التفاصيل
إجراء التفتيش القانوني/القاضي زهير كاظم عبود

إجراء التفتيش القانوني/القاضي زهير كاظم عبود

2012-01-19 12:00:00

 

 

يعد الدستور الوثيقة الأعلى والأسمى التي تلتزم بها القوانين والأنظمة والتعليمات ، وعلى وفق النصوص التي نص عليها الدستور تلتزم جميع السلطات بما فيها التشريعية والتنفيذية والقضائية  وفقا لما ورد  فيها ، وحدد دستور جمهورية العراق  لسنة 2005  ضمن أحكام الباب الثاني منه الحقوق والواجبات والتي اعتبرها من المبادئ الأساسية في الدستور ،       والتي لايجوز المساس بها او تعديلها الا بعد دورتين متعاقبتين ضمانا لاستقرار تلك الحقوق والحريات وانسجاما مع مبادئ حقوق الإنسان التي اعتمدها الدستور كقاعدة عند تشريع النصوص , وتأسيسا على حق الإنسان في الحياة والأمن والحرية وصيانة الحقوق ، ومنها حرمة المساكن ، حيث جاء في نص الفقرة ( ثانيا ) من المادة (  17 ) من الدستور على أن :

(( حرمة المساكن مصونة ،  ولايجوز دخولها او تفتيشها او التعرض لها الا بقرار قضائي،  ووفقا للقانون . ))

ووفقا لهذا فان الأساس أن للمسكن حرمة خاصة يحميها الدستور حيث لايمكن لأية سلطة التجاوز على تلك الحرمة ، ضمانا لحرية الإنسان وصونا لكرامته وترسيخا وحماية لحقه في الحرية الشخصية والحياة الآمنة للفرد والأسرة  ، غير أن الدستور وضع حالة استثنائية ، اذ منح الحق للسلطات أن تقوم بالتفتيش وخرق تلك الحرمة المصونة وفقا للقانون وبقرار قضائي ، ووضع عبء تقدير تلك المسؤولية في منح الإذن بالتفتيش على القضاء دون غيره من السلطات .

بل أن قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 جعل انتهاك حرمة المسكن  جريمة ، إذ عاقبت المادة ( 428 من قانون العقوبات  ) من يدخل المحل المسكون أو المعد للسكن أو حتى الملحقات بدون رضا صاحب المحل وفي غير الأحوال التي يرخص بها القانون جريمة من قبيل الجنحة التي تستوجب المسائلة القانونية وفرض العقوبة  .

أن من الأسباب التي تدعو للتفتيش هي مسألة البحث عن الأدلة والأشياء التي لها مساس أو علاقة بالجريمة المرتكبة ، وضبطها واعتبارها من الأدلة التي تفيد التحقيق ويكون لها تأثير عند تدقيق مسألة كفاية الأدلة للإحالة على المحكمة المختصة من عدم كفايتها لأصدار القرار المناسب حسب مقتضى الحال .

ويتمتع عدد من الأشخاص في القانون العراقي بحصانة من إجراءات التفتيش الا في حال التلبس في الجريمة العمدية المشهودة كعضو مجلس النواب او الأشخاص والهياّت الدبلوماسية  الممنوحين حصانة بمقتضى الاتفاقيات الدولية او القانون الدولي او القضاة على سبيل المثال .

ووفقا لهذا نخلص الى ان دخول مسكن الغير لايمكن ان يتم الا في حالة الرضا او الأمر القضائي والقانوني والضرورة التي تحتمها إجراءات التحقيق في جناية او جنحة مهمة  ، ومسكن الشخص هو بيته او المحل المخصص لسكن عائلته او احد ملحقات هذا المسكن ، بمعنى انه المكان الذى يقيم فية الشخص  لوحده او مع عائلته فعلا اى يمارس فية حياتة العامة ويتمتع فيه بالخصوصية او المكان الذى اعد لهذا الغرض دون اشتراط الاقامة فيه بصفة دائمة ،   ويشمل دار السكن حتى البيت الذي لم يشغله صاحبه  مادام معدا للسكن ، وينسحب التعريف الى ملحقات الدار وتوابعها كالكراج أو الغرف الملحقة بحديقة البيت او أي مكان اخر داخل سياج البيت .

