التفاصيل

الارتقاء بعمل مكاتب التحقيق القضائي / القاضي عبدالعليم فيصل عزاوي

2013-11-25 10:52:00

يعد حرص المجتمعات على احترام حقوق وحريات أفرادها من مظاهر رقي وتحضر تلك المجتمعات ومن مؤشرات ذلك مايمنح لمواطنيها من ضمانات في ظل القوانين الإجرائية الجزائية سيما تلك المتعلقة بمرحلة التحقيق . ولكون التحقيق هو المرحلة التي يتم خلالها إقرار اتهام شخص من عدمه ولكونها المرحلة التي تتخذ خلالها جملة من الإجراءات التي قد تنتهي إلى إدانته ومن هذه الإجراءات التفتيش والاستجواب والتوقيف يسبقها أو يرافقها جملة من إجراءات أخرى ضرورية تنضوي على المساس بحقوق وحريات المواطن لفترات زمنية متفاوتة من خلال تقييد بعض حقوقه وحرياته ولعل من نافلة القول إن مهمة توفير الحماية للحقوق والحريات الفردية تقع على عاتق الدولة باعتبارها التزام يفرضه عليها واجبها في إقرار مبدأ المشروعية على الصعيد العملي وليس النظري فحسب ومن هذا المنطلق لم يخل دستور مقارن مثلا من عبارة (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) ذلك المبدأ الذي ازدان به دستور جمهورية العراق . ويستمد موضوع التحقيق الجنائي أهميته لكونه يركز على الضمانات التي يتمتع بها أفضل وأكرم مخلوقات الله عز وجل وهو الإنسان . إذ مما لاشك فيه إن مرحلة التحقيق هي أكثر مراحل الدعوى الجزائية تعقيدا لمساسها بجملة حقوق وحريات للأفراد فقد تقيد حق الفرد في الحرية والتنقل وقد ينتهك حقه في الحفاظ على السرية بتعرض شخصه أو مسكنه للتفتيش ثم يقضي له بعدئذ بالبراءة فقد حرص المشرع على إحاطة تلك الإجراءات بضمانات التي يتحقق معها خيار التوازن بين مصلحة المجتمع في الوصول إلى الحقيقة وعقاب الجاني وبين حق الفرد في ضمان عدم المساس بحريته وحقوقه . بناءا على ماتقدم استحدث مجلس القضاء الأعلى مكاتب للتحقيق القضائي ليكون التحقيق فعالا في الوصول إلى الحقيقة وعقاب المتهم لذلك يجب أن يقوم بالتحقيق أناس متخصصين بذلك أي إن لهم الدراية والخبرة بشؤون التحقيق كما يجب عليهم الالتزام بالأصول المرعية في مسائل التحقيق وان يعي المحقق إن مهمة التحقيق أمانة في عنقه . فأن أحسن القيام بها كان ذلك مدعاة لإظهار الحقيقة وتحقيق العدالة والعكس صحيح ومن جهة أخرى يجب أن يكون المحقق واعيا ومدركا لأهمية التحقيق وملما بأصوله وإجراءاته التي تقررها الأنظمة واللوائح ومن ناحية أخرى وبهدف الارتقاء بمكاتب التحقيق القضائي وفق رؤية واضحة تم اختيار هذا الموضوع لدراسته وارتأينا البحث في أعمال قاضي التحقيق في مكاتب التحقيق القضائي في محور أول وخصصنا المحور الثاني لإعمال المحققين القضائيين في مكاتب التحقيق القضائي أما المحور الثالث فخصصناه للتقييم العملي لمكتب التحقيق القضائي ثم نعقبها بخاتمة النتائج والتوصيات.....

