التفاصيل
دور الأعلام القضائي في أستقلال القضاء / عمار احمد مصطفى

دور الأعلام القضائي في أستقلال القضاء / عمار احمد مصطفى

2013-02-10 12:00:00

المقـدمة

  1

نادت المجتمعات والشعوب الحرة باستقلال القضاء ذلك الهدف السامي الذي غايته تحقيق العدالة وبناء دولة المؤسسات بعيداً عن الشمولية والتفرد وأن نظرة سريعة على كافة دساتير العالم المتحضر نجدها تجتمع على مبدأ أستقلال القضاء بأعتباره مبداءً دستورياً أصيلاً يرتبط بحماية حقوق الأنسان بل وأن حتى الأنظمة ذات الطابع الشمولي أخذت تنادي به دفعاً للأستنكار الدولي وقد سعى المشرع العراقي في دستوره 2005 النافذ أن ضمان أستقلال القضاء من خلال النصوص التي كفلته . إلا أنه من المعلوم أن النص على هذا المبداء دستورياً لايكفي بل لابد من ترجمة ذلك الى واقع عملي يشعر به المواطن . وأن أكثر ما يخل بمبداء أستقلال القضاء هو تدخل السلطتين التشريعية والتنفيذية والتي من شأن تدخلها حرفهِ عن اهدافه السامية لذلك فأن النصوص الدستورية عليه غير كافية بل لابد من تعزيز هذا المبداء من خلال وضع عدد من الضمانات والحصانات التي تهدف لتحقيق هذا الاستقلال ويجمع الفقه والقضاء على وجوب توفر ثلاثة متطلبات تمثل بمجموعها الحد الأدنى لوجود أستقلال كامل للقضاء وأولها الأخذ بمبداء الفصل بين السلطات وثانيها عدم جواز عزل القضاة إلا عن طريق السلطة القضائية ولأسباب غاية في التشديد وثالثها الاستقلال المالي والأداري للسلطة القضائية ، وفي العراق تأسس مجلس القضاء الأعلى بموجب الأمر رقم (35) في 18/9/2003 وتصدرت ديباجة الأمر (( أن السبيل أن فرض حكم القانون هو نظام قضائي مؤلف من كادر مؤهل وحر مستقل عن التأثيرات الخارجية )) ، فكان الهدف واضحاً من اعادة تشكيل مجلس القضاء ليتولى مسؤولية النظام القضائي بشكل  مستقل عن وزارة العدل أي عن السلطة التنفيذية . وقد جرى ترسيخ مجلس القضاء الأعلى  والأقرار بالسلطة القضائية المستقلة بموجب المادة (87) من دستور جمهورية العراق . وأن من متطلبات مبدأ أستقلال القضاء بوصفه حق من حقوق الأنسان فضلاً عن بقية الحقوق هو أعتماد الأعلام المرأي  والمقروء والمسموع للتثقيف بهذا المبداء من جهة  وليكون لمجلس القضاء الاعلى  إطلالة  من خلال الاعلام على الكافة لأشاعة الثقافة القانونية بين المواطنين وتنويرهم بمالهم من حقوق كفلها  القانون من خلال النصوص التي أضطلع بمهمة تطبيقها القضاء المستقل.