وجاء قانون اصول المحاكمات الجزائية لينظم الشكليات والاجراءات التي تتطلبها قواعد التحقيق والمحاكمة ، وتتضمنها حقوق المتهم والمشتكي وأصول التحقيق الاولي والابتدائي والقضائي ، وأنواع المحاكم الجزائية وأختصاصاتها وقواعد واجراءات  المحاكمة فيها ، وبالتالي الحكم واسبابه ، وطرق الطعن في الاحكام ، وخص الكتاب الثاني في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل المواد التي تعالج التحري عن الجرائم وعملية جمع الادلة والتحقيق الابتدائي ، ونص الفصل الرابع من الباب الرابع منه على أحكام التفتيش .     

ومن اجل تنظيم تلك الحالات الاستثنائية التي تقوم السلطة التنفيذية بها ،  وتستحصل فيها موافقة القاضي على اجراء التفتيش في المنازل ، نص قانون الأصول  في المواد من  ( 72 – 86  ) على إجراءات التفتيش القانوني على المنازل وعلى الاشخاص ، وبينت تلك النصوص  الضوابط والأصول التي تتم فيها أجراءات التفتيش ، والتي يجب الالتزام بها عند القيام بتلك الأجراءات .

 وفي معنى التفتيش ، فقد ورد فى     مختار الصحاح          أن        كلمة (( التفتيش  ))  أصلها        (( فتش ))   ،  اى فتش الشئ  وفتشه تفتيشا ، والفَتْشُ والتَّفْتيشُ: الطلبُ والبحثُ ،  وفتَشْت الشيء فتْشاً وفتَّشَه     تفْتيشاً مثله    .     ( لسان العرب )  ، والتفتيش البحث عن الشيء      .    

ونص عليه المشرع العراقي في أحكام الباب الرابع من أبواب قانون اصول المحاكمات الجزائية الخاص بالتحقيق الابتدائي ،ولم يضع المشرع العراقي تعريفا للتفتيش في القانون  واعتبره من الاجراءات المهمة في عملية التحقيق الأولي والابتدائي ، وبالتالي فان  التفتيش كما نص عليه  القانون  أجراء قانوني نص على عملية تنظيمه قانون أصول المحاكمات الجزائية تحقيقا للمصلحة العامة واحتمالا للوصول الى دليل مادي يساهم في التوصل الى كشف الحقيقة ، وهذا الأجراء يعد من الأجراءات المهمة والخطيرة في آن واحد ، وتأتي أهميته من كونه يساهم في كشف الحقيقة ودعم الأدلة ، وخطيرا من أنه يعتبر أجراء أستثنائياً يوجبه القانون وتحتمه القضية المعروضة أمام القضاء .   

ويمكن اعتبار إجراءات التفتيش من بين الإجراءات المهمة جدا في مرحلة التحقيق ، مما يترتب على هذا الأجراء نتائج مهمة  تتعلق بالقضية المعروضة أمام قاضي التحقيق  ،  ويمكن استخلاص قواعد من تلك النصوص التي أوردها قانون أصول المحاكمات الجزائية منها :

1-    أن أجراء التفتيش لايمكن أن يتم دون قرار من قاضٍ مختص أو سلطة مخولة على وفق القانون  ، أي أن القانون والدستور خولا قاضي التحقيق أو السلطة القانونية أصدار الأمر القضائي بالموافقة على أجراء التفتيش ، وبخلاف ذلك لايعد التفتيش قانونياً .

2-    أن إجراءات التفتيش لاتتم دون وجود قضية تحقيقية عن وقوع جريمة أو واقعة جرمية  ،  أو اتهاما معينا في قضية معروضة على القضاء ،  أو إذا وجد  قاضي التحقيق احتمال ان يسفر التفتيش الى العثور عن علاقة بالواقعة المعروضة  ، ويمكن أن يقع التفتيش في حال الاشتباه  .  إلا  انه لايجوز التفتيش إلا عن الأشياء التي تم اتخاذ القرار بإجراء التفتيش عنها .

3-    أن هناك خصوصية في تفتيش الأشخاص ، حيث يجب أن يتم تفتيش الأنثى بواسطة أنثى  ، حيث يتعلق الأمر بالنظام العام والعرف الأجتماعي   والمساس بالعرض وبقدر الأمكان ، اذا تعلق الأمر بتفتيش الأماكن الحساسة في جسم الأنثى ، ومخالفة ذلك يمكن ان تؤدي الى بطلان الاجراءات ، اما في حال عدم امتداد التفتيش الى الأماكن التي يمنع الرجل من ملامستها فيكون التفتيش سليماً .

4-    خول القانون في المادة ( 77  ) من الاصول القائم بالتحقيق ان يقوم بتفتيش أي شخص في المكان المقرر تفتيشه  اذا اعتقد ان هذا الشخص يخفي شيئا يجري من اجله التفتيش أو له علاقة بالواقعة .