 

المحور الأول

أعمال قاضي التحقيق في مكتب التحقيق القضائي

         
نظم قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل صلاحيات وواجبات كل من قاضي التحقيق والمحقق(1) . إذ يتولى التحقيق الابتدائي قاضي التحقيق والمحققون الذين يعملون تحت إشرافه واستثناء يتولى عضو الادعاء العام التحقيق في مكان الحادث عند غياب قاضي التحقيق(2) . وأي قاضي في منطقة اختصاص قاضي التحقيق أو المنطقة القريبة في حالة عدم وجود قاضي التحقيق والقاضي الذي يحضر وقوع جناية أو جنحة , وقاضي التحقيق هو الذي يعين للقيام بالتحقيق وفق أحكام القانون وفي حالة عدم تعيين قاضي تحقيق يكون قاضي محكمة البداءة في المنطقة قاضيا للتحقيق(3). ويدخل ضمن أعمال قاضي التحقيق والمحقق إجراءات معينة منها (سماع الشهود وندب الخبراء والتفتيش ) وهي الأجراءات التي تطرق إليها المشرع في الباب الرابع عند الكلام عن التحقيق الابتدائي في الفصل الثاني والثالث والرابع منه . كما يدخل ضمن تلك الإجراءات طرق الإجبار على الحضور من الاستقدام والقبض والتوقيف وإخلاء السبيل وحجز أموال المتهم الهارب والاستجواب(4).

وعلى قاضي التحقيق بعد انتهاء التحقيق وفحص الأدلة المتوفرة ضد المتهم فأن وجدها كافية لمحاكمته عند ذلك يصدر قرار بإحالة المتهم على المحكمة المختصة وان وجد إن الأدلة غير كافية فانه يصدر قرارا بغلق الدعوى مؤقتا والإفراج عن المتهم أو رفض الشكوى وغلق التحقيق نهائيا أو غلق الدعوى مؤقتا إذا وجد الفاعل مجهول أو كان قضاء وقدر هذا وان دور قاضي التحقيق ينحصر في فحص الأدلة المتوفرة لديه في القضية دون مناقشتها لان مناقشة الأدلة ومعرفة مدى كفايتها للحكم وتقديرها يعود إلى محكمة الموضوع وان فعل ذلك يكون قراره عرضة للنقض(5).

ويكون لذوي العلاقة والادعاء العام حق الطعن على تلك القرارات التي يتخذها قاضي التحقيق ولما كان التحقيق على درجة من الاهمية لتعلقه بحريات الناس وأرواحهم لذلك يجب الإسراع في انجازه قدر الإمكان لان في ذلك حماية للفرد وضمان لمصالح المجتمع غير انه قد يتم التريث في إجراء التحقيق تحت مبرر قانوني أو استنادا على أسباب معقولة وفيه حماية للصالح العام وتحقيق العدالة(1) .

وتأكيدا على ذلك اوجب المشرع في قانون أصول المحاكمات الجزائية انه على قاضي التحقيق أو المحقق أن يستجوب المتهم خلال 24 ساعة من حضوره بعد التأكد من شخصيته وإحاطته علما بالجريمة المنسوبة إليه ويدون أقواله بشأنها مع بيان ما لديه من أدلة لنفيها عنه وله أن يعيد استجواب المتهم فيما يراه لازما لاستجلاء الحقيقة(2) .

كما حدد المشرع من ناحية أخرى مدد التوقيف ولم يتركها مطلقة ( إذ لايجوز أن يزيد مجموع مدد التوقيف على ربع الحد الأقصى للعقوبة ولا يزيد بأية حال على ستة أشهر وإذا اقتضى الحال تمديد التوقيف فعلى القاضي عرض الأمر على محكمة الجنايات لتأذن له بالتمديد على أن لا تتجاوز ربع الحد الأقصى للعقوبة أو تقرر إطلاق سراحه بكفالة أو بدونها(3) .