إشكالية الأعلام في القضاء

لايخفى ماللإعلام سواء المرئي أو المقروء أو المسموع من تأثير مباشر على حياة المواطنين وإمكانية التأثير على طريقة تفكيرهم وتوجيهها بالوجهة  المطلوبة خاصة بعد الثورة الإعلامية الهائلة التي يشهدها العالم ومن هنا كان لابد أن يكون للسلطة القضائية صوتاً إعلامياً مسموعاً من خلاله يتم التعريف بالسلطة القضائية وأهدافها وغايتها والأهم من ذلك حدود عملها واختصاصاتها لكي لايختلط على المواطن اختصاصات القضاء مع اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية ومن خلال المتابعة أجد أن أهم ما يجب أن يضطلع بهِ الأعلام القضائي هو التعريف باختصاصات السلطة القضائية وحدودها . نستطيع أن نلمس  ذلك من خلال ما يلي : يتناول الاعلام بين الحين والآخر موضوع حبس وتوقيف الأشخاص قبل المحاكمة من دون وصول أسرهم لزيارتهم ولفترات طويلة مما يعطي الانطباع لدى الكافة ، أن مسؤولية ذلك تقع على عاتق القضاء وأن ذلك متأتي من عدم العلم باختصاصات القضاء ذلك لأن ادارة السجون والمواقف ينحصر في ثلاث جهات ( وزارة العدل ، وزارة الشؤون الاجتماعية ، وزارة الداخلية ) أي أن مسؤولية المواقف والسجون تقع على عاتق السلطة التنفيذية متمثلة بالوزارات المذكورة وليس ضمن مسؤولية السلطة القضائية حيث أن مجلس القضاء الأعلى لا يملك أي موقف أو سجن أو دائرة أصلاح وليس له سلطة الإدارة على أي من تلك المواقف والسجون فأن كانت ثمة مخالفات في هذه المسألة فأنه تتحملها السلطة التنفيذية .

 1-          يتناول الاعلام بين الحين والآخر وجود سجون ومعتقلات سرية فأنه وعلى فرض صحة وجودها فأنها تتقاطع وحكم الفقرة (12) من المادة (19) من دستور العراق لسنة 2005  وعلى فرض وجود مثل هذه السجون فأن السلطة التنفيذية هي التي تتحمل ذلك وقدر تعلق الامر بالسلطة القضائية فأن مجلس القضاء الاعلى قد تصدى لذلك عبر وسائل الاعلام وصرح بأنه على أستعداد لسماع كل من يدعي ذلك وسوف تنتقل هيئة قضائية الى ذلك المكان فوراً ودون تأخير لمعرفة الحقيقة ذلك أن تشكيلات السلطة القضائية منتشرة في عموم العراق ولم تتعطل عن تقديم الخدمة القضائية الى المواطن رغم الظروف الصعبة التي تمر بالعراق ورغم مسيرة الشهادة التي تقدم طليعتها كوكبة من شهداء السلطة القضائية من قضاة ومحققين وموظفين ومنتسبين وعوائل ذوي القضاة .

 2-          تظهر بين الحين والآخر وعبر شاشات القنوات الفضائية صور المتهمين واعترافات بأرتكابهم جرائم ويضن البعض أن القضاء هو من أمر بنشر وبث هذه الاعترافات وهذا ظن خاطئ لأن السلطة القضائية تتبع المبداء القانوني كون المتهم بريء حتى تثبت إدانته ولم نجد أن قاضي تحقيق أو هيئة قضائية أمرت بنشر أية أعترافات وانما تقوم أحياناً السلطة التنفيذية بذلك حيث تنشر اعترافات لمتهمين وعبر تصريحات بعض المسؤولين فيها لأسباب ترتئيها .

 3-          تظهر تصريحات عبر وسائل الاعلام في أحيان كثير تشكل على بعض النصوص القانونية كونها قاسية ولا تتلائم ومبدأ حقوق الانسان كما هو الحال في عقوبة الاعدام او حتى قانون مكافحة الارهاب وأرى أن الرد على مثل هذه الآراء والتصريحات هو ليس من مسؤولية السلطة القضائية كونها ليس الجهة المشرعة لهذه القوانين أو العقوبات فالقضاء كما هو معلوم تنحصر مهمته بتطبيق القانون الذي سبق للسلطة التشريعية وأن شرعتهُ فأن كان ثمة إشكال  حول عقوبة أو قانون فالسلطة التشريعية هي التي يتوجب عليها أن ترد على ذلك سواء سلباً أم إيجاباً.