5-    أجاز القانون في المادة (  79 )  من الأصول  المحقق او القائم بالتحقيق تفتيش المقبوض عليه في الأحوال التي يجوز فيها القانون القبض عليه ، كما جوز القانون في حال وقوع الجناية او الجنحة العمدية المشهودة تفتيش المنزل او أي مكان يتم فيه ضبط الأشخاص او الأشياء التي تفيد في كشف الحقيقة ، وتتلازم هنا عمليتا القبض والتفتيش بشكل طبيعي وقاية من خطر المتهم وتحرزا لضبط ماله علاقة بالجريمة  .

6-    ومع عدم وجود نص ينظم وقت إجراء التفتيش للمسكن فيقتصر أمر التفتيش في الليل في الحالات الخطرة والمستعجلة ولضرورات التحقيق ،  وعند وجود ما يخشى منه ضياع الادلة او تشتتها وفيما عدا ذلك يتم التفتيش نهارا ، ويترك تقدير ذلك الى قاضي التحقيق المختص  .

7-    يتم اجراء تفتيش المنزل بحضور المتهم او صاحب الدار مع حضور مختار المنطقة وشهود على اجراء التفتيش بشكل اصولي وقانوني ، إذ أن في  حالة تفتيش مسكن المتهم او غيرة يجب حضور المتهم سواء كان موقوفا ام اخلي سبيله بكفالة ، وعند تخلفه  عن الحضور عند المباشرة بأجراء التفتيش او هروبه يجب ان يكون حاضرا واحد من عائلته  او من ينوب عنه قانونا ،  وينظم محضر بذلك يتم توقيعه من الحاضرين جميعا يتم عرضه على قاضي التحقيق .

8-    ان التفتيش يمكن ان يتم على الرغم من عدم رغبة او موافقة المتهم في حال عدم تمكينه المحقق من استكمال إجراء التفتيش  ، ويمكن أجراء ذلك بالقوة وعنوة  وبمساعدة الشرطة .

وفي حال وجود المسكن خارج اختصاص دائرة القاضي طالب إجراء التفتيش ، فيمكن للقائم بالتحقيق عرض الامر على قاضي المنطقة المختص مكانيا لاستحصال موافقته على اجراء التحقيق على وفق الاصول ، ويتم اخبار القاضي بالاجراءات المتخذه على وفق الاصول .

ومنح القانون في المادة ( 86 ) من الأصول الجزائية الحق لأصحاب العلاقة الأعتراض على إجراءات التفتيش بطلب يقدم الى قاضي التحقيق المختص ، والقاضي بدوره يقوم بالبت والفصل في الطلب على وجه السرعة ، فيقرر اما بطلان إجراءات التفتيش أن كان لها مقتضى ، او انه يقرر رد الطلب والاستمرار بالإجراءات القانونية على وفق الأصول ، ويكون قرار قاضي التحقيق في هذا الشأن خاضعا للطعن به تمييزا أمام محكمة الجنايات التي تتبعها دائرة ذلك القاضي .

الا ان هناك من الاجراءات ما يبطل اجراء التفتيش ويعيبه ، أي ان مخالفة تلك الضوابط والقواعد تجعل اجراء التفتيش معيبا وباطلا ، كأن يكون امر التفتيش صادرا من سلطة غير مختصة ، او من قاضٍ أحيل على التقاعد ، والبطلان الذي  يقرره القاضي أو تقرره المحكمة ينسحب الى جميع الاثار التي يرتبها الاجراء المذكور ، وبهذا فان ليس للمحكمة ان تستند في حكمها على اجراء باطل او تفتيش مخالف للضوابط القانونية .

وهناك من يرى ان  بطلان اجراء التفتيش او مخالفته للضوابط القانونية يتعلق بمصلحة الخصم ويجب ان لاتقضي المحكمة به من تلقاء نفسها ، أنما يجب ان يتمسك به الخصوم ، وهناك من يرى ايضا أن القبول والرضا بالتفتيش الباطل او المخالف للقانون لايمنحه الصفة المشروعة ، وبالتالي فأن على المحكمة أن تقضي به باعتباره من الأجراءات التي تعتمدها محكمة الموضوع عند تدقيق القضية وإصدار الحكم .