ومما تقدم نلاحظ أهمية عمل قاضي التحقيق لذلك كان من الضروري إنشاء مكاتب للتحقيق القضائي تتولى التحقيق بشكل متخصص من خلال وجود قاضي تحقيق أو أكثر ووجود محققين قضائيين متخصصين يقومون بالعمل في هذه المكاتب بعيدا عن عمل ضباط التحقيق في مركز الشرطة , كما إن إنشاء هذه المكاتب يستوجب تفرغ قاضي لتحقيق لعمل هذه المكاتب حيث أن كثرة الأعمال المناطة بقاضي التحقيق وارتباط العديد من مراكز الشرطة به يجعله غير متفرغ لإعمال هذه المكاتب مما يؤخر حسم القضايا المودعة لديها .

كما ندعو إلى تخصص مكتب التحقيق القضائي بالتحقيق بجرائم معينة على قدر من الأهمية ومنها جرائم الفساد الإداري والمالي بسبب انتشار الفساد في كافة مؤسسات الدولة :ودمج هيئة النزاهة ضمن الهيكل الإداري لمكاتب التحقيق القضائي خصوصا إذا ماعلمنا إن في الهيئة محققين يعملون أيضا تحت إشراف قاضي التحقيق المختص(1) وذلك من اجل توحيد الجهات المختصة بإجراء التحقيق وبالتالي فان هذا المقترح سيعزز مبدأ تخصص القضاة.

ومن ناحية أخرى ولكثرة الأعمال المناطة بقاضي التحقيق ومن اجل تسهيل المهام الملقاة عليه نقترح أن يتم إنشاء مفارز شرطة داخل مكاتب التحقيق القضائي على غرار ماموجود في هيئة النزاهة بدلا من مفاتحة مراكز الشرطة التي قد تتأخر في تنفيذ القرارات التي تصدر من قاضي التحقيق على أن يتم أختيار ضباط ومنتسبي هذه المفارز من قبل قاضي التحقيق بالتنسيق مع مديرية الشرطة في المحافظة ويرتبطون بمديريات الشرطة من الناحية الآدارية وعملياً يكون ارتباطهم بقاضي تحقيق مكتب التحقيق القضائي ويكون لقاضي التحقيق رأي في تقييم أدائهم لأغراض الترفيع والترقية وتجهز هذه المفارز بآلاليات والمعدات والاسلحة من قبل مديريات الشرطة التابعين لها ومهمتهم تنفيذ أوامر القبض التي تصدر من قاضي التحقيق وإجراء التباليغ اللازمة وأن وجود هذه المفارز ضروري لعدم ضياع معالم الجريمة وإفلات المجرمين من العقاب وتسهيل إجراءات التحقيق ولا يجعل عمل المكاتب مقيد بعمل الجهات التنفيذية.  

 

 المحور الثاني

أعمال المحققين القضائيين في مكتب التحقيق القضائي

بالرجوع إلى قانون أصول المحاكمات الجزائية نلاحظ انه أعطى صلاحيات واسعة للمحقق في القيام بأعمال وإجراءات التحقيق الابتدائي  ومنحهم ثقة كبرى إلى حد إعطائهم سلطات شبه قضائية كتوقيف المتهم في جناية في الأماكن النائية وإطلاق سراح المتهم بكفالة في جرائم الجنح في تلك الأماكن(1) أو إصدار الأمر للمسؤول في مركـز الشرطة لإجراء التحقيق وانتداب الخبراء وغيرها .. إلا إن هذه الصلاحية لم يمارسها المحقق بصورة صريحة ...

ونحن نرى إن السبب في ذلك هو التعارف على وجوب جعل التحقيق في كل صغيرة وكبيرة مستندا إلى قرارات قضائية رغم عدم حاجته لذلك فادى ذلك إلى تضخم أعمال قضاة التحقيق وتأخر الفصل في الدعوى...

