التفاصيل
جريمة الاتجار بالبشر في التشريع العراقي في ضوء مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 / القاضي موفق حماد عبد

جريمة الاتجار بالبشر في التشريع العراقي في ضوء مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 / القاضي موفق حماد عبد

2013-04-02 12:00:00

كرمت شرائع السماء والأرض الإنسان بوصفه أثمن ما في الوجود ((ولقد كرمنا بني ادم)) (قران كريم ) حيث خلقه الله حرا و مع ذلك يسعى بعض المجرمين إلى محو أدميته والنزول به إلى مستوى الحضيض من خلال جعله سلعة تباع وتشترى لتحقيق أغراض خسيسة لا تليق بآدميته وقد تفاقمت هذه الظاهرة في العقود الأخيرة و أوضحت الإحصائيات الدولية تنذر بضرورة المعالجة على كافة المستويات فلم تعد هذه الظاهرة محلية الطابع وإنما أصبحت  دولية تستدعي تظافر الجهود كافة لمواجهتها .

ومن هذا المنطلق عد المشروع العراقي جريمة الاتجار بالبشر خاضعة للاختصاص الشامل في المادة (13) من قانون العقوبات العراقي حيث نص (تسري إحكام هذا القانون على كل من وجد في العراق بعد ان ارتكب في الخارج بوصفه فاعلا او شريكا جريمة من الجرائم التالية : تخريب او تعطيل وسائل المخابرات او المواصلات الدولية والاتجار بالنساء او الصغار او بالرقيق او المخدرات ) .

ثم اصدر المشرع العراقي قانونا خاصا بذلك اسماه قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 وجاء في الاسباب الموجبة لتشريعه ( مكافحة جريمة الاتجار بالبشر والحد من انتشارها واثارها ومعاقبة مرتكبي هذا الفعل الخطير الذي يهين الكرامة الإنسانية وبغية وضع الآليات التي تكفل مساعدة ضحايا الاتجار بالبشر وتميزها عن غيرها من الجرائم المشابه لها )

اولا : تعريف جريمة الاتجار بالبشر

عرفت المادة (1) من القانون الجريمة كالأتي ( يقصد الاتجار بالبشر لإغراض هذا القانون تجنيد أشخاص او نقلهم بوساطة التهديد بالقوة او استعمالها او غير ذلك من أشكال القسر او الاختطاف او الاحتيال او الخداع او استغلا السلطة لإعطاء او تلقي مبالغ مالية او مزايا لنيل موافقة سلطة او ولاية على شخص اخر بهدف بيعهم او استغلالهم في أعمال الدعارة او الاستغلال الجنسي او السخرة او العمل القسري او الاسترقاق او التسول او المتاجرة بأعضائهم البشرية او لإغراض التجارب الطبية ) .

يتضح مما تقدم ان جريمة الاتجار بالبشر تتحقق بوسائل او أدوات معينة حددها التعريف وهي  

1.     التجنيد

2.     الإيواء

3.     الاستقبال

4.     الاختطاف

5.     الاحتيا ل

6.     الخداع

7.     استغلال السلطة

8.     اعطاء المال لنيل موافقة من له سلطة او ولاية على شخص المتجر به .

وهذه الأفعال لا تشكل جريمة اتجار بالبشر بحد ذاتها بل ان فيها ما لا يشكل جريمة فالإيواء والاستقبال مثلا لا يعدان جريمة بحد ذاتها .

اما الأفعال الأخرى كالاختطاف والاحتيال واستغلال السلطة فهي تشكل جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات مما يحتم وضح الحدود الفاصلة بين جريمة الاتجار بالبشر والجريمة التي يعاقب عليها قانون العقوبات .

 

ثانيا : التمييز بين جريمة الاتجار بالبشر والجرائم الاخرى المشابهة لها

القصد الجرمي من الافعال السابقة هو الذي يحدد النطاق الخاص لجريمة الاتجار بالبشر ويميزها عن الجريمة التي تخضع لقانون العقوبات حيث ان هذه الصور من الجرائم في قانون العقوبات لكن القصد العام بعض الذي هو ( توجيه الفاعل ارادته ان ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفا ان نتيجة الجريمة التي وقعت والية نتيجة اجرامية اخرى (م33/1ق ع ع) .

اما في جريمة الاتجار بالبشر فانها تتطلب فوق هذا القصد العام تحقق قصد خاص مفاده انصراف الارادة  الى تحقيق غاية معينة  وفي مثل هذه الحالات يقوم القصد الخاص على العلم والارادة شانه في ذلك بشان القصد العام يمتاز بانه العلم و الارادة يمتدان لتحقيق قصد خاص بهدفه الجاني من ارتكاب جريمته وهذا القصد الخاص يتمثل بالصورة الاتية :

1-    استغلال الاشخاص لاغراض الدعارة وهذه العبارة تشير الى الاستغلال التجاري للاشخاص في اعمال الدعارة بقصد الحصول على مقابل وهذا العمل يرتكبه السماسرة (القوادون) .

