التفاصيل
قضاة في طاحونة البرلمان ..حرب باردة بين سلطتين / نقلا عن موقع المجلة الاسبوعية

قضاة في طاحونة البرلمان ..حرب باردة بين سلطتين / نقلا عن موقع المجلة الاسبوعية

2012-05-03 09:00:00

هل يحق للبرلمان التدخل في تعيين القضاة؟ السؤال مطروح بقوة مع فشل النواب، مرة أخرى، في التصويت على الأسماء المقترحة لعضوية محكمة التمييز. والتساؤلات جددت الحديث عن مبدأ الفصل بين السلطات. ماذا يقول المختصون؟

قبل أسبوعين تقريبا لم يتمكن البرلمان، كما كان متوقعاً، من تمرير اسماء قضاة محكمة التمييز الاتحادية، بسبب الخلاف بين مجلس القضاء الاعلى ومجلس النواب على صلاحية البرلمان في تعيين هؤلاء القضاة، والجدل لا يخلو من البعد السياسي الذي يسيطر على اروقة السلطة التشريعية.

 مجلس القضاء الاعلى لم يتوان عن انتقاد البرلمان لتلكئه منذ العام 2006 في حسم أمر اعضاء محكمة التمييز رغم إرسال مجلس القضاء اكثر من قائمة تضم اسماء المرشحين لعضوية هذه المحكمة، وهو منصب الدرجات الخاصة. ويقول المتحدث باسم مجلس القضاء الاعلى عبد الستار البيرقدار: لم نتسلم اي توضيح من البرلمان عن أسباب عدم تسمية قضاة محكمة التمييز حتى الآن رغم اننا ارسلنا لوائح المرشحين، ولا نعرف اسباب عدم حسم هذا الموضوع الذي يؤجل منذ العام 2006.

ويقول العارفون ان هناك نصاً دستورياً يؤكد على ضرورة التصويت الشكلي من قبل البرلمان على هذه التعيينات، لأن الترشيح يتم عبر مجلس القضاء وهو الأعلم بكفاءة القضاة المرشحين وصلاحيتهم، والنص  دستوري واضح لا يحتمل اللبس. ولا يخفي مجلس القضاء الاعلى تحفظه على هذا النص الذي اتاح للبرلمان التصويت على اسماء قضاة محكمة التمييز، لأن ذلك يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات. ويوضح مجلس القضاء في بيان  أن «النص الدستوري الذي منح النواب صلاحية التصويت على قضاة التمييز يمس استقلال القضاء والفصل بين السلطات، وفي هذه الحال سيكون القاضي تحت رحمة السياسي». وينفي البيان «خضوع ترشيح قضاة محكمة التمييز لملف التوازن الذي يجري العمل به في مؤسسات الدولة». ويتابع: «هناك شروط موضوعية يفترض تطابقها مع الأشخاص المراد تعيينهم في هذا المنصب، الأمر الذي يفتح الباب أمام من تتوافر فيه الشروط من دون النظر إلى الخلفيات الطائفية أو الإتنية». وفي ما يتعلق باتهامات بعض السياسيين لمرشحي المحكمة التمييزية، لفت البيان إلى أن «هذه ليست من مسؤوليتنا، نحن ننظر إلى الشروط الموضوعية، أما هذا الأمر فتتحمله الجهات ذات العلاقة، أي هيئة المساءلة والعدالة التي يفترض أن تتوجه إلى مجلس النواب قبل أن تتم عملية التصويت.