ومن بين أهم شروط الاذن بالتفتيش ان يكون مكتوبا وموقعا من قبل القاضي المختص او السلطة المخولة قانونا ، الا ان المحقق في حالات عديدة لايجد الوقت الكافي لعرض الموضوع على القاضي ، فيلجا وبموافقة القاضي وعند الضرورة الى استحصال موافقة القاضي هاتفيا ، على أن يعزز  القاضي تلك الموافقة عند عرض الأوراق التحقيقية عليه مباشرة  . وتتنوع أشكال التفتيش  حسب مقتضى الحال ويمكن أن تكون على الشكل التالي :

1-    تفتيش الأشخاص – وذلك بتفتيش ملابس المشتبه به وبقية أنحاء جسمه بشكل دقيق ، للبحث عن أية علاقة بالواقعة موضوعة التفتيش ، او للعثور على الأسلحة والمواد الممنوعة قانونا .

2-    تفتيش الأماكن – للبحث عماله مساس بالجريمة او الواقعة المراد البحث عن الأدلة المادية لها أو للعثور على مشتبه به  صدر أمر بالقبض عليه من جهة قانونية مختصة يعتقد انه يختفي في تلك الأماكن .

3-    التفتيش الوقائي أو الرسمي – وهو ما تقوم به أحيانا بعض الجهات الأمنية أو مايتم اتخاذه من إجراء التفتيش في المطارات والسلطات الكمركية والمنافذ الحدودية أو السجون .

ومن الشروط القانونية المعتبرة للتفتيش حتى يمكن أن يكون صحيحا وموافقا للقانون أن يكون صادرا من قاضٍ مختص أو من جهة قضائية مخولة قانونا ، وأن يقوم بأجرائه  قاضي التحقيق أو المحقق أو عضو الضبط القضائي او من يخوله القانون إجراءه ، وأن تكون الواقعة المراد أجراء التفتيش عنها تشكل جناية أو جنحة ، وبقصد التفتيش عن أمور لها علاقة بالقضية موضوعة التفتيش أو البحث عما تشكل حيازتها مخالفة قانونية ، وأن يتم بموجب محضر ضبط يتم توقيعه من الجهة التي قامت بأجراء التفتيش وبحضور بقية الحضور الذين يتطلب حضورهم القانوني في التفتيش ، وأن لايخرج التفتيش عن النطاق الذي حدده القاضي وأن لايتم التعسف في أستعمال الأمر ،  وأن يتقيد القائم بالتفتيش بالمكان المحدد في الأمر القضائي فلا يمكن الانتقال الى محال أخرى مالم يستحصل موافقة وأذنا من قاضي التحقيق  ، ويمكن أن يكون الأمر بالتفتيش صحيحا أذا لم يعين مسكنا معينا ومحددا للمشتبه به او المتهم ، أذ  تكون جميع الأماكن التي يسكنها المتهم معرضة للتفتيش ، الا ان الضرورة والدقة تقتضي تحديد مكان السكن المراد تفتيشه .

وبما أن الأمر بالتفتيش يكون مكتوبا ، فأنه من الممكن أن يكون شفهيا على أن يقترن بموافقة القاضي ويتم تثبيته على الأوراق التحقيقية لاحقا ، وأن يقتصر الأمر على تنفيذه لمرة واحدة وأن تكون مدة تنفيذه محددة  فلا يعقل أن يكون أمر التفتيش مفتوحا ، ومن الممكن أن يقرر قاضي التحقيق المختص حسب مقتضى  الحال المدة التي يستغرقها التفتيش أو اذا قرر تكرار عملية التفتيش مرات أخرى ، مثلما من الممكن أجراءه في النهار أو في الليل ، كما لم يمنع القانون ان يتم أجراء التفتيش أيام العطل والأعياد الرسمية . 

واشترط القانون العراقي ان يتم اجراء التفتيش بحضور المتهم وصاحب المنزل او المحل ان وجد وبحضور شاهدين مع مختار  المحلة او من يقوم مقامه وينظم القائم بالتفتيش محضرا يدون فيه اجراءاته وما قام به من اعمال داخل مكان التفتيش مع تدوين زمان التفتيش( التاريخ والساعة ) ،   والأشياء التي تم ضبطها والتحرز عليها وأوصافها وأسماء الاشخاص الموجودين في المحل وملاحظات المتهم او صاحب المحل بان الإجراء أصولي ولم يتم فقدان شيء يخص صاحب المحل ثم يتم توقيع الجميع على المحضر ، وفي حال امتناع المتهم او اي أحدٍ غيره فيجري تثبيت الامتناع في المحضر ويتم ربطه  ضمن الاوراق التحقيقية التي يتم تقديمها الى قاضي التحقيق المختص .