التفاصيل
جرائم النشر في القانون العراقي / القاضي ناصر عمران الموسوي

جرائم النشر في القانون العراقي / القاضي ناصر عمران الموسوي

2012-04-19 12:00:00

كفل الدستور العراقي حرية التعبير عن الرأي بجميع الوسائل حيث جاءت المادة (38) من الدستور العراقي بما نصه (تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:    

أولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل

ثانيا: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر) وهو أمر جاء منسجما ً مع فلسفة التغيير الذي شهده العراق على اثر سقوط النظام الدكتاتوري التسلطي الفردي الذي كان يصادر الحريات والحقوق، ويعتبر الآراء والأفكار المعارضة لنهجه الشوفيني جريمة عظمى يستحق صاحبها، اقسى العقوبات، الأمر الذي أحال فيه العراق إلى إمبراطورية من المعتقلات والمقابر الجماعية، وبعد إقرار الدستور من قبل أبناء الشعب لأول مرة في استفتاء شعبي كبير بتاريخ 15 /10 /2005،كانت ابرز ملامح الدستور هو اعتبار الحقوق والحريات مقدسة والتجاوز عليها أو قمعها جريمة يتعرض صاحبها إلى المساءلة القضائية، وحرية التعبير عن الرأي واحدة من أهم الحريات التي تناولها ألدستوركما ذكرنا، إضافة إلى حرية الفكر والضمير والعقيدة كما أشارت لها المادة (42) منه، وموضوع الرأي الذي ينتج عن فكر محاط بمناخ الحماية الدستورية والقانونية، قد يتخذ صور العلانية للترويج له و العلانية من العلن وتعني ان يكون الشيء المعلن عنه بمتناول الجمهور او الجمع الذي يكون حاضرا ً لحظة وضع الشيء المعلن بمتناول الحضور، وللعلانية وسائلها التي ذكرها قانون العقوبات في المادة (3/19) التي تضمنت من ضمن وسائل العلانية ما ذكرته الفقرة (ج_ الصحافة والمطبوعات الأخرى وغيرها من وسائل الدعاية والنشر.) و حرية التعبير عن الرأي والفكر ليست مطلقة بل محددة في ضوء حدود الحماية القانونية فإذا غادرت هذه الحماية وشكلت جريمة فان هناك مسؤولية جنائية يتحملها الناشر والمطبوع ضمن مواد قانونية تناولتها المواد(81, 82، 83،84) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل حيث أشارت هذه المواد القانونية إلى أن جرائم النشر تختلف بحسب طبيعة النشر في صحيفة أو في مطبوع أو أي وسيلة أخرى.

فجريمة النشر الحاصلة في الصحيفة بحثتها المادة (81) فأوجبت مسؤولية رئيس التحرير أو محرر القسم الذي حصل فيه النشر بتوافر شروط معينة هي:(حصول النشر في الصحيفة، وان يكون المنشور فيها مكونا ً لجريمة إضافة إلى كون المسؤول عن الصحيفة رئيس التحرير أو محرر القسم الذي حصل فيه النشر عند عدم وجود رئيس التحرير.)

ولتحقق المسؤولية عن جرائم النشر كما ورد في الشروط التي ذكرتها المادة يتضح ما يلي:
1 - أن يحصل النشر في الصحيفة.

وقد بين قانون المطبوعات متى يكون المطبوع صحيفة،حيث نص قانون المطبوعات (206) لسنة 1968 في المادة(الأولى /3) والتي نصت (المطبوع الدوري _ كل مطبوع يصدر باستمرار في أعداد متسلسلة وفي أوقات معينة.) بغض النظر عن كون الصحيفة أو المطبوع سياسيا ً أو اجتماعيا ً أو ثقافيا ً أو مهنياً أو غيره وسواء أكان يومياً أو أسبوعيا أو فصليا، ولا يهم طريقة التعبير في المطبوع أو الصحيفة فكما يمكن إن يشكل المقال أو التحقيق الصحفي جريمة كذلك يمكن أن تتشكل الجريمة عن طريق صور أو إشارات معينة تنشر في الصحيفة لتحقق الشروط التي ذكرناها فإذا لم تنشر في الصحيفة ونشرت في كتاب أو نشرة أو أي مطبوع آخر فان الشروط لا تتحقق في هذه المادة القانونية وتتحقق في مادة أخرى وبوصف آخر تناوله القانون.

