التفاصيل
الفقهــــاء المســـلمون باعتبارهــــم أهــــل الخبــــرة .. نقلاً عن جريدة المدى

الفقهــــاء المســـلمون باعتبارهــــم أهــــل الخبــــرة .. نقلاً عن جريدة المدى

2012-08-26 12:00:00

الفقهــــاء المســـلمون باعتبارهــــم أهــــل الخبــــرة

(تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي  وفقهاء القانون يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن  بأغلبية أعضاء مجلس النواب ) , المادة 92 من الدستور.هذا هو النص الذي  انصرفت إليه إرادة المشرع من اجل تشريعه     ,

إذ أن النص المذكور نص على كلمة "خبراء" ولم ينص على  "الفقهاء المسلمين " مجردة من كلمة الخبراء ,إذ لو جاء النص بالشكل التالي :- (تتكون المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة والفقهاء المسلمين......),لكان للموضوع شأن آخر قد ينسجم مع الخطاب الديني السياسي الذي يملأ الساحة الإعلامية حاليا حول موضوع المحكمة الاتحادية العليا     .

ولما كان الدستور قد نص على خبراء الفقه الإسلامي فهذا يعني أن المشرع قصد تجليس هؤلاء في وظيفة " الخبرة" , ولا يمكن بأي حال من الأحوال إهمال ذلك لأننا أمام قاعدة قانونية وردت بنص دستوري     .

فما هي الخبرة ؟     

وللإجابة على هذا السؤال لابد من الوقوف على تعريف الخبرة لغة واصطلاحا فقهيا وقانونيا ليتسنى لنا تلمس موقع هؤلاء في المحكمة الاتحادية العليا     .

أولا – الخبرة لغة : - يقال خبرت الأمر أي علمته, إذن عرفته على حقيقته ( لسان العرب لابن منظور/ المجلد الرابع). وخبر الشيء – علمه عن تجربة ( المنجد في اللغة والإعلام ص162), وقد ورد في القرآن الكريم ( فسئل به خبيرا ) ,الفرقان59 , وفي تفسير ذلك فمعناه فأسأل به أيها الإنسان عارفا يخبرك بالحق في صفته ( تفسير البيان للطوسي مجلد 7 ص443) .     

ثانيا – الخبرة في الاصطلاح الفقهي : - نقرأ في كتب الفقه والقضاء أن القاضي يتخذ من أهل العلم والفضل جماعة يشاورهم في المعروض أمامه من نزاعات , وهذه المشورة أمر مطلوب في عمل القاضي - وان كان عالما - وقد جرت المشورة لأهل الخبرة منذ عهد الخلفاء الراشدين ثم القضاة من بعدهم , فقد كان سعيد بن إبراهيم قاضي المدينة يجلس بين القاسم وسالم وهما من فقهاء المدينة يشاورهما , كما ورد في كتاب القضاء للقاضي شهاب الدين المعروف بابن أبي الدم وتحت عنوان مشورة القاضي : - ( ينبغي أن يرتب مع علماء الفريقين الحضور إلى مجلس حكمه لمشاورتهم في المشكلات ومناظرتهم في المجتهدات ) , أما كتاب أدب القاضي للخصاف وهو يتكلم عن مجلس أهل الشورى في القضاء فقد ورد فيه : ( وإذا أراد أن يجلس معه قوما من أهل الفقه والأمانة وأجلسهم قريبا منه ... لأن أهل الفقه إنما يجلسون مع القاضي لأجل المشورة ) . أما السرخسي في مبسوطه فقد قال : ( فالمراد المشورة على سبيل الندب دون الحتم) .  

ثالثا – الخبرة في الفقه القانوني : -  الخبرة هي تدبير حقيقي واستشارة فنية يستعين بها القاضي بغية الوصول إلى معرفة علمية أو فنية تتعلق بالواقعة المعروضة عليه تنير الطريق أمامه ليبني حكمه على أساس سليم ) . حسين المؤمن نظرية الإثبات  وتعرف كذلك :- ( نوع من المعاينة الفنية تتم بواسطة أشخاص تتوفر لديهم الكفاءة في النواحي الفنية....) د . توفيق حسن فرج .

ويقال بشأنها : ( ليست المحكمة ملزمة بإجابة طلب ندب أهل الخبرة , بل أن الأمر متروك لتقديرها ،فإذا رأت أنها تستطيع الوصول إلى الحقيقة في النزاع دون حاجة إلى رأي خبير أو أن الحقيقة ظاهرة من مستندات الخصوم أو من أقال الشهود و جاز لها رفض طلب ندب أهل الخبرة  ولا معقب عليها في ذلك ) – سليمان مرقس – احمد أبو الوفا .

