التفاصيل
استجواب المتهم في التشريع الجنائي العراقي/المحقق القضائي احمد ياسين محمد

استجواب المتهم في التشريع الجنائي العراقي/المحقق القضائي احمد ياسين محمد

2013-05-05 12:00:00

 الاستجواب يعني مواجهة المتهم المسندة الية اثباتا او نفيا ، فمن خلاله يقر المتهم او ينكر ، لذلك فهو يحمل في حقيقته صفتين ، فهو اجراء من اجراءات جمع الادلة ضد المتهم في حالة الاقرار ، وهو وسيلة للدفاع عن المتهم عند الانكار تمكنه من تقديم ما لديه من ادلة لأثبات براءته كالمستندات وشهود الدفاع .... الخ .

لذا احاط القانون هذا الاجراء بقواعد تحدد الجهة المختصة به وتكفل الضمانات الاساسية للمتهم واهما حق الدفاع ، ثم ان المحصلة العامة في كشف الجريمة ومرتكبيها قد تدعو – في احيان نادرة – الى التضحية بمعاقبة المجرم والعفو عنه مقابل اعتراف الصريح والكامل عن شركائه الاخرين في الجريمة . هذه القواعد لأهميتها سنتولى شرحها في الفقرات الاتية تباعا .

اولا – من يباشر الاستجواب هما المحقق اولا – سواء كان من محققي الشرطة ام من المحققين القضائيين – وقاضي التحقيق ، حيث يجري العمل على تدوين اقوال المتهم من المحقق ، بعدها يسير الى القاضي المختص لتصديق اقواله . ولضمان عدم المساس بالمتهم ، اوجب الدستور عرض اوراق المتهم على القاضي المختص خلال اربع وعشرين ساعة من حيث القبض عليه (1) ، كما اوجب القانون المباشرة باستجواب المتهم خلال المدة ذاتها من حضوره (2) ، والغاية من ذلك كما جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون هي (( توفير جو من الحرية للمتهم في ان يدلي بأقواله  ، ولتثبيت اقواله بصورة دقيقة لا يتطرق اليها الشك )) . ويفهم من ذلك ان القانون اعد الاستجواب اجراء اساسيا على قاضي

________________________

(1)  نصت المادة (19/ ثالث عشر ) من دستور جمهورية العراق الصادر سنة 2005 على انه :         (( ثالث عشر – تعرض اوراق التحقيق الابتدائي على القاضي المختص خلال مدة لا تتجاوز اربعا وعشرين ساعة من حين القبض على المتهم )).

(2)  نصت المادة (123/ أ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية على انه : (( على قاضي التحقيق او المحقق ان يستجوب المتهم خلال اربع وعشرين ساعة من حضوره ))

التحقيق اتخاذه بعد احضار المتهم امامه .

وعند احضار المتهم اما قاضي التحقيق – او المحقق – فان الاجراء الاول هو التثبيت من شخصيته ، ثم احاطته علما بالجريمة المنسوبة الية حيث تدون اقواله بشأنها ، فان انكر يعمد الى استجوابه ويواجه بالأدلة التي ظهرت ضده ، ويساله عما اذا كان لديه ما يفندها ، كان يكون لديه شهود دفاع او مستندات لأثبات براءته . اما اذا اترف المتهم فمن الممكن ايضا توجيه الاسئلة الية بعد تدوين اقواله بالاعتراف عن وقائع سهى عن ذكرها او عن تفصيلات لم يتطرق اليها والتعميق معه قدر الامكان عن النقاط المعززة لاعترافه (1) .

وتجد الاشارة الى ان لقاضي التحقيق ان ينيب غيره من القضاة خارج منطقة اختصاصه في حالة الضرورة فقط – فالأصل ان يجري الاستجواب من القاضي المختص بالقضية لمعرفته بتفصيلاتها – كما لو كان المتهم موقوفا في منطقة اخرى وعن قضية ثانية وكانت الظروف الامنية تحول دون امكانية احضاره ودون امكانية انتقال قاضي التحقيق المختص اليه (2) .