    2 - أن يشكل النشر جريمة:

وقد نص الدستور العراقي في المادة(19/ ثانيا ً) على ما يلي (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة، ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة)     كما جاء في نص المادة (1) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل وفي الفصل الأول منه وتحت عنوان (قانونية الجريمة والعقاب) والمعروف في الفقه الجنائي بمبدأ (المشروعية) على ما يلي: (لا عقاب على فعل أو امتناع إلا بناء على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه، ولا يجوز توقيع عقوبات أو تدابير احترازية لم ينص عليها القانون.) والفعل حسب التعريف الوارد في المادة (19/ 4) من قانون العقوبات العراقي هو (كل تصرف جرمه القانون سواء أكان ايجابيا ً أم سلبيا ً كالترك و الامتناع ما لم يرد نص بخلاف ذلك) والفعل في قانون العقوبات هو احد عناصر الركن المادي للجريمة والتي هي وحسب التقسيم التقليدي للجريمة تتكون من اركان هي الركن المادي والركن المعنوي والركن الشرعي.

عليه فان النشر في الصحيفة يعد جريمة إذا نص القانون على اعتبار الفعل جريمة فليس كل نشر في الصحيفة يشكل جريمة وتتحقق فيه مسؤولية رئيس التحرير ورئيس القسم الذي حصل فيه النشر وهو ما جاء بنص المادة (81) من قانون العقوبات العراقي والتي اعتبرت رئيس التحرير فاعلا للجرائم التي ارتكبت بواسطة صحيفته، ومن يحدد كون الفعل يشكل جريمة بعد النشر من عدمها هي المحكمة المختصة التي يعرض عليها النزاع ومن الممكن الاستعانة بخبراء لمعرفة في ما أذا كان النشر يشكل جريمة معاقب عليها من عدمه اذا رأت المحكمة ان الاجراءات القضائية تستدعي ذلك، فالصحافة كما هو معروف السلطة الرابعة وعين الرأي العام وصوته، وحرية الصحفي في النشر مكفولة في الدستور والقوانين المرعية، لكنها حرية مسؤولة ضمن إطارها وحرفتنها المهنية، ولا يختلف النشر بحسب جسامته فقد يكون الفعل (الجريمة) جناية أو جنحه أو حتى مخالفة ضمن التقسيم الجنائي لجسامة الجريمة حسب نص المادة (23) من قانون العقوبات، فلكل فعل جرمي عقوبة مقدرة يضطلع القاضي المختص بتقديرها وتحديدها وفق المعايير القانونية والإجراءات القضائية التي تحكمه عند إصدار قرار الحكم. ولأهمية الصحافة والعمل الصحفي وكنتاج لحرية النشر المكفولة والمسؤولة ولحداثة عهد العراق بالتجربة الديمقراطية وبغية إعطاء هذه الحرية مساحتها وتعزيزا ً لمبادئ الحقوق والحريات الواردة في الدستور وقدسيتها، فقد شكل مجلس القضاء الأعلى العراقي محكمة مختصة بقضايا النشر من قضاة مختصين ولديهم تجربة قضائية حسب ما جاء با سباب تشكيل هذه المحكمة.

-3 يشترط لتحقق المسؤولية أن يكون الشخص رئيسا للتحرير أو محررا في القسم الذي حصل فيه النشر في حالة عدم وجود رئيس للتحرير.