إذ أنه يتولى التحقيق قاضي التحقيق وكذلك المحقق تحت إشراف قاضي التحقيق و  فق نص المادة 51 من قانون أصول المحاكمات الجزائية ومن البديهي القول إن من أعطاه القانون سلطة إجراء التحقيق فله القيام بكل إجراءات التحقيق كأصل عام إلا إذا ورد نص خاص في تحديد ذلك إذ يكون للمحقق نفس صلاحيات قاضي التحقيق . ونلاحظ إن قانون أصول المحاكمات حدد إجراءات معينة عهد القيام بها إلى جهة واحدة ويمنع سواها إذ لايجوز القبض على إي شخص أو توقيفه أو فتح القبر إلا بمقتضى أمر صادر من قاض أو محكمة أو في الأحوال التي يجيزها القانون(2). لذلك لايستطيع المحقق وفقا لذلك إصدار أمر القبض في حين اوجب القانون على المحقق في الأماكن النائية عن مركز دائرة القاضي أن يوقف المتهم في الجنايات أما الجنح فعليه إن يطلق سراح المتهم فيها بكفالة وعليه في كل الأحوال عرض الأمر على القاضي بأسرع وسيلة ممكنة وينفذ مايقرره في ذلك(3) .

السؤال هنا هل مورست هذه الصلاحية للمحقق القضائي ؟.

الجواب على ذلك بالنفي لذلك نحن ندعو إلى تفعيل دور المحقق لان القانون هو الذي أعطاه هذه الصلاحية ومن ناحية أخرى نلاحظ إن القانون يحدد الإجراء أوالعمل ويحدد من يصلح للقيام به لكنه لا يودعه إلى جهة معينة وإنما يشرك به أكثر من جهة.

مثال ذلك للمحكمة ولقاضي التحقيق أو المحقق المسؤول في مركز الشرطة أن يصدر ورقة تكليف بالحضور للمتهم أو الشاهد(1) .

وهنا يحق للمحقق القضائي أن يصدر ورقة تكليف بالحضور للمتهم أو الشاهد لأنه كالقاضي أعطاه القانون هذه الصلاحية ويكون ذلك مغنيا في سلامة الإجراء وصحته دون أن يكون هناك ضرورة لإعادتها من قبل قاضي التحقيق كما قد يحدد القانون العمل والإجراء دون أن يحدد من هي الجهة المختصة للقيام به مثال ذلك( يشرع في التحقيق بتدوين إفادة المشتكي أو المخبر ثم شهادة المجنى عليه وشهود الإثبات )(2).

ونلاحظ انه من صلاحية المحقق القضائي القيام بالعمل أو الإجراء أعلاه وذلك استنادا للرجوع إلى القاعدة العامة التي تقول بان التحقيق يجريه قاضي التحقيق أو المحقق وبالتالي فان قيام المحقق بهذا العمل يغني عن قيام قاضي التحقيق به.

إذن يمكن القول انه من خلال تحليل بعض نصوص قانون أصول المحاكمات الجزائية نجد أن بعضها نصت على صلاحية المحقق القضائي القيام ببعض الإجراءات التحقيقية منها :

1-سلطة المحقق في إصدار أمر إلى المسؤول في مركز الشرطة للتحقيق في أية جريمة (3).

2-سلطة المحقق في ندب الخبراء أو الخبير وعلى أن يقدر القاضي أجورهم(4) .

3-سلطة استقدام المتهم بورقة تكليف بالحضور دون حاجة إلى قرار قاضي(5) .

4-إحالة المتهم في مخالفة إلى محكمة الموضوع بأمر من المحقق بدعوى موجزة(1).

5-منع فرد الأوراق التحقيقية إلا بقرار قاضي رغم ان القانون لم ينص على ذلك ...لكن على الرغم من هذه الصلاحيات الممنوحة للمحقق بموجب القانون إلا انه يمكن القول إن تلك الصلاحيات قد صودرت ونرى في ذلك مخالفة للنظام العام لان النصوص في قانون أصول المحاكمات الجزائية من النظام العام فلا يجوز مخالفتها أو العمل بغير الأسلوب أو الطريقـــة التي جاء بها القانون .