ثانيا – ضمانات الاستجواب

قبل المباشرة باستجواب المتهم يجب على قاضي التحقيق اعلامه بحقوقه واهمها حق الدفاع والصمت ، كما ان القانون نص على جملة من الحقوق الاخرى للمتهم اثناء الاستجواب لضمان عدم تعرضه للإكراه ولضمان التمتع بحق الدفاع ونفي التهمه . وبالتالي يمكن القول ان للمتهم اثناء الاستجواب التمتع بالضمانات الأتية :

1-    الحق في الصمت ، ومعناه انه حر في الاجابة او السكوت ، واذا اجاب فهو حر بالاعتراف او الانكار . وقد نص القانون على (( ان له الحق في السكوت ، ولا يستنتج من ممارسته لهذا الحق اي قرينة ضده ))(3) , كما نص على ان ( لا يجبر المتهم على الاجابة على الاسئلة التي توجه اليه )

 

______________

(1)  سامي النصراوي – دراسة في اصول المحاكمات الجزائية – ج1-مطبعة دار السلام – بغداد           -1976 -ج1-ص520 .

  1.(2) صالح عبد الزهرة الحسون – الموسوعة القضائية – دار الرائد العربي – بيروت-بلا تاريخ   -ص524.

(3) المادة (123/ ب) من قانون اصول المحاكمات الجزائية ، مع ملاحظة ان القرة (ب) من هذه المادة مضافة بموجب القسم

(4) من المذكرة رقم 3 في 18 حزيران 2003 الصادرة عن مدير سلطة الائتلاف المؤقتة(المنحلة). الوقائع العراقية – العدد 3978 في 17/8/2003 .

 

2-    الحق في الدفاع ، وهو من الحقوق الدستورية ، فقد او جب الدستور العراقي الجديد توكيل محامي او انتداب محامي لمن لا قدره له على التوكيل في مرحلتي الحقيق والمحاكمة وفي جرائم الجنايات والجنح على نفقة الدولة (2). كما ان القانون قد اوجب على قاضي التحقيق اعلام المتهم وقبل المباشرة في الاستجواب بان له الحق في توكيل محامي ، فان لم تكن له القدرة على توكيل محام تقوم المحكمة بتعيين محام له دون تحميل المتهم اتعابه (3) .وجدير بالذكر ان القانون قد اكد على قاضي التحقيق او المحقق وجوب حسم موضوع رغبة المتهم في تكيل محام قبل المباشرة بالتحقيق ، وفي حالة اختيار المتهم توكيل محام فليس لقاضي التحقيق والمحقق بمباشرة اي اجراء حتى قيامه بتوكيل المحامي الذي يختاره (4) ، فان عجز عن التوكيل انتدبت له المحكمة محاميا .

3-    حق المتهم في ابداء اقواله بأي وقت بعد سماع اقواله اي شاهد ، وله الحق في مناقشته او يطلب استدعاءه لهذا الغرض (5) . كما لو جاء في اقوال شاهد ما ان الجريمة ارتكبت اثناء الدوام الرسمي وانه شاهد المتهم اثناء ارتكابها ، فللمتهم ان يناقش الشاهد او يستدعيه لمناقشته او ان يطلب من المحكمة مفاتحة دائرته الرسمية لأثبات تواجده في الدائرة خلال ساعات الدوام من يوم الحادث .

4-    عدم تحليف المتهم اليمين القانونية ، وهو حق للمتهم يكفل له الكلام بحرية بعيدا ع الخوف والوازع الديني ، ذلك ان اليمين تجعل المتهم بين خيارين كلاهما مر : فأما ان يكذب وينكر الحقيقة ، او يضحي بنفسه ويعترف ، ولهذا فمن القسوة وضع المتم بين مصلحته في حلف اليمين كذبا فيخالف معتقداته الدينية والاخلاقية ،، ويبين ان يقرر الحقيقة ويتهم نفسه ويعرضها لعقوبة .

