التفاصيل
في استقلالية القضاء والقضاة وقانون السلطة القضائية / القاضي ناصر عمران الموسوي

في استقلالية القضاء والقضاة وقانون السلطة القضائية / القاضي ناصر عمران الموسوي

2012-12-27 12:00:00

أكدت مبادئ الامم المتحدة الاساسية ،عند تناولها لاستقلالية السلطة القضائية في عام 1985 ،على ان تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية ويُنص عليه في دساتيرها و قوانينها ، وأن تفصل السلطة القضائية في المسائل المعروضة عليها دون تحيز وان تكون لها الولاية على جميع المسائل ذات الطابع القضائي ، وهذا المبدأ ليس من منِة تُمنح للسلطة القضائية وإنما هي جزء حي ومهم من منظومة مت حقوقية  متكاملة تسعى لان ترتقي بالإنسان وتعمل جاهدة على تطبيقها ميدانيا ً ، فالمواثيق الدولية التي تعتبر انتصارا ً للمشترك الانساني على فوضى الانقسام والتشرذم ،فقد نصت في المادة (العاشرة) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 على أن (لكل انسان الحق على قدم المساواة التامة مع الاخرين ،في ان تُنظر قضيته امام محكمة مستقلة ونزيهة نظرا عادلا للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه اليه ) وتعزز هذا المبدأ في الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية عام 1966 اما عن استقلالية القضاة فحيادها ونزاهتها يتخذ طابعا متكاملا مع استقلالية السلطة القضائية ومنفردا عنها ، فاستقلال السلطة القضائية وحيادها ينعكس بشكل مباشر على حيادية القاضي ونزاهته ورؤيته للخصومة او النزاع المعروض امامه وبشكل مستقل وهو ما أكده المؤتمر الدولي لرجال القانون في نيودلهي عام 1959 اذ تقرر بان القاضي لا يمكنه ان يعمل بطريقة تحكمية ، ووفقا لإعلان حقوق الانسان فالقاضي كغيره من المواطنين له حرية التعبير والاعتقاد وتكوين الجمعيات والتجمع ، وما كان الدستور العراقي بعيدا عن استقلالية القضاء والقضاة فقد جاء  في المادة (47) وفي باب السلطات الاتحادية ان (تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على اساس مبدأ الفصل بين السلطات ،) وبذلك وضع الدستور لبنة ارتكازية مهمة في عمل هذه السلطات ،وتناول موضوعة السلطة القضائية في الفصل الثالث وتحت عنوان (السلطة القضائية ) حيث نص في المادة (87) على (السلطة القضائية مستقلة ،وتتولاها المحاكم على اختلاف انواعها ودرجاتها وتصدر احكامها وفق القانون) وأردف هذا النص في المادة (88) التي نصت على (القضاة مستقلون ،لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة) ولأجل تحديد ماهية السلطة القضائية وتكويناتها جاءت المادة (89) التي نصت على ان السلطة القضائية تتكون من مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ،ومحكمة التمييز الاتحادية ، وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية الاخرى التي تنظم وفق القانون ) كما ان المادة (90،91) نصت على ان مجلس القضاء الاعلى يتولى ادارة شؤون الهيئات القضائية وينظم القانون طريقة تكوينه ، واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه ،وممارسة الصلاحيات والتي نصت عليها الفقرات (اولا وثانيا وثالثا ) من المادة (91) والتي هي (ترشيح رئيس وأعضاء محكمة التمييز ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الاشراف القضائي وعرضها على مجلس النواب للموافقة على تعيينهم  واقتراح الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية وعرضها على مجلس النواب للموافقة عليها ،)

