التفاصيل
المحكمة الاتحادية العليا بين التشكيل الدستوري والحق في ممارسة الاختصاصات القانونية / الكاتب ضياء السعدي/ نقلا عن جريدة الزمان

المحكمة الاتحادية العليا بين التشكيل الدستوري والحق في ممارسة الاختصاصات القانونية / الكاتب ضياء السعدي/ نقلا عن جريدة الزمان

2012-07-05 01:00:00

الخلاصة التنفيذية

منذ ان صدر رأي المحكمة الاتحادية العليا في اضبارة الدعوى المرقمة 25/اتحادية/2010 في 25/3/2010 المتضمن تفسير نص المادة 76 من دستور جمهورية العراق ( المتعلقة بتكليف الكتلة البرلمانية بتشكيل الحكومة ) والجدل القانوني والصراعات السياسية والحزبية متواصلة ومتصاعدة وادى ذلك الى تأخر تشكيل الحكومة العراقية وغياب الاستقرار السياسي والامني وتصاعد التدخلات الخارجية واشتداد المخاطر المهددة لوحدة العراق وامنه وسيادته واستقلاله . لا يتطرق هذا البحث الى تفسير المحكمة الاتحادية العليا لنص المادة 76 من الدستور وفيما اذا كان ينطبق مع منهجية تفسير النصوص والقواعد الدستورية من عدمه وانما يتعلق بتكوين وتشكيل المحكمة الاتحادية العليا على ضوء الاحكام الدستورية وموجباتها الواردة في دستور العراق النافذ ولجهة صلاحية اختصاصها في تفسير النصوص الدستورية بعد الاخذ بالاعتبار ان المحكمة الاتحادية العليا اعطت رأيها بشأن المادة 76 من الدستور بالصيغة التي تشكلت بها بموجب امر رئيس الوزراء المرقم 30 لسنة 2005 حسب احكام المادة 44 من قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، والقسم الثاني استنادا لقرار الحاكم المدني السفير بول بريمر الممثل لسلطة الاحتلال العسكري للعراق وبيان مدى الصلاحية القانونية للمحكمة الاتحادية العليا في اداء اختصاصاتها القضائية طبقا للدستور العراقي الصادر سنة 2005. ولا يستهدف هذا البحث الاسطفاف الى جانب كتلة انتخابية او الدفاع عن وجهات نظر سياسية وانما محاولة متواضعة في تشخيص الجوانب الدستورية والقانونية الموضوعية للمحكمة الاتحادية العليا وهي ما بين التشكيل القانوني وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها المعهودة لها بموجب الدستور وبقصد وضع الامور في نصابها القانوني الصحيح وبما يؤمن تحقيق اعلى الضمانات التي لا تؤدي الى الانحراف بالقانون والقرارات القضائية صيانة لجميع الحقوق الدستورية . الامر الذي يقتضي الاسراع في سن قانون ينظم السلطة القضائية خاصة فيما يتعلق بمجلس القضاء الاعلى والمحكمة الدستورية العليا في اطار مسؤولية السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب وهذا ما تطلب توزيع البحث على المحاور التالية :

خلفية تاريخية موجزة لدساتير العراق بعد اخراج العراق من الحكم العثماني اثر الحرب العالمية الاولى 1914_1918 واخضاعه للانتداب البريطاني تأسست الدولة العراقية سنة 1921 وتم وضع القانون الاساسي من قبل الجمعية التأسيسية سنة 1925 والذي يعتبر اول دستور عراقي تم توالت دساتير اخرى مؤقتة في السنوات اللاحقة وعلى التوالي 1963 و1964و 1968 و1970 ومشروع الدستور الدائم سنة 1990 الذي لم يتم اقراره من قبل السلطة التشريعية .

مراجعة نصوص

وعند مراجعة نصوص الدساتير انفة الذكر منذ اول دستور لغاية مشروع الدستور الدائم لسنة 1990 تبين انها جاءت خالية من النص على مرجعية قضائية او بعبارة ادق محكمة قضائية مختصة لها سلطة تفسير النصوص الدستورية والفصل بالمنازعات الناشئة عن الطعن في دستورية القوانين والقرارات التي تصدرها السلطات التشريعية والقضائية المخالفة للمبادئ الاساسية والقواعد الدستورية ماعدا دستور 1968 الذي نص في المادة 87 على : ( تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير احكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين وتفسير القوانين الادارية والمالية والبت بمخالفة الانظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما ). الا ان هذه المحكمة لم تمارس مهامها واختصاصاتها لأنها لم تشكل اصلا رغم صدور القانون الخاص بها رقم 59 لسنة 1968 ولإلغاء دستور 1968 بصدور دستور 1970 المؤقت وخلال تلك الحقبة من تاريخ الدستور والقانون والقضاء في العراق كانت المحاكم بمختلف انواعها ودرجاتها تقف حائرة وعاجزة امام الطعون التي تقدم اليها من قبل المحامين وغيرهم بشأن القوانين والقرارات الصادرة من المؤسسات المكلفة بالتشريع او الانظمة والاوامر والتعليمات الصادرة من السلطات الحكومية والادارية التي تحكم الدعاوى والقضايا والتي تشكل دفوعا متعارضة وبصورة حادة مع المبادئ والقواعد الدستورية الاساسية . وعلى هذا الاساس فان الاوساط القانونية والحقوقية قد اشرت مبكرا النقص الحاصل بالدساتير المتمثل بانعدام الرقابة القضائية الدستورية على الامور القانونية والقضائية في العراق ودور المحاكم المختصة بالتصدي لحالات الانحراف بالقانون وما يترتب على ذلك من اثار خطيرة بسبب عدم الامتثال للتطورات الحاصلة على الصعيد الدستوري في بناء الدولة القانونية التي تعمل بمبادئ احترام ارادة الشعب ومفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان من خلال الرقابة الدستورية واستقلال القضاء . وبالمقابل فان عددا من المحاكم العراقية قد اصدرت قرارات قضائية امتنعت فيها عن تطبيق القوانين والانظمة والاوامر المخالفة للقواعد الدستورية مستندة في ذلك الى القواعد العامة وضرورة الالتزام بها كما يذهب اليه فقهاء القانون .