ومع ذلك فقد يرد في الاقوال المتهم ما يعد دليلا ضد غيره من المتهمين الاخرين في ذات  

___________

(1)  المادة (126/ ب ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية

(2)  نصت المادة (19) من دستور جمهورية العراق الصادر سنة 2005 بفقرتيها رابعا وحادي عشر على حق الدفاع وكالآتي (( رابعا – حق الدفاع مقدس ومكفول في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة . 

حادي عشر – تنتدب المحكمة محاميا للدفاع عن المتهم بجناية او جنحة لمن ليس له محام يدافع عنه وعلى نفقه الدولة ))

(3)  المادة (123/ب-ثانيا) من قانون اصول المحاكمات الجزائية

(4)  المادة (123/ج) من قانون اصول المحاكمات الجزائية . مع ملاحظة ان الفقرة (ب) من هذه المادة مضافة بموجب القسم (4) من المذكرة رقم 3 في 18 حزيران 2003 عن مدير سلطة الائتلاف المؤقتة (المنحلة) الوقائع العراقية –العدد 3978 في 17/8/2003

(5)  المادة (124) من قانون اصول المحكمات الجزائية .

خامسا – عرض العفو على المتهم اثناء استجوابه

قد تكون الجريمة غامة وخيرة وقد لا تتوافر سوى قرائن بسيطة ضد بعض المتهمين المشتركين بارتكابهما ، وبهدف الكشف عن الجناة الحقيقين وادوارهم فيها ، فقد سمح القانون لقاضي التحقيق ان يعرض العفو على اي متهم بعد استحصال موافقة محكمة الجنايات لأسباب يدونها في المحضر ، على ان تكون الجريمة من الجنايات ، وذلك بقصد الحصول على شهادته ضد مرتكبيها الاخرين ، بشرط ان يقدم المتهم بيانا صحيحا كاملا عنها ، فإذا قبل هذا العرض تسمع شهادته وتبقى صفته متهما حتى يصدر القرار في الدعوى (9)

اما استحقاق المتهم للعفو فيتوقف على صحة المعلومات التي قدمها في شهادته واكتمالها ، فإذا لم يقدم المتهم البيان الصحيح الكامل سواء كان ذلك بإخفائه عمدا اي امر ذي اهمية او بأدلائه بأقوال كاذبه يسقط حق العفو عنه بقرار من محكمة الجنايات ، وتتخذ ضده الاجراءات عن الجريمة التي عرض عليه العفو  عنها او اي جريمة اخرى مرتبطة بها . وتعد اقواله لتي ابداها دليلا عليه (2).

فاذا وجدت محكمة الجنايات ان البيان الذي ادلى به المتهم الذي عرض للعفو عليه صحيح وكامل تتقرر حينها وقف الاجراءات القانونية ضده نهائيا واخلاء سبيله (3)

وتجدر الاشارة الى ان التطبيق العملي لهذه الوسيلة قليل بل نادر ، وهو لا يحصل الا في الجرائم الخطيرة والغامضة من الجنايات .

_____________________

(1)  المادة (129/أ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(2)  المادة (129/ب) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(3)  المادة (129/ج) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

ثالثا- اسلوب تدوين اقوال المتهم

تدون في محضر التحقيق اقوال المتهم بعد كتابه الديباجة والمتضمنة اسم المحكمة والتاريخ في الاعلى ، ثم يليه اسم المتهم الثلاثي ولقبه وعمره ومحل سكنه وعمله بعد افهامه بكون من يدون اقواله هو قاضي التحقيق ، ثم يشرع بعدها بتدوين الاقوال بحرية تامه وبأسلوبه المعتاد في الكلام على ان تتاح له الحرية الاسترسال في ذكر الوقائع الا اذا خرج عم موضوع الجريمة الجاري التحقيق عنها ن وتوجه اليه الاسئلة ان وجدت في الفراغ من اقواله ، وهذه الصيغة في تدوين الاقوال ينبغي اتباعها من قبل القاضي وكذلك من قبل المحقق ، وتختتم الافادة بتوقيعها من قبل القاضي – او المحقق والمتهم ، فاذا امتنع المتهم عن التوقيع فيثبت ذلك في المحضر (1) .