لقد نص قانون المطبوعات في المادة الثانية منه على ما يلي: (يجب أن يكون لكل مطبوع دوري مالك ورئيس تحرير مسؤول) وحددت المادة الثالثة الشروط الواجب توفرها في رئيس التحرير وكذلك مالك المطبوع الذي من الممكن أن يكون مؤسسة أو جمعية وتطرق أيضا ً إلى شروطها، كما منع القانون رئيس التحرير أن يكون مسؤولا ً لأكثر من مطبوع دوري سياسي في وقت واحد في (المادة الثالثة / هاء) ومن الممكن أن يجمع رئيس التحرير صفة المالك مع صفته كرئيس تحرير وفق الشروط المنصوص عليها في القانون. عليه فيكون وبحسب نص المادة (81) رئيس التحرير مسؤولا ً عن جريمة النشر التي تحصل في المطبوع أو الصحيفة التي يترأس تحريرها، أما في حالة عدم وجود رئيس تحرير كما في حالة سفره أو إجازته أو توقيفه فان المسؤولية تكون على المحرر في القسم الذي حصل فيه النشر وكل ذلك راجع إلى حيثيات القضية المعروضة أمام القضاء، وبقيام مسؤولية رئيس التحرير فان المسؤوليات الأخرى عن النشر تجب، كذلك إذا قامت مسؤولية محرر القسم الذي تم فيه النشر, ويترتب على ما تقدم بان العمال والكتبة والمحررين والمشرفين على الأقسام الأخرى التي لم يحصل فيها النشر،لا يتحملون مسؤولية ما ينشر في الصحيفة التي يعملون بها. ولعل السؤال المهم هنا ما مسؤولية الناشر الفعلي للمقال أو التحقيق الصحفي أو أي باب آخر من أبواب النشر في الصحيفة أووضع الصورة او الإشارة بمقابل مسؤولية رئيس التحرير ومحرر القسم الذي تم فيه النشر..؟

والجواب هو أن مسؤولية الناشر ابتداء ً تقوم باعتباره الفاعل الأصلي ومسؤولية رئيس التحرير ومحرر القسم تقوم معه باعتبارهما فاعلين حيث نصت المادة (47) من قانون العقوبات وفي الفصل الخامس من القانون وتحت عنوان المساهمة الجنائية على ما يأتي: (يعد فاعلا ً للجريمة: 1- من ارتكبها وحده أو مع غيره) ونصت المادة (81) عقوبات تقول (...مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجزائية لمؤلف الكتاب أو واضع الرسم إلى غير ذلك من طرق التعبير,يعاقب رئيس تحرير الصحيفة بصفته فاعلا للجريمة..) وهذا يعني بان مسؤولية رئيس التحرير أو المحرر في القسم ومسؤولية الناشر الفعلي واحدة طالما اعتبر القانون كلا منهما فاعلا أصليا ً للجريمة التي وقعت بطريق النشر. وعند عرض القضية على المحكمة تقوم المحكمة بضبط المنشور والرسوم والكتاب في محاضر مكتوبة قبل اتخاذ قرار الحكم وهو إجراء تحقيقي من ضمن إجراءات الضبط في الدعوى او القضية المعروضة ويتم ذلك إما من قبل القاضي التحقيق أو المحكمة أو بناءا على طلب الادعاء العام. كما يجوز للمحكمة عند الحكم بالإدانة ان تقوم بمصادرة الأشياء التي تم ضبطها استنادا ً لإحكام المادة (308) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم23 لسنة 1971 المعدل ووفق الأصول، ولها أيضا ً أن تأمر بنشر الحكم أو ملخصه في صحيفة أو صحيفتين على نفقة المحكوم، فإذا قررت المحكمة نشره بذات الصحيفة التي حصلت فيها الجريمة فعلى المسؤول عن الصحيفة أن ينشره في ذات الموضع والمكان من الصحيفة وبالأجل المحدد من قبل المحكمة وبخلافه فان رئيس التحرير والمحرر يعاقب بغرامة وحسب تقدير المحكمة ووفقا ً للقانون. أما إذا كانت الجريمة جناية فعلى المحكمة بالإضافة لما تقدم أن تأمر بتعطيل الصحيفة مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر وكل ذلك استنادا لنص المادة (84) من قانون العقوبات.

أما أذا حدثت الجريمة في أي منشور آخر غير الصحيفة.والذي عرفه قانون المطبوعات و اعتبره مطبوعا غير دوري في المادة (الأولى) وفي الفقرة (5) وكما يلي: (المطبوع غير الدوري _ كل مطبوع يصدر مرة واحدة أو في أجزاء معلومة كالكتب والتصاوير والنشرات وغيرها سواء كانت مطبوعة أو مخطوطة باليد أو مكتوبة بأية وسيلة أخرى بأكثر من نسخة واحدة ولغرض النشر)

وفي هذا الموضوع تبرز لنا ثنائية مهمة وهي أما أن يكون المنشور قد وضع ونشر في خارج العراق فالمسؤولية في هذه الحالة تقع على المستورد حتى لو تم المنشور في صحيفة أو منشور أو مطبوع فإذا تعذر معرفة المستورد فان المسؤولية تقع على (البائع أو الموزع أو الملصق) ويجب لقيام المسؤولية أن يتحقق علم لدى المسؤول بكون المطبوع والملصق والمنشور يكون جريمة أما إذا انتفى العلم فلا تقوم المسؤولية وهو بعكس ما رأيناه في النشر في الصحيفة فالمسؤولية مفترضة عند النشر في الصحيفة وهي ليست كذلك بالنسبة للبائع والمستورد والملصق للجدارية أو المطبوع.