4-     تظهر عبر وسائل الاعلام بين الحين والآخر أن السلطة القضائية تصدر احكاما" فيها محاباة لجهة سياسية معينة ونعتقد ان مثل هذه التصريحات ليس من المجدي الرد عليها من قبل السلطة القضائية لأنة إن حصل ذلك فان السلطة القضائية تضع نفسها موضوع الاتهام لتبادر بالدفاع عن نقسها أمام الاعلام وهذا ما لا يتسق مطلقا" مع هيبة السلطة القضائية فالقضاء ليس ملزما" بان يبرر قراراته عبر وسائل الاعلام ذلك لان تبرير القرار القضائي بضمنهُ القرار ذاته وذلك عبر الحيثيات والتسبيب الذي استندت علية المحكمة عند اصدارها القرار كما ان الرد على مثل هذه التصريحات التي غالبا" ما تكون بدوافع سياسية سوف يدخل القضاء في مهاترات سياسية القضاء ابعد ما يكون عنها .  

 

الأعلام القضائي

وجدت أن خير ما أتناوله في هذا السياق هو بعض ما جاء في الخطة الاعلامية الخمسية للسلطة القضائية لعام 2012 والتي أقرت في مجلس القضاء الاعلى  بجلسته المنعقدة بتاريخ 24/1/2012 حيث جاء فيها :- 

1-        تكليف المناطق الاستئنافية كافة بتشكيل وحدات للرصد الإخباري تتولى متابعة ما ينشر في وسائل الاعلام قدر تعلق الأمر بالمنطقة الاستئنافية وتوضيح الحقائق تجاهها عبر ذات الوسائل التي نشرت الخبر .

2-        فسح المجال أمام الجميع للحصول على المعلومة المتعلقة بالأحكام القضائية المكتسبة الدرجة القطعية والتي لا تتقاطع مع الاحكام القانونية النافذة .

3-         أدامة الصلة مع الأعلام بكل فضاءاته من صحافة وفضائيات وغيرها والانفتاح عليه بأكثر مما عليه الآن وتمكين الكتاب والادباء من الاطلاع على القضايا الجزائية التي يسعون  لأن تكون مادة في مجالهم الابداعي في فنون الادب (القصة والرواية) وكذلك بما يتعلق بفنون العمل الصحفي (التحقيق وفن الصحافة الاستقصائية).

4-        اعتماد مبدأ الحملات الإعلامية في بعض مفاصل القانون المتعلقة باستقلال القضاء بوصفه حق من حقوق الانسان .

5-        استمرار التعاون مع  الاعلام المرئي من خلال تكثيف  المشاركة في الندوات والبرامج التلفزيونية ذات الصلة بالثقافة القانونية والقضائية والمتعلقة باستقلال القضاء ودفع السادة القضاة للمشاركة فيها بالقدر الذي لا يتقاطع مع الالتزام بالحيادية ومبادئ السلوك في العمل القضائي التي أصدرتها السلطة القضائية التي تنسجم مع مبادئ بانجلور لسنة 2002 والعمل على ايجاد برنامج تلفزيوني خاص بالسلطة القضائية وبشكل ينسجم مع مكانتها  في المجتمع .

6-        التأكيد على الناطقين الاعلاميين بأن دورهم هو توضيح حقائق دون التعليق عليها أو ابداء الرأي فيها لأن ذلك يعد رأياً عن السلطة القضائية الذي يجب أن لا يصدر إلا على وفق السياسة العامة التي رسمتها السلطة القضائية .

7-        التأكيد على عدم مساهمة الناطق الاعلامي في الصراع السياسي والمعارك الاعلامية بين الفئات السياسية لأن ذلك سيفقده حياده المطلوب من منتسبي السلطة القضائية .   