مثال ذلك تدوين أقوال الشهود في غير الشهادات المهمة في الجنايات والمشتكين والمخبرين والمتهمين في غير حالة الإعتراف بالجريمة من قاضي التحقيق أو المحقق فلا يجوز تدوين أقوالهم إلا من قبل قاضي التحقيق والمحقق لان ذلك مخالف للنص ومن ناحية أخرى يمكن القول إن موقف إعادة تدوين إجراءات المحقق من قبل قاضي التحقيق سببه الأساس هو عدم الثقة بالقائم بالتحقيق (ضباط الشرطة ومفوضيها والمحققين ) إلا إن المحقق القضائي ينبغي إخراجه من هذه الدائرة لأنه يحمل شهادة بكالوريوس في القانون كما انه يؤدي اليمين القانوني(2) . إذ اوجب القانون ان لا يمارس المحقق أعمال وظيفية لأول مرة الأبعد اجتياز دورة خاصة في المعهد القضائي لاتقل مدتها عن ثلاثة اشهر اذا كان حاصلا على شهادة القانون معترف بها ولأتقل عن سنة تقويمية كاملة اذا كان حاصلا على شهادة دبلوم في الإدارة القانونية من هيئة المعاهد الفنية ويحلف امام رئيس محكمة الاستئناف بالصيغة الأتية (اقسم بالله ان أؤدي أعمال وظيفتي بالعدل وأطبق القوانين بأمانة)(3).

بالإضافة إلى اقتران الفعل الذي يقوم به المحقق بموافقة قاضي التحقيق يحول المحقق إلى مجرد منفذ للقرارات القضائية ....

وأخيرا يمكن القول إن السبب في عدم ممارسة المحقق القضائي الصلاحية الممنوحة له قانونا يعود إلى :

1-ايداع التحقيق الى ضباط الشرطة ومفوضيها وهم جهات غير متخصصة في التحقيق الجنائي ...

2-اهمال المحققون والقائمون بالتحقيق ممارسة صلاحياتهم التي منحهم اياها القانون ...

3-عدم ثقة القضاء العراقي بنزاهة القائمين بالتحقيق وخاصة منتسبي الشرطة.

4-خوف المحققين من تحمل المسؤولية في اتخاذ القرار او والإجراء ألتحقيقي ومن ناحية اخرى يتسبب عدم ممارسة المحقق القضائي الصلاحية تضخم اعمال قضاة التحقيق تضخما هائلا بسبب عرض كل صغيرة وكبيرة على قضاة التحقيق.

وافتقار اغلب المحققين القضائيين الى فهم التحقيق وإجراءاته اي ضعف المستوى العلمي للمحققين لذلك نحن ندعو الى اعطاء المحقق دور اكثر فعالية في ممارسة إجراءات التحقيق التي نص عليها القانون . لان ذلك سيخفف العبء عن كاهل قضاة التحقيق في مكاتب التحقيق القضائي . من اجل الارتقاء بعمل تلك المكاتب ندعو الى مضاعفة عدد المحققين القضائيين في المكاتب ومنحهم الصلاحيات المنصوص عليها في القانون ولابد من زيادة الوعي القانوني للمحققين القضائيين من خلال ادخالهم في دورات تدريبية داخل وخارج القطر للاطلاع على كل ماهو جديد في عالم التحقيق الجنائي إضافة الى زيادة الحوافز المادية لرواتب المحققين القضائيين ويشترط ان ترتبط تلك الزيادة بنسبة ماينجز من دعاوي تكون في ذمة المحقق وعلى الرغم من صلاحيات المحقق المنصوص عليها في القانون والتي لم يمارسها في اغلب الاحيان نلاحظ ان قانون اصول المحاكمات الجزائية منح المسؤول في مركز الشرطة سلطة محقق إذ اعتبر القانون اجراءاتهم بحكم الاجراءات التي يجريها المحقق وذلك بمنحهم سلطة محقق(1) ....

وذلك في حالتين:

1-اذا باشر التحقيق في الجريمة بامر من قاضي التحقيق او المحقق القضائي وذلك لاسباب تتعلق بكثرة أعمال قاضي التحقيق وقلة المحققين القضائيين او لاسباب اخرى يتطلبها القانون..

