التفاصيل
ملاحظات على مشروع قانون المحكمة الاتحادية العراقية العليا / القاضي زهير كاظم عبود

ملاحظات على مشروع قانون المحكمة الاتحادية العراقية العليا / القاضي زهير كاظم عبود

2012-12-03 09:00:00

افتقرت الدولة العراقية منذ بداية تأسيسها وحتى نهاية زمن الدكتاتورية في 4 نيسان 2003 الى كيان قضائي دستوري يفصل في الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة ، او يفصل في القضايا التي تنشأ جراء تطبيق القوانين وتفسير النصوص القانونية ، ولم يكن هناك كيان قانوني أو قضائي يلزم الدولة والادارة ويمنح حق الطعن للأفراد من ذوي الشأن والجهات الاخرى المختصة بالطعن في القرارات والقوانين     . 

حتى حل قانون المحكمة الاتحادية العراقية العليا المتشكلة بالأمر التشريعي رقم ( 30 ) اسنة 2005 والنافذ اعتبارا من 17/3/2005 ليعبر عن الحاجة الماسة لهذه المحكمة ، ونؤكد الحاجة لها خصوصا في المرحلة الراهنة ونحن نشرع في بناء بلد يحكمه الدستور والقانون ، وينبغي ان يتعرف المواطن على تفاصيل عملها وكيفية إقامة الدعوى امامها على ان المحكمة أن ينبغي ان تكون     : 

1.       قضائية    

2.       مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية  

3.      تختص بالفصل في القضايا الدستورية

4.      وتختص ايضا بتفسير نصوص القانون

5.      وان تكون قراراتها باتة وملزمة لكافة السلطات

وحين باشرت المحكمة الاتحادية العليا اعمالها بات من الضروري تشريع قانون يحكم اعمال المحكمة الاتحادية العليا ، وان يكون هذا القانون ملبيا ليس للمرحلة الراهنة ، انما يكون بمستوى الطموح للمستقبل العراقي المنشود . 

وطرح مشروع مسودة قانون للمحكمة الاتحادية العليا قبل فترة  لمناقشته امام مجلس النواب ، حيث ان نصوص الدستور العراقي لسنة 2005 ( من المادة 92 – 94 ) لم تعد وافية ومستوعبة لعمل المحكمة وقيامها بواجباتها القضائية والدستورية التي حددها الدستور ، وتأسيسا على نص المادة (130) من الدستور التي ابقت جميع التشريعات النافذة معمولا بها ، مالم تلغ أو تعدل وفقا لأحكام الدستور ، فأن قانون المحكمة يبقى نافذا ومعمولا به مالم يلغ بقانون جديد للمحكمة . 

وقراءة سريعة لمشروع القانون الجديد يوجب علينا أن نلفت الانتباه الى بعض النقاط التي وردت فيه منها :
 1 - ما ورد في المادة ( 1 ) التي نصت جملتها الأخيرة على أن يكون رئيس المحكمة ( رئيسا اعتباريا للسلطة القضائية ) ، والشخص الاعتباري شخص معنوي او ليس له وجود فعلي محسوس ، او شخص افتراضي ، وهو تعبير مغاير للمنطق والواقع ، فرئيس المحكمة شخصا طبيعيا ، وقاضيا يمارس عمله القضائي ومستمرا بهذا العمل ، ولايمكن ان يكون افتراضيا او رمزيا او فخريا ، فالسلطة
القضائية بحاجة الى قاض يرأسها ويدير شؤونها واعمالها  ويتدخل في قراراتها ، والافتراض أن يكون هذا القاضي مستقلا لا علاقة له بالسلطتين التشريعية والتنفيذية ، وبالتالي لا يمكن ان يكون اعتباريا او افتراضيا لأن هذا الاعتبار والافتراض لن يفيد المعنى ولا يلبي الحاجة ويخرج التوصيف المعنى العملي والدقيق عن الواقع . وجاء في الموسوعة الحرة بان الشخص الاعتباري هو مجموعة من الأشخاص والأموال يتوفر لها كيان ذاتي مستقل تستهدف تحقيق غرض معين وتتمتع بالشخصية القانونية في حدود هذا الغرض ، وان اخضاع الشخص الاعتباري للمسؤولية الجنائية محل جدل قانوني وفقهي مستمر ، لذا فأن الإشارة الى كلمة ( الاعتباري ) ليس لها محل في النص .

2 - في القانون النافذ تتشكل المحكمة من رئيس و( 8 ) اعضاء يشكلون هيئة المحكمة القضائية  جميعهم من القضاة ، وحيث ان نص الفقرة ثانيا من المادة ( 92 ) نصت على ان تكوين المحكمة الاتحادية العليا من عدد من القضاة + خبراء في الفقه الاسلامي + فقهاء في القانون يحدد عددهم وطريقة اختيارهم وعملهم بقانون ، فان المقترح ان تتكون المحكمة من رئيس من القضاة ونائب رئيس و( 7 ) اعضاء من القضاة ، بالإضافة الى اربعة مستشارين ، اثنان منهم من فقهاء الفقه الإسلامي ، وأثنان  من خبراء  القانون  ، وبذلك تتكون المحكمة من ( 13 ) عضو ، بينما نص المشروع على ان يكون عدد اعضاء المحكمة ( 11 ) عضو بينهم (4) مستشارين ، اثنان في الفقه وأثنان في القانون ، وبذلك يكون القضاة بما فيهم الرئيس ونائبه ( 7 ) . ولم يأخذ المشروع بعين الاعتبار مجالس القضاء في الأقاليم والمحافظات التي لم ترتبط بإقليم .  كما ان محاولة حشر اربعة اعضاء من غير القضاة يشكل ارباكا وامرا ليس له ما يبرره ، بسبب تشعب العمل وانقسام الآراء  داخل المحكمة ، بالإضافة الى انه يشكل سابقة قضائية ودستورية لم تأخذ بها جميع الدساتير والمحاكم الدستورية  ، كما انه يتعارض اصلا مع نص الفقرة ( أولا – من المادة 92 ) من الدستور والتي نصت على ان المحكمة هيئة قضائية حصرا  ، حيث لا يمكن تحميل النص اكثر مما يتحمله ، كما لا يمكن ان يتم تعيين المستشارين بصفة قضاة بهذا الشكل المخالف لقانون التنظيم القضائي .