المحكمة الاتحادية العليا في ظل قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية نصت المواد الواردة في الباب السادس من قانون ادارة الدولة العراقية لمرحلة الانتقالية المتعلقة بـ ( السلطة القضائية الاتحادية ) على تشكيل محكمة في العراق بقانون وتسمى المحكمة الاتحادية العليا وان المادة 44 من هذا القانون قد حددت اختصاصات هذه المحكمة والنصاب المطلوب للقرارات التي تصدر عنها وان الفقرة (هـ) من المادة المذكورة اوجبت (تكوين المحكمة الاتحادية من تسعة اعضاء ويقوم مجلس القضاء اوليا وبالتشاور مع المجالس القضائية للاقاليم بترشيح على ما لا يقل عن ثمانية عشر الى سبعة وعشرون عضراً لغرض ملئ الشواغر في المحكمة المذكورة ) كما نصت ايضاً على طريقه التعيين (بان يقوم مجلس الرئاسة بتعيين اعضاء هذه المحكمة وتسمية احدهم رئيساً لها وفي حالة رفض اي تعيين يرشح مجلس القضاء الاعلى مجموعة جديدة من ثلاثة مرشحين . وعليه و بموجب الامر الصادر من رئيس الوزراء 30 لسنة 2005 وطبقاً للصلاحية المخول بها المنصوص عليها في المادة 44 من قانون ادارة الدولة تم اصدار قانون المحكمة الاتحادية . وعلى ضوء ما تقدم لا بد من ابداء الملاحظات الاتية :

ان المحكمة الاتحادية العليا شكلت والعراق محكوم بدستور مؤقت وهو قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية والسلطة التشريعية فيه جمعية وطنية غير منتخبة من قبل الشعب بصورة مباشرة .

تطبيق احكام

عدم تشكيل المحكمة الاتحداية بقانون طبقاً لاحكام المادة 44 من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية وانما شكلت من قبل مجلس الوزراء استناداً للقسم الثاني من ملحق قانون ادارة الدولة اللمرحلة الانتقالية . وبدلاً من الاستناد على القانون في تشكيل المحكمة الاتحادية العليا استعيض عن القانون بامر صادر من رئيس الوزراء للحكومة المؤقتة المرقم 30 لسنة 2005 واعتبر الامر قانوناً . ان امر تشكيل المحكمة الاتحادية العليا قد استند على القسم الثاني من ملحق قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية الذي خول مجلس الوزراء السلطات الممنوحة له في هذا القانون في تعيين اعضاء المحكمة الاتحادية العليا على ان يتم تصديق ذلك من قبل رئاسة الدولة في الحكومة الانتقالية المنتخبة . وعليه فان هذا التخويل الممنوح لمجلس الوزراء في تعيين اعضاء المحكمة الاتحادية ابتداءاً يشكل سلباً لارادة الشعب المتمثلة بالهيئة المنتخبة من قبله وحقه في اختيار قضاة هذه المحكمة ويتعارض مع القواعد الدستورية الدولية التي تعطي لسلطة القضاء المكون والمنظم وفقاً لاحكام الدستور ولوحدها تعيين القضاة في المحاكم التي تختص بالرقابة القضائية ومن النتائج المترتبة على الابتعاد عن تشكيل المحكمة الاتحادية بما يوافق المعايير والقواعد الدستورية والقانونية فقدان القدرة على ممارسة اختصاصاتها وبالتالي لن تكون في منآى عن التدخلات السياسية والحزبية لان تشكيلها قد تم بقرار حكومي وليس من هيئة منتخبة وان ضمان الاستقلال والنزاهة والعدالة في احد وجوهه لن يتاتى الا عبر التقيد بالاليات والطرق المحددة دستورياً في التأسيس لهذه المحكمة ومن قبل السلطات المنتخبة لا سيما وان هذه المحكمة قد انيط بها اختصاصات خطيرة تتعلق بالرقابة القضائية وتفسير نصوص الدستور وبناء الدولة .