أما إذا كانت المنشورات والمطبوعات والملصقات وضعت ونشرت داخل العراق فالمسؤولية تقع في حالة عدم معرفة الناشر على الطابع وإذا تعذر معرفة الطابع فالمسؤولية تقع على البائع والموزع والملصق.ويشترط علمهم بمشتملات الكتابة أو الرسم أو الصورة لقيام المسؤولية وبخلافه تنتفي مسؤولية الطابع والبائع والموزع والملصق، كما ويترتب في حالة تشكيل الفعل لجناية أو جنحة يقوم قاضي التحقيق أو المحكمة أو بناءاً على طلب الادعاء العام بضبط _قبل صدور الحكم _ الكتابة والرسوم والصورة وغيرها من طرق التعبير الأخرى التي استعملت، وان تأمر المحكمة بمصادرة الأشياء المضبوطة عند إصدارها الحكم بالإدانة إضافة إلى نشر الحكم أو ملخصه بصحيفتين محليتين على نفقة المحكوم.

هذا والجدير بالذكر, وبعد سقوط النظام أقدم المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة بتعليق العمل ببعض المواد العقابية كما أمر بعدم إقامة الدعوى الجزائية بالنسبة لعدد من الجرائم ومنها ما يخص المواد (81_84) الا بأذن خطي من مدير السلطة الائتلافية المؤقتة وذلك استنادا ً للقسم(2/2/أ) من أمر مدير سلطة الائتلاف المؤقتة، كما واصدر مدير سلطة الائتلاف المؤقتة الأمر رقم (14) و الذي تناول فيه النشاط الإعلامي المحظور الذي أكد على ظهور الإعلام الحر والمستقل وطريقة الحصول على المعلومة الصحيحة وتقديمها للشعب العراقي وبشكل دقيق ومنع إساءة استخدام الإعلام لتشجيع العنف وتضمن القسم (5) من الأمر العقوبات المتخذة بحق مسؤولي أي منظمة إعلامية عبر احتجازهم وإلقاء القبض عليهم إذا تبين إنها تبث أو تنشر مواد ً محظورة وإحالتهم إلى المحاكمة وإنزال العقوبة بهم بالسجن لمدة تصل إلى عام واحد ودفع غرامة مالية قيمتها تصل إلى (1000) دولار أمريكي، وخولت الفقرة (2) من القسم (5) المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة سحب ترخيص أي منظمة إعلامية يرى أنها وفق لتقديره قد خالفت هذا الأمر، كما ويجوز له وقف عملياتها ومصادرت ممتلكاتها وإغلاق مبانيها.    

إن العمل الإعلامي بأمس الحاجة اليوم لوجود منظومة عاملة تحدد مساحات الحرية التي تعمل بها وتجعلها بمنأى عن طائلة القانون وتوفر لها الضمانات الكافية، وان التشريعات النافذة التي تنظم ذلك هي أما تشريعات قانونية لا تتلاءم مع الوضع العراقي الجديد وتم تشريعها في زمن النظام السابق، أو شرعت في زمن المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة والتي جاءت محكومة بظرفية معينه،وبالرغم من تشكيل هيئة إعلامية مستقلة للإعلام والاتصالات، إلا أن الأمر بحاجة إلى صدور تشريع يأخذ بنظر الاعتبار أهمية السلطة الرابعة كركيزة مهمة في بناء النظام الديمقراطي العراقي ودولة المؤسسات القانونية والدستورية التي يكون رقيبها الأهم هو الرأي العام المتمثل بصوته وصورته وكلمته إلا وهي الصحافة والإعلام والنشر وكل ذلك في إطار احترام حريات وحقوق الآخرين المكفولة في الدستور العراقي.