2-اذا اعتقد المسؤول في مركز الشرطة ان احالة المخبر على القاضي او المحقق تؤخر به الإجراءات مما يؤدي إلى ضياع معالم الجريمة او الاضرار بسير التحقيق(1) كان يكون الجاني ذا نفوذ اجتماعي واعطائه الفرصة قد يستغلها في التأثير على الشهود كما يحصل هذا الاستناد في الجرائم المشهودة حيث ان التأخير في الاجراءات قد يؤدي إلى هروب المتهم وضياع الادلة....

وفي هاتين الحالتين فان التحقيق الذي يجريه المسؤول في مركز الشرطة يكون له نفس القوة القانونية بالنسبة للتحقيق الذي يجريه المحقق كما انه يستطيع اتخاذ الاجراءات اللازمة كالانتقال الى محل الحادث وتدوين إفادة المجنى عليه وسماع اقوال الشهود واستدعاء شهود او اشخاص

اخرين لسماع اقوالهم واستدعاء وندب الخبراء ووضع اليد على أدلة الجريمة وضبط الاسلحة والآلات والأدوات والوثائق والمستندات الهامه .

واستجواب المتهم ان كان معروفا او تفتيش الاماكن التي قد يلجأ اليها متى ما كانت الجريمة عمدية للقبض عليه ومنع دخول الاشخاص وخروجهم من محل الحادث وغيرها من الاجراءات التي يراها ضرورية (2) .

وعلى الرغم من موقف المشرع العراقي في إعطاء المسؤول في مركز الشرطة سلطة محقق وذلك لكثرة أعمال قاضي التحقيق أو المحققين أو عدم تواجدهم وقت ارتكاب الجريمة إلا إن ذلك يفسح المجال لضباط الشرطة ومأموري المراكز والمفوضون المسؤولين عن إدارة المركز بإجراء التحقيق في أي جريمة وذلك إضعاف لسلطة المحقق بالدرجة الأولى وإضعاف لسلطة قاضي التحقيق ايضا أذ كثيرا مايقوم ضباط الشرطة أو المسؤول في مركز الشرطة وعند تلقيه إخبار بوقوع الجريمة بالانتقال إلى محل الحادث واتخاذ كافة الإجراءات التي يستطيع ان يقوم بها المحقق دون حاجة لإحالة المخبر على قاضي التحقيق أو المحقق مدعيا الى احد الحجج التي اوردتها المادة 50 كان يقول انه خشى هروب المتهم او ضياع معالم الجريمة لذلك ندعو المشرع العراقي إلى حصر إجراءات التحقيق بالمحقق وقاضي التحقيق فقط....

المحور الثالث

التقييم العملي لمكتب التحقيق القضائي

من خلال تجربتي المتواضعة في العمل القضائي وعملي بصفتي قاضي تحقيق تكريت سبق عملي بصفتي قاضي تحقيق مكتب التحقيق القضائي في تكريت أستطيع القول أن هناك عدة ملاحظات سجلتها ووأثبتتها وقائع العمل وهي كالآتي :

أولاً- أن العمل بتجربة مكتب التحقيق القضائي أكثر نجاحاً من العمل بصفة قاضي تحقيق لمراكز الشرطة التابعة لأعمال محكمة التحقيق حيث أن المحققين القضائيين في مكتب التحقيق القضائي هم من خريجي كلية القانون وأصحاب فكر قانوني قابل للتطور ويتمتعون بكفاءة جيدة وأستقامة ونزاهة وأمانة وحيادية وشعورهم بأنهم جزءاً من المحكمة وتابعين بشكل مباشر لأشرافها من حيث العمل المهني والآداري ومن حيث التزامهم بالدوام كذلك شعور اطراف الشكوى الجزائية من ان شكواهم مقدمة الى المحكمة مباشرة وشعور أطراف الشكوى كذلك بهيبة المحكمة وأحترام القرارات الصادرة وشعورهم بأمانة تطبيق القانون من قبل المحكمة والثقة والقناعة العالية بتلك الأجراءات وعدم أبتزاز أطراف الشكوى أبتداءاً من ورقة تقديم الشكوى وأجراءات التبليغ وطلب حضور الخبراء والشهود وعدم تكليف أطراف الشكوى بأي أعباء اضافية وشعورهم الحقيقي أن السلطة هي التي تتولى التحقيق .