ويعتقد فريق من المختصين ان «التصويت الشكلي» الذي دعا اليه الدستور على تعيين القضاة في المحاكم العراقية عملا بمبدأ الفصل بين السلطات، يتعارض مع اجراءات اخرى يمكن للبرلمان تطبيقها على تعيين موظفي الدرجات الخاصة، أبرزها ملف المساءلة والعدالة. ويقول القاضي وائل عبد اللطيف عضو اللجنة القانونية في البرلمان السابق إن المادة 61 من الدستور تضمنت اختصاصات البرلمان ومنها سلطة الاقرار على الدرجات الخاصة كافة بما فيها اعضاء المحاكم، لكن ذلك لا يتيح له التدخل في مهنية القاضي وآليات ترشيحه. ويرى عبد اللطيف أنه يحق للبرلمان مطابقة اسماء القضاة المرشحين على قانون المساءلة والعدالة، الامر الذي فتح باب الخلط ما بين التدخل الشكلي والموضوعي لمجلس النواب في اختيار القضاة. عبد اللطيف يوضح أيضاً: يستطيع البرلمان فرض اجراءات المساءلة والعدالة على القضاة، لكنه مطالب بارسال كتاب يضمنه اي اشكاليات تظهر على القضاة المرشحين لمجلس القضاء الاعلى لاتخاذ اللازم.     وتنص المادة 61 خامسا من الدستور العراقي على ضرورة أن يحظى رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الاشراف القضائي، بالغالبية المطلقة في البرلمان بناءً على اقتراحٍ من مجلس القضاء الاعلى. في حين تؤكد المادة 91 أن مجلس القضاء الاعلى هو الجهة التي ترشح رئيس واعضاء محكمة التمييز الاتحادية، ورئيس الادعاء العام، ورئيس هيئة الاشراف القضائي، وتعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعيينهم. وفي المعلومات الرسمية أن آلية ترشيح أعضاء محكمة التمييز تمر عبر مراحل متعددة، تبدأ بطرح اسماء من جانب محاكم استئناف العراق، ممن تتوافر فيهم الشروط، وأبرزها ان يكون الشخص المعني في درجة نائب رئيس استئناف في أقل تقدير، وأن يملك الخبرة الكافية من خلال العمل في انواع المحاكم المختلفة كالجنايات، جنح، احوال شخصية، وان يتمتع بحسن سيرة وسلوك وألا يكون قد تعرض لعقوبات ادارية، او اجراءات تمس نزاهته. عقب ذلك يتم التصويت بالغالبية البسيطة وتحال الأسماء الى مجلس النواب الذي يفترض أن يوافق على الأسماء المرشحة بالغالبية المطلقة. واعضاء البرلمان يختلفون في توصيف أسباب التأخر الحاصل في تسمية اعضاء محكمة التمييز وشكل العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ويقول النائب عن التحالف الكردستاني محسن السعدون ان اعضاء محكمة التمييز هم من الدرجات الخاصة في العراق، وهذا يعني ان البرلمان مطالب بتدقيق ملفاتهم قبل الموافقة على تعيينهم، بخلاف قضاة آخرين يعينون في محاكم أخرى ولا علاقة للبرلمان في عملية اختيارهم. يضيف السعدون: القضاة واختيارهم من صلاحية مجلس القضاء الاعلى حصرا، لكن اعضاء محكمة التمييز ينتمون الى الدرجات الخاصة ويتوجب على البرلمان التدخل في تعيينهم. ورغم الاتفاق على معظم الاسماء المرسلة من قبل مجلس القضاء، إلا ان السعدون لا يخفي وجود اعتراضات سياسية على بعض الأسماء واشكالات تتعلق بقانون المساءلة والعدالة على آخرين، لكنه يرفض وضع هذا الملف في خانة الصراع السياسي.

طيف آخر يرى في ملف محكمة التمييز ملفاً سياسياً بامتياز، وهو ما يعرض مبدأ فصل السلطات الى خطر واضح. في هذا الصدد يقول النائب زهير الاعرجي: اعضاء محكمة التمييز لم يحظوا بالتوافق حتى الآن بسبب الخلافات بين الكتل الكبيرة حول اسماء بعض المرشحين، وهناك من يقول ان بعضهم مشمول بالمساءلة والعدالة. ويوضح الاعرجي: من شروط ترشيح قاضي الى محكمة التمييز ان يكون عاملا في المحاكم العراقية ولديه الخبرة، فكيف يمكن ان يكون هناك قاض يعمل في المحاكم العراقية بدرجة رئيس او نائب رئيس محكمة استئناف، علماً أن شروط قبول القاضي مشمولة بإجراءات المساءلة والعادلة.

ويرى الاعرجي ان احترام خيارات القضاء وعدم ادراج ملف كهذا داخل المحاصصة السياسية يمثل مخرجا سليما من خطر الانزلاق الى التداخل بين السلطات.

يبقى أن السلطة التشريعية ارتكبت خطأ في فهم «الموافقة الشكلية» التي دعا اليها الدستور في عملية اختيار القضاة ومن هم في الدرجات الخاصة. ويقول الخبير القانوني طارق حرب: الدستور قرر ان اصحاب الدرجات الخاصة يجري التصويت عليهم بالموافقة من قبل البرلمان، لكن «الموافقة الشكلية»، لأن آلية ترشيح القضاة والتأكد من الشروط المطلوبة طبقا لأحكام قانون التطبيق القضائي والجانب الاخلاقي والجانب المهني لكل قاض يقررها مجلس القضاء الاعلى، باعتباره السلطة القضائية. ويرى حرب ان فشل البرلمان في تسمية اعضاء محكمة التمييز يؤشر الى وجود خلل سياسي سببه المحاصصة المفروضة على البرلمان منذ تأسيسه، ويضيف: ليس للبرلمان اطلاقا ان يدقق في الوجه القانوني والعملي للقضاة والاطالة في هذا الامر لا يمكن ان تستند الى أي حجة قانونية لأنها تدخل في عمل السلطة القضائية. وينتهي حرب الى القول: هناك خلل سياسي حال دون اختيار قضاة التمييز يتمثل في كون أي كتلة، حتى لو وافقت على قاض من المرشحين، فاذا هو حظي بموافقة كتلة أخرى فإن هذا يمكن أن يكون مدعاة للشك فيه، وهو ما يجعلها تعيد النظر في موقفها، وهذا ما حصل طوال الفترة الماضية.

 

للاطلاع على المقال اضغط على الرابط

http://www.alesbuyia.com/inp/view.asp?ID=    30110