التفاصيل
عدالتنا / د. كريم شغيدل

عدالتنا / د. كريم شغيدل

2012-02-08 11:00:00

لا يمكن مع أي نظام شمولي أن نعول على ما نسميه (استقلالية القضاء) ذلك أن مبدأ فصل السلطات هو من سمات الأنظمة الديمقراطية، بل لا يمكن لأي تجربة ديمقراطية أن تقوم من دون ذلك المبدأ، فمهما حاولت المؤسسة القضائية أن تنأى بنفسها عن الشبهات لن تستطيع التخلص من هيمنة الفئة الحاكمة وسطوة مصالحها، وهو ما كان حاصلاً على أيام النظام الديكتاتوري السابق حيث المنظومة الاستبدادية التي ابتلعت مؤسسات الدولة وأفقدت القضاء هيبته، ولطالما فرض النظام أحكاماً ارتجالية جائرة، سواء بحق المعارضين أم بحق الهاربين من جحيم الخدمة العسكرية، محاكمات صورية لا تتوفر على أبسط شروط المهنية والعدالة، وأحكام جماعية بالجملة، في واحدة من أبشع صور الاستهانة بمصائر البشر، ومن دون مراعاة لأبسط حقوق الإنسان أو مراعاة العهود والمواثيق الدولية، وسط صمت عربي ودولي مطبق.   

أما اليوم فالأمر مختلف تماماً عما كان عليه بالأمس، إذ تتمتع المؤسسة القضائية متمثلة بمجلس القضاء الأعلى، بكامل الاستقلالية الإدارية والمالية والفنية، وهذه ربما سابقة لم يعهدها المواطن العراقي، بل لم يعهدها رجال القضاء أنفسهم، وهذه الاستقلالية تنافس إلى حد كبير بحسب خبراء قضائيين استقلالية المؤسسات القضائية في معظم دول العالم الديمقراطي المتحضر، ما لم نقل تتفوق على بعضها، وقد خاضت مؤسستنا القضائية برغم حداثة استقلاليتها واحدة من أعقد التجارب، منذ العام 2003 حتى يومنا هذا، ابتداءً من تصديها لمحاكمة رموز النظام المباد مروراً بجرائم الإرهاب التي لا تعد ولا تحصى وانتهاءً بما تتصدى له اليوم من قضية غاية في الحساسية والتعقيد، ألا وهي قضية التهمة الموجهة لنائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، فضلاً عن دور المحكمة الاتحادية في مراقبة تطبيق الدستور وتفسير ما يلتبس على البعض من فقراته والبت في مسائل الخلافات الدستورية، وبرغم الزخم الهائل من إفرازات مرحلة التحول من نظام استبدادي إلى نظام ديمقراطي وتحديات الإرهاب، نجد أننا أمام مؤسسة متماسكة في مهنيتها، قوية في أدائها، تسعى لتطبيق القانون على وفق الأعراف الدولية المتواضع عليها لتحقيق روح العدالة التي طالما افتقدناها على أيدي الأنظمة السابقة.

لكن على الرغم من كل هذا وذاك لم تسلم هذه المؤسسة التي يحق لنا أن نفخر بها في عراقنا الجديد، من نعيق أبواق الدعاية المضادة التي تمارس سياسة التشكيك بعموم التجربة الديمقراطية في العراق، لأسباب لم تعد خافية على أحد، من داخل وخارج العراق، وذلك للتشويش على سير العدالة، في مسعىً خائب لزج السلطة القضائية ببعض المزايدات السياسية، وهنا لا بد من إجراءات حازمة بحق من يتطاول على هيبة القضاء العراقي أو يشكك بنزاهته، فبدلاً من المهاترات الإعلامية التي لم ولن تثني سير العدالة، هناك آليات قضائية للطعن، وهناك حق للمتهم في الدفاع عن نفسه أو توكيل المحامين، وأمام حكم القاضي حوالي تسعة طعون يمكن الاستفادة منها، فالقضاء لا ينطق عن الهواء إنما يمتلك الولاية في تطبيق القانون، والقانون فوق الجميع، فما الذي يمكن أن نقدمه، نحن الإعلاميين، لدعم استقلالية قضائنا والمحافظة على هيبته؟.