رابعا – الخبرة في التطبيقات القضائية : -

(إذا كان طلب التحقيق بواسطة أرباب الخبرة جائز قانونا وكان هذا التحقيق هو الوسيلة الوحيدة للخصم في إثبات مدعاه  فلا يجوز للمحكمة رفضه بلا سبب مقبول ) محكمة النقض المصرية. 

(إنه يعود لمحكمة الأساس حق تقرير تعيين خبير وتحديد تكليفه وسلطتها في هذا الشأن مطلقة ...).محكمة التمييز اللبنانية.

(متى كان القاضي قد لاحظ نقصا أو غموضا في تقرير الخبرة الأول  .. لا يحق له أن يلجأ إلى خبرة ثانية أو ثالثة قبل أن يظهر أعضاء الخبرة الأولى عجزهم عن الإيضاح ...) محكمة النقض السورية. 

( لا يجوز للمحكمة الاعتماد على تقرير- الخبير- غامض لم توضح أسبابه أوانه مبني على الظن والافتراض ) , محكمة التمييز العراقية . 

خامسا -  الخبرة في التشريعات العربية: -

( تتناول الخبرة الأمور العلمية والفنية وغيرها من الأمور اللازمة للفصل في الدعوى دون المسائل القانونية ) المادة 132 من قانون الإثبات العراقي.

( إذا كان الفصل في الدعوى موقوفا على أمور تستلزم معرفة فنية , كان للمحكمة من تلقاء نفسها – أو بناء على طلب الخصوم – أن تقرر إجراء تحقيق فني بواسطة خبير واحد أو ثلاثة خبراء ) , المادة 138 من قانون البيانات السوري .

( للمحكمة أن تقرر تعيين خبير لإجراء معاينة أو لتقديم استشارة فنية أو للقيام بتحقيق فني بشأن مسألة تتطلب معارف فنية ) المادة 314 من قانون المحاكمات المدنية اللبناني.

( للمحكمة عند الاقتضاء  أن تحكم بندب خبير أو ثلاثة ويجب أن تذكر في منطوق حكمها..) . المادة 135 من قانون المرافعات المصري.
من كل ماتقدم يمكن أن نخرج بالاستنتاجات التالية : - 

1 – إن الخبرة رأي استشاري يتعلق بالمسائل الفنية أو العلمية كالخبرة التي يقدمها الطبيب أو المهندس أو الحرفي إلى المحكمة بشرط أن لا تتصدى للأمور القانونية , لكون الأخيرة من عمل القاضي , وهو الشخص الوحيد المؤهل لتطبيق القانون . 

2- للمحكمة الأخذ بتقرير الخبير كلا أو جزءا , كما أن لها إهدار تقرير الخبرة , على أن يتم ذلك مع التسبيب , إذ في حالة الإهدار يجب بيان ذلك وسبب عدم صلاحية تقرير الخبرة لاعتباره سببا في إصدار الحكم . .

3- إن عمل القاضي يختلف عن عمل الخبير , لاختلاف الطبيعة القانونية لكلا الوظيفتين , لان القضاء إلزام , كما جاء في الآية الكريمة :( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) , كما أن القضاء اصطلاحا يعني الفصل في الخصومات , فضلا عن أن الأحكام الشرعية والقانونية وضعت شروطا صارمة لكل من يتولى عمل القضاء , في حين أن عمل الخبير هو عمل لتقديم المشورة في الأمور غير القانونية ويكون تحت إشراف المحكمة وسلطتها القضائية , إذ أدرج الفقه الإسلامي الخبير في خانة ( أعوان القاضي) . 
4 – إن عمل المحكمة الاتحادية العليا هو عمل قضائي بحت , وهذا المبدأ يجد أساسه في نص المادة 92 / ثانيا التي تنص على : ( المحكمة الاتحادية هيئة قضائية مستقلة ...) , ووجود خبراء الفقه الإسلامي على وفق مسودة القانون موضوع المناقشة يجعل من الاتحادية هيئة غير قضائية لكون المذكورين ليسوا بقضاة أولا كما أنهم ينزعون عنها الاستقلال ثانيا لارتباطهم بالجهات المرشحة لهم وضمن مفهوم المحاصصة سيئ الصيت . 

5 – إن وجود خبراء الفقه الإسلامي في تشكيلة المحكمة الاتحادية العليا ينحصر في الوظيفة التي حددها لهم النص الدستوري – الخبرة - , ولا يمكن أن يتعدي عملهم إلى المسائل القانونية , أو يمنحوا صلاحية التصويت , لأن إعطاءهم صلاحية التصويت يعد خروجا عما استقرت عليه دساتير العالم . إذ لا يوجد في أي نظام قانوني أو دستوري مشاركة الخبير في إصدار الأحكام القضائية, إلا في مجلس تشخيص النظام الإيراني .

للحديث صلة