الخاتمة

يعد الاعلام القضائي تجربة حديثة العهد على القضاء  العراقي فعلى مدى عقود طويلة كان القاضي محذوراً عليه الظهور على الاعلام وقد يرجع ذلك الى طبيعة الاعلام الذي عادة ما يقوم على الاثارة . فالأعلام لا يتناول المعلومة كما هي  بل يقوم تضمينها وقد يتم تأويلها أو حتى حرفها عن مغزاها وأن طبيعة الاعلام هذه إن كانت تتفق مع السياسة وتصريحات السياسيين الذين عادة ما يعمدون الى التنظير والاثارة في تصريحاتهم لجلب الانتباه اليهم بغية تحقيق غايات سياسية كأن تكون انتخابية أو  الحط من بعض الخصوم السياسيين إلا أن هذه الطبيعة لا تتسق وجوهر القضاء القائم على البحث عن الحقيقة وإظهار العدل وتأسيساً على ما تقدم فأن بُعد القضاء عن الاعلام قد يكون له ما يبرره كون السلطة القضائية ودور العدالة هي ليس محلاً للأثارة وأن كانت المواضيع  التي تتناولاها هي من السخونة بمكان بحيث يسيل لها لعاب الصحافة ووسائل الاعلام . وفي ضل صراع سياسي محتدم كالذي يشهده الوضع في العراق وفي ضل استقلال السلطة القضائية التي يتوجب أن تقف على مسافة واحدة من جميع الكتل السياسية لا يحكمها في ذلك سوا القانون وفي ضل مبدأ الفصل بين السلطات ومحاولات التدخل من السلطتين التشريعية والتنفيذية بعمل السلطة القضائية نقول أنه في ضل كل ذلك أصبحت مهمة السلطة القضائية كبيرة جداً واصبحت الهجمات التي تشن عليها عبر وسائل الاعلام بغية الضغط عليها ومحاولة حرفها عن مسارها القائم على التطبيق السليم للقانون بصرف النظر عن المواضيع التي تتناولها . كل تلك امور دفعت   السلطة القضائية الى أن يكون لها نافذو وتواصل عبر الاعلام ليس لتدافع من خلال ذلك على قراراتها وأحكامها بل لتشيع من خلال الاعلام الثقافة القانونية القضائية والاهم من ذلك أن يعلم المواطن حدود أختصاصات السلطة القضائية لكي لا تتداخل عنده أختصاصات السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية وبالتالي تُحمل السلطة القضائية عن جهل أخفاقات السلطتين التشريعية والتنفيذية .واجد أن أخطر ما يمكن ان يتحدث به الاعلام القضائي هو الدفاع عن قرارات المحاكم فمن غير الممكن أو من المستحيل أن يفهم المواطن البسيط وعبر وسائل الاعلام الكيفية التي يصدر فيها الحكم القضائي فأن تلك مسألة قانونية بحتة يختص بها القضاء فمن غير المفيد أن نوضح ذلك عبر وسائل الاعلام وأن كان الاخير يبحث عنها لغرض الاثارة ، لذا أجد أن اهم ما يجب أن يضطلع به الإعلام القضائي هو تكريس وزرع الثقة لدى المواطن بكفائه ونزاهة السلطة القضائية وبعدها عن التأثيرات وحياديتها وأنه لا سلطان عليها  لغير القانون فمتى ما كُرست لدى المواطن هذه القناعة فأنه سيكون هو من يدافع عن القضاء و السلطة القضائية وأن تكريس هذه القناعة لدى المواطن لا تتأتى بطبيعة الحال من خلال الاعلام القضائي فحسب بل لابد فوق ذلك أن يتلمس المواطن استقلال القاضي ونزاهته وبعدهُ عن التأثيرات وفي هذا الصدد أشير أن ما ورد في مبادئ بانجلور للسلوك القضائي من أنهُ لا يكفي أن يكون القاضي نزيهاً بل يجب أن يعلم الجميع أنه نزيه .

وختاماً أقول أن الاعلام القضائي الهادف هو الذي يتصدى لما قد يمس السلطة القضائية أو القاضي من شبهة وأن يكون بعيداً عن الاثارة ويتسق وهيبة القضاء وأن تكون غايته تكريس مبدء استقلال القضاء و السلطة القضائية حفاظاً على الوجه المشرق للقضاء العراقي .