المحكمة الاتحادية العليا في الدستور الدائم لعام 2005 وقاعدة الاثر الفوري لنصوصه غير مقيدة النفاذ

المبدأ ان نصوص الدستور تعتبر نافذة بمجرد اقرارها بالصيغة المقررة وان المادة 44 من دستور جمهورية العراق لعام 2005 قد (عدت الدستور نافذا بعد موافقة الشعب عليه بالاستفتاء العام ونشره بالجريدة الرسمية وقد تم نشره في الوقائع العراقية الصادرة بالعدد (4012) في 30/12/2005 . وبناء على ما تقدم تكون نصوص الدستور نافذه ما عدا النصوص المعلقة على زمن او ترتيب معين وهذا ما يوجب على السلطات في الدولة تكييف اوضاعها القانونية حسب الاحكام الجديدة للدستور عملاً بقاعدة الاثر الفوري للنصوص  الدستورية والسؤال الذي يثأر هنا ويطرح نفسه بقوة هل ان السلطة القضائية على وجه التحديد اعادت النظر بالمحكمة الاتحادية العليا على ضوء احكام الدستور الجديد ووفق ما جاء في الفقرة  ثانيا من المادة 92 التي نصت على ان (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب ؟؟ ) ان الزامية المادة 92 من الدستور تقضي سن قانون خاص بالمحكمة الاتحادية العليا يقترن بموافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب بعد تحديد عدد القضاة الاعضاء في المحكمة وشروط اللازمة توفيرها فيهم اضافة لعدد الخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون حتى تستطيع المحكمة ممارسة اختصاصاتها المنصوص عليها في المادة 93 من الدستور ومنها الحق في تفسير نصوصه بما يحقق حالة القبول والطمأنينة لقرارتها خاصة وان احكامها وتفسيراتها باتت بدرجة اخيرة لاتقبل الطعن او المراجعة لدى اي سلطة قضائية اخرى .

ويبدو واضحاً من خلال اي مراجعة قانونية للمحكمة الاتحادية العليا التي نص عليها قانون الدولة للمرحلة الانتقالية للمادتين 43و44 والقسم الثاني من ملحقه من حيث التشكيل والاختصاصات والتكوين مدى الاختلاف الكلي عن المحكمة الاتحادية المقصودة في المادتين 92و93 من الدستور الدائم من حيث التشكيل والاختصاصات والتكوين وان استمرارها في القيام بمهامها وهي غير مشكلة طبقاً للأحكلم الواردة في الدستور الجديد النافذ يفقدها الحق بممارسة اختصاصاتها ويترتب على ذلك عدمية القرارات والتفسيرات الصادرة منها طبقاً للقواعد القانونية العامة.

الحقيقة ليس لدينا محكمة اتحادية عليا مشكلة طبقا للآليات والطرق المقررة في الدستور الدائم وهذا الامر ادى الى الابقاء على المحكمة الاتحادية العليا المشكلة في ظل قانون الدولة للمرحلة الانتقالية ومرد ذلك عدم الامتثال للوجوب الدستوري المتمثل بنص المادة 92 /ثانياً من الدستور الدائم رغم تمتعها بالأثر الفوري والعاجل غير القابل للتأخير وهذه الحالة تتعارض ايضاَ مع مبدأ وجوب احترام الدستور والخضوع الى احكامه حكاما ومحكومين لانه يمثل ارادة الشعب بشان في غاية الخطورة والاهمية الا وهو الرقابة على دستورية القوانين وتفسير النصوص الدستورية وخلاصة القول ان من ابرز المظاهر الطغيان والاستبداد والتحول بالسلطة العامة الى ملكية فردية خاصة هو تصور الحاكم القابض على السلطة انه فوق القانون وهذا ما شكل احد الاسباب المباشرة لجميع حالات الاستبداد في المجتمعات البشرية في الوقت الذي يجب ان يكون مفهومها ان ما من احد في النظام يحكمه القانون فوق القانون ومن هنا تاتي اهمية الرقابة القضائية على الدستور وان ممارسة اختصاص الرقابة والتفسير وينبغي ان تمارس من قبل محكمة مشكلة طبقا للأسس  والمقومات الدستورية وان يكون لها سلطة مطلقة ويضمن القانون الخاص بها ممارسة اختصاصاتها بعيدا عن كل اشكال التدخل والتأثير ايا كان مصدره ان يراعى في اختيار اعضاءها القواعد القانونية العامة واحاطتهم بضمانات قوية تحول دون العزل او التهديد به واسقاط كل الذرائع التي يمكن النفاذ منها للتأثير على استقلالية هذه المؤسسة القضائية قضاة واعضاء رقابة وتفسيراً وبهذا نوفر الحدود الدنيا لاشتراطات قيام قضاء رقابي يمكن الركون اليه والقبول بقراراته وتفسيراته .