وبالرغم من  ان الدستور احتوى على نصوص دستورية تضمن استقلالية القضاء والقضاة وبعد مرور فترة طويلة على صدور الأمر الاهم رقم (35) لسنة 2003 والصادر من سلطة الائتلاف المؤقتة المنحلة  والمادة (الخامسة و الاربعون) من قانون ادارة الدولة الانتقالي ، والذي حصل على اساسهما تشكيل مجلس القضاء الاعلى ليخرج من هيمنة السلطة التنفيذية ويُكون سلطة اتحادية الى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وحسب الدستور العراقي الدائم ، والملاحظ ان استقلالية السلطة القضائية وخلال مراحل العمل نحو بناء مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية والتي تشكل استقلالية السلطة القضائية الضمانة الحقيقة للبناء السليم للدولة ، فان القضاء تعرض لمحاولات كثيرة ازاء ادارة سياسية للدولة قائمة على احتراب سياسي انشأ محاصة سياسية دخلت قمة وهرم وقاعدة الدولة والتي صار التقسيم القومي والاثني والديني والمذهبي سمة مميزة في ادارة الدولة على حساب الهوية المشتركة وهي المواطنة ، ومن الطبيعي ان يكون عمله وهو(الحكم) في نزاع وخصومة مثار ارتياح وقبول جانب وانزعاج ورفض جانب اخر ، ويأتي ذلك في قصور ثقافي واضح في الجانب الثقافي القانوني انعكس بشكل كبير

وصرنا نرى ممثلين للشعب يتهمون ويشككون في عمل القضاء ويَدعون انحيازه فضلا ً عن خضوعه لجهة ما ، ورغم ذلك نأى القضاء بنفسه وصار عنوان رده هو الحكم الذي يصدره باعتباره صورة الحقيقة ، لكن ذلك لم يخرج القضاء من اسقاطات الخلافات والازمات المستمرة للكتل السياسية المشكلة للحكومة ومجلس النواب ،فلا غرو اذنا ً ،ان نرى تشريع لقانون مجلس القضاء الاعلى يخرج من مناخات مجلس نواب يعاني الانقسام بين من يعتبره انجازا وبين مشكك بذلك ، وامام وجوم قضائي واضح  فما صدر لم يأت بجديد وانما تغاضى على الكثير من المنجزات التي تحققت للقضاء سعيا للوصل الى بناء قضائي ،والغريب في الامر ان يصدر قانون مجلس القضاء العراقي دون ان يصدر اي تصريح من جمعية القضاء العراقي باعتبارها ممثلا عن صوت القضاء بل لا نرى لها اي دور في اي تحدي أو تعدي احيانا على القضاة والقضاء العراقي وكأنما هي ليست معنية بالشأن القضائي وربما لم تسمع بموقف نادي القضاة في مصر الذي يجاهد في الحفاظ على استقلاليته ووحدة القضاء ، ان الأمر يستدعي من القضاء ان يأخذه دوره في تحقيق استقلاليته عبر التأكيد على ان السلطة القضائية وهي احدى السلطات الثلاث التي ترتكز عليها الدولة هي سلطة مستقلة ، تتولاها المحاكم وقضاتها مستقلون وتتكون كما اشارت المادة الدستورية (89) من (مجلس القضاء الاعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة التمييز الاتحادية ،وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي والمحاكم الاتحادية) وان تشريع قانون موحد باسم السلطة القضائية ينسجم مع رؤيا الدستور ونصوصه يتناول تنظيم جميع مكونات السلطة القضائية ، ويقوم القضاة والخبراء في القانون وبالتنسيق مع المنظمات الدولية ذات الاهتمام القانوني والقضائي وبالتنسيق مع السلطتين التنفيذية والتشريعية بالقدر الذي لا يسمح بتغول تلك السلطات على اختصاص واستقلالية القضاء والقضاة ، ونرى بان الخطوة الاولى تأتي عبر مؤتمر اول موسع للقضاء العراقي يتناول برامج العمل المستقبلية للقضاء  وتحديد النظام القضائي المناسب للعراق بالتماهي مع التطور في النظام والعمل القضائي العالمي ،والمعوقات التي تواجه القضاء والقضاة والتأكيد على تشكيل هيئات تنظيمية قضائية لتحقيق ذلك ، فالسلطة القضائية هي المحور الاساس وحجر الزاوية في البناء الديمقراطي لدولة القانون والمؤسسات الدستورية .