزب الشيوعي العراقي بشأن قضية قانون الانتخابات، وإن جاءت متأخرة، وكذلك الحكم بإعادة  الفرز اليدوي لصالح قائمة دولة القانون. فيما كان هناك قضايا لم تكن فيها الأحكام واضحة كما يجب، ومنها تفسير الكتلة أو القائمة الفائزة في تشكيل الحكومة، وطبيعة ارتباط الهيئات المستقلة.

إن أزمة نظام الحكم بسبب المحاصصة الطائفية، واستمرارها وإعادة إنتاجها وتفاقمها، أثرت بهذا الشكل أو ذاك على جميع مفاصل الدولة، ولم يسلم منها القضاء، فالطائفية والانقسام والفساد أثرت وتؤثر على جميع نواحي الحياة. ولكن مع ذلك لا سبيل أمام العراق إلا بسلطة قضائية عادلة ومستقلة، وهذا يتطلب فيما يتطلبه الكف عن التصريحات نيابة عن القضاء، وإنهاء فرض الاشتراطات عليه، وتجنب فرض أولويات وقضايا أي جهة، فهو وحده المخول بتحديد ذلك، وعليه أن ينظر في جميع القضايا المطروحة أمامه، وعدم استثناء قاتل أو فاسد مهما كان موقعه السياسي والاجتماعي، وأن يبادر القضاء بمقاضاة من يتدخل بشؤونه، أو ينطق نيابة عنه.

إن تحقيق هذه المتطلبات، وغيرها الكثير، هو الذي سيفضي ، في نهاية المطاف، الى بناء نظام قضائي عادل ومستقل ونزيه وشفاف يحتل موقعه الصحيح باعتباره سلطة ثالثة عن حق، الى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية ومن دون أي تقاطع معهما، فالاستقلالية لا تفترض القطيعة بل التعاون.