ولأهمية افادة المتهم بالإقرار ، فقد اوجب القانون على قاضي التحقيق تدوينها بنفسه وتلاوتها عليه بعد الفراغ منها ، ثم يوقعها القاضي والمتهم ، واذا رغب المتهم في تدوين افادته بخطة فعلى القاضي ان يمكنه من تدوينها على ان يتم ذلك بحضور القاضي ، ثم يوقعها القاضي والمتهم بعد ان يثبت ذلك في المحضر (2). وفي هذه الحالة يثبت القاضي على الورقة ان الافادة دونت من قبل المتهم وبناء على طلبه .

رابعا – المناقشة القضائية

(4)  قد يتعارض ما ورد بإفادة المتهم مع اقوال متهمين اخرين او مع شهادات وردت في اضبارة الدوى ، وفي هذه الحالة لقضي التحقيق ان يتخذ قرار بإجراء المناقشة ، وتعن مواجهة المتهم بفيرة من المتهمين او الشهود .وهذه المواجهة – بنظر البعض – تعد استجوابا حكيما (3) , وذلك لأنها تؤدي الى مواجهة المتهم بما هو قائم ضده في اقوال المتهمين والشهود ، فضلا عن انها تقترن بمناقشة قاضي التحقيق له عما ورد بأقواله من امور ووقائع متعارضه مع اقوال الاخرين ، وما ورد في المناقشة ينظم بمحضر يسمى (محضر المناقشة القضائية )، ويوقع المحضر من قاضي التحقيق ومن اشتراك في المناقشة من متهمين وشهود .

  ___________________

(1)  المادة (128/أ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(2)  المادة (128/ب) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(3)  د. صالح عبد الزهرة الحسون – المرجع السابق – ص 515 .

 

القضية ، وفي هذه الحالة تفرق دعوى المتهم المقر عن المتهمين المنكرين وتدون اقواله كشاهد على الغير بعد تحليفه اليمين القانونية مع بقاء صفته كمتهم في دعواه (1) .

 

5-    عدم استخدام الوسائل غير المشروعة ضد المتهم ، وهو من المبادئ الدستورية كذلك فقد حرم الدستور العراقي الجديد جميع انواع التعذيب الجسدي والنفسي واعطى المتضرر الحق في المطالبة بالتعويض (2).

كما نص القانون على عدم جواز استعمال اية وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على اقراره ، وعد من الوسائل غير المشروعة اساءة المعاملة كمنعه من الطعام او وضعه في مكان غير مريح ، وكذلك من صورها التهديد بالإيذاء والاغراء ، والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير (3).

 

6-    الاستجابة لطلبات المتهم المتعلقة بالشهود وباقي الادلة ، حيث اوجب القانون ان تدون في محضر التحقيق شهادات الدفاع التي طلب المتهم سماعها لنفي التهمه عنه ، وكذلك ينبغي التحقيق في الادلة التي قدمها مثل الوثائق والمستندات والكتب الرسمية ، غير ان لقاضي التحقيق ان يرفض مثل هذه الطلبات اذا ظهر له ان طلب المتهم يتعذر تنفيذه او انه يقصد به تأخير سير التحقيق بلا مسوغ او تضليل (4) . كما لو طلب المتهم استدعاء شاهد موجود خارج العراق او في دولة معادية غير ان على القاضي ان يسبب قراره بالرفض كونه ضمانه كفلها الدستور وهي حق الدفاع .

_______________________

(1)  المادة (126/أ)و (125) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(2)  نصت المادة (37) من دستور جمهورية العراق الصادر سنة 2005 على انه : (( اولا – أ-حرية الانسان وكرامته مصـونة

  (ب) – لا يجوز توقيف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي .

(ج) – يحرم جميع انواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الانسانية ، ولا عبرة باي اعتراف انتزاع بالإكراه  او التهديد او التعذيب ، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي اصابه وفقا للقانون ))

 (3) المادة (127) من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

(4) المادة (127)  من قانون اصول المحاكمات الجزائية .