2-    الاستغلال الجنسي فالجاني في هذه الصورة يروم القيام بالفعل الجنسي من قبله مباشرة تجاه المجني عليه (الضحية) او استغلاله في التصوير او ايقاع الاخرين من خلال الاستغلال الجنسي وغيرها من الصور لهذه الجريمة .

ويلاحظ ان الاستغلال الجنسي لاغراض الدعارة يعتبر جريمة بحد ذاتها قبل تشريع قانون مكافحة الاتجار بالبشر بموجب قانون مكافحة البغاء رقم 8 لسنة 1988 وقد عاقب القانون المذكور كل سمسار او من شاركه او عاونه في اعمال السمسرة بالسجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات ثم جاء قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 234 في 30/10/2001 ليعاقب السمسار بالاعدام .

وهناك فرق شاسع بين هذه العقوبة والعقوبة المقررة في المادة (5) من قانون مكافحة الاتجار بالبشر والتي عاقبت بالسجن المؤقت .

وتنطبق نفس الملاحظة بالنسبة لجريمة الاستغلال الجنسي باللواط بذكر او انثى بغير رضى المجنى عليه او تحت التهديد حيث تصل العقوبة  الى الاعدام .

3-    الاختطاف وهي جريمة يعاقب عليها القانون العقوبات العراقي بالاعدام في المواد 421 و 422 و 423 بموجب امر مجلس الوزراء رقم 3 لسنة 2004 بعد ان كانت العقوبة هي السجن مدى الحياة بموجب امر سلطة الائتلاف رقم 31/ القسم 2/1 منه فمجرد الاختطاف يجعل العقوبة الاعدام لكن في قانون مكافحة الاتجار بالبشر نجد من وسائل ارتكاب الجريمة هي الاختطاف المرتبط بتحقيق اغراض دنيئة لاغراض الدعارة والاستغلال الجنسي والتسول او السخرة مما يعني ان العقوبات الواردة في هذا القانون لا تنسجم مع النظام العقابي السائد في العراق .

4-    جريمة استغلال السلطة وهي جريمة بحد ذاتها نص عليها القانون العقوبات في المواد 329 – 341 ق .ع في باب تجاوز الموظفين حدود وظائفهم ويلاحظ ان العقوبات المنصوص عليها في قانون مكافحة الاتجار بالبشر هي اشد منها في قانون العقوبات وحسنا فعل المشرع العراقي بتشديدها .

5-    اما اعطاء او تلقي مبالغ مالية لنيل موافقة شخص له سلطة او ولاية فانها ليست جريمة وفقا لقانون العقوبات ولكن يتعين تشديد عقوبة هؤلاء لان السلطة او الولاية التي يملكها الشخص عمن هم تحت رعايته تقوم على واجب الامانة لا ان يعرضوا هؤلاء الاشخاص للخطر من خلال استغلالهم ومن نافلة القول ان نشير الى ان مفهوم الولاية ينصرف إلى ((الأولياء أو الأوصياء أو القوام)) اما من له سلطة فتعني كل شخص له سلطة على اخر كأن يتواطئ رب العمل مع اخرين على مضايقة الخادمة التي تعمل معه بعقد ويمنع عنها جواز السفر وبصورة غير مشروعة لتحقيق الاغراض التي اشار لها القانون .

6-    التسول جريمة نص عليها قانون العقوبات في المواد 390-392 وتتم كجريمة الاتجار بالبشر عندما يتخذ صيغة مشروع يقوم به فرد او منظمة تجلب اشخاص لاغراض التسول او الحصول على ايرادات اعمالهم .

7-    السخرة وهي من صور جرائم الاتجار بالبشر وتقوم السخرة على اساس اجبار الشخص على العمل دون اجر أي اننا نخرج من اطار قانون العقوبات الى اطار قانون العمل فإجبار شخص على العمل دون سداد مستحقاته يمثل صورة اخرى من صور الاتجار بالبشر .

8-    الاسترقاق وقد تتخذ هذه الصورة تقييد حرية الاشخاص دون وجه حق من خلال الحجز او الاختطاف او الاحتيال وتتم هذه الصورة عادة بالمناطق النائية التي لا يتمكن الشخص فيها من اللجوء للسلطات العامة ولم تشر القوانين العقابية فيما نعلم عن جريمة الاسترقاق .

9-    المتاجرة بالاعضاء البشرية او استخدامها للاغراض الطبية وهي صور من صور الاتجار بالبشر .

 

ثالثا : الموقف القضائي من تطبيق قانون الاتجار بالبشر

عندما يرد نص في قانون مكافحة الاتجار بالبشر ويرد نص مشابه له في قانون اخر يطبق القاضي قانون مكافحة الاتجار بالبشر لثلاث اسباب :

1-    ان قانون مكافحة الاتجار بالبشر هو قانون خاص .

2-    انه قانون لاحق للقوانين الاخرى

3-    ويطبق كذلك اذا كان اصلح للمتهم فمثلا اذا وجد نص في قانون مكافحة البغاء يعاقب على الجريمة بالاعدام وكان له نص مشابه في قانون مكافحة الاتجار بالبشر فيطبق قانون مكافحة الاتجار بالبشر كون هذا القانون لا يشير ان تطبيق قانون اخر اذا كان اشد عقوبة وبوصفه اصلح للمتهم .