3 - عملية الترشيح لرئاسة المحكمة ونائب الرئيس والاعضاء يتم اقتراحهم من قبل مجلس القضاء الاعلى على ان يتم الاختيار من قبل رئيس الجمهورية بالتشاور مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء ورئيس السلطة القضائية اذا لم يكن اسمه بين المرشحين . 

4 - لا ضير من ترشيح ضعف العدد المطلوب  من فقهاء القانون من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على ان يتم التشاور مع الجهات القانونية الاكاديمية في اقليم كوردستان العراق ، وضعف العدد المطلوب من فقهاء الفقه الاسلامي يتم ترشيحهم من قبل ديواني الوقف الاسلامي على ان يتم التشاور مع الجهات المماثلة في اقليم كوردستان العراق  ، وتثار المشكلة في أن يكون هؤلاء المستشارين اعضاء كقضاة في المحكمة يحق لهم التصويت ومناقشة القرارات واصدارها ، بينما تشير كلمة المستشار الى من يقدم الاستشارة في مجال عمله ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال معرفته بأصول  وقواعد القانون او بالقانون الدستوري او بالمرافعات المدنية عمليا ، كما ان رأي الخبراء استشاري يتعلق بالمسائل الفنية او العلمية كالخبرة التي يقدمها المهندس او الطبيب ، ولا اعتراض على  وجود مثل هؤلاء المستشارين في المحكمة على ان لا يكون لهم حق التصويت في القرار ، بالنظر لكون العمل القضائي والتدقيق الدستوري يختلف عن طبيعة عمل المستشار ، انما تنحصر مهمتهم الاستشارية في مجال الفقه والقانون ، ومن الجدير بالذكر ان عمل المحكمة قضائي ودستوري لا يتعلق باي شكل كان بالفقه والتفسير الديني وان تكون آلية اختيارهم نفس الالية التي يتم اختيار القضاة بها غير ان مراسيم تسميتهم اعضاء بصفة مستشارين تختلف عن مراسيم تعيين القضاة كأعضاء اصليين في المحكمة .

5 - ان مكونات السلطة القضائية بمقتضى نص المادة ( 87 ) من الدستور هي مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى ، ومع اننا نقترح ان تكون الهيئات القضائية في الأقاليم والمحافظات غير المرتبطة بإقليم ضمن مكونات السلطة القضائية ، فأن السلطة القضائية لابد لها من رئيس يمثل قمة الهرم القضائي ، فاذا كان رئيس المحكمة الاتحادية العليا من يمثل هذه السلطة فمن المنطق والمقبول ان يكون رئيس المحكمة الاتحادية العليا رئيسا لمجلس القضاء الأعلى ، وحتى لا يحدث تعارض بين النص الدستوري وبين قانون المحكمة ، بالإضافة الى الواقع العملي في اختزال مهمة القيادة القضائية لجهة واحدة .

6 - ما ورد في نص المادة ( 15 ) من المشروع من عدم دستورية النص القانوني بعد صدور الحكم من المحكمة الاتحادية العليا واعتباره كان لم يكن ، فلا يمكن ان يتم اعتبار الحقوق والمراكز القانونية التي ترتبت في ظل النص قبل صدور قرار المحكمة لاغية ولا قيمة لها بالنظر لكون قرار المحكمة يعتبر نافذا من تاريخ نشر القرار بالجريدة الرسمية ونفاذه وفق الاصول ولا يمكن ان يتعدى على ما سبق صدوره من قرارات وحقوق مكتسبة قبل ذلك .  

7 - ان الشروط الواجب توفرها في قضاة المحكمة حددها نص المادة ( 5 ) من المشروع ، غير أن مجرد توفر مدة (20 سنة) خدمة قضائية لا يكفي مالم تقترن المدة بأن يكون من بين قضاة الصنف الأول ، بالنظر الى ان حصول القاضي على الصنف يتطلب منه  مضي المدة المقررة قانونا وتقديم بحث في مجال العمل القضائي وموافقة جميع الجهات القضائية المختصة في الترقية ، بالإضافة الى مسألة غاية في الأهمية ، وهي توفر الخبرة الثقافية والمعرفة الدستورية بالإضافة الى الخبرة القضائية وحقوق الأنسان  وقضية الحقوق والحريات بشكل عام ، حتى يمكن ان يتميز عن اقرانه لتبوء منصب عضوية المحكمة الاتحادية العليا ، وهي مهمة كبيرة يتوجب ترسيخ اسسها وبنائها بالشكل الدستوري والقانوني وبما يحقق قاعدة للمستقبل العراقي في بناء دولة القانون .