وتوفر أجهزة أستنساخ في مكتب التحقيق القضائي يخفف عن كاهل أطراف الشكوى وسرعة الاجراءات على النقيض من ما لمسته من التأخير في إنجاز التحقيق من قبل القائمين بالتحقيق في مراكز الشرطة من الضباط لأسباب تعود لهم بالذات أو لاسباب خارجة عن أرادتهم كون أولئك الضباط يرتبطون بمراجعهم من ضباط المراكز وحتى في مديرية الشرطة وتدخل المراجع في أعمال التحقيق وكثرة أعمال ضباط الشرطة وزجهم بواجبات وأعمال خارج نطاق العمل ألتحقيقي وعدم تفرغهم لأعمال التحقيق وكون الأوراق التحقيقية تبقى بمعيتهم فأن رقابة محكمة التحقيق تكون أضعف وحتى تبلغ أطراف الشكوى بمضمون قرارات قاضي التحقيق فأن القرارات يبلغها ضابط الشرطة بالتالي شعور أطراف الشكوى أن ضابط الشرطة هو الذي يسير التحقيق وشعورهم السائد أن ضابط الشرطة هو الذي يجري التحقيق وقناعتهم أن ضابط الشرطة بأمكانه أن يقنع محكمة التحقيق بأجراءاتها كما لاحظت من خلال تجربتي أن مطالعات ضابط الشرطة ركيكة ومختصرة تنقصها الكثير من الجوانب القانونية قد تؤدي ذاتها الى أرباك قاضي التحقيق الذي لديه من الأوراق التحقيقية يحتاج من يعينه في توضيح الحقائق وإجراءات التحقيق في المطالعة دون ترك الاوراق لقاضي التحقيق لوحده خصوصاً أنه تم زج الكثير من ضباط الجيش السابق في جهاز الشرطة واعمال التحقيق على النقيض من المحققين القضائيين الذين تكون مطالعاتهم وافية لكل الاجراءات وعرض الرأي وتقديم المقترحات التي يتطلبها التحقيق كما لاحظت أن المحققين القضائيين بدأوا بممارسة الصلاحيات القانونية لهم والمباشرة بأعمال التحقيق واجراء المخاطبات الرسمية بأسم المكتب بأستثناء تلك التي حصرها القانون بقاضي التحقيق في حين وجدت أن ضابط الشرطة لاينفذون سوى ما يصدر من قرارات وبشكل متراخي تلجئنا الى التأكيدات لتنفيذ فقرات قاضي التحقيق الواحدة تلو الأخرى في حين أن المحققين القضائيين يباشروا أجراء التحقيق بشكل أكثر شمولية .

ثانياً : وجدت من خلال عملي في مكتب التحقيق القضائي أن هناك نجاحات أو إنجازات في عمل مكتب التحقيق القضائي من خلال الثقة بالمحققين القضائيين وشعورهم بالمسؤولية في العمل التحقيقي واتصالهم المباشر بقاضي التحقيق وشعورهم أنهم جزء من المحكمة وأعوان لقاضي التحقيق ولمست ثقة أطراف الشكوى بالمحققين وبالمحكمة ولم نلمس أي حالة سلبية بخصوص عدم الحيادية او التشكيك بالتلاعب بالتحقيق أو الميل لطرف على حساب آخر وعدم وصول أي شكوى من أطراف الشكوى ضد المحققين القضائيين العاملين في مكتب التحقيق القضائي تعلقت بالنزاهة أو فقدان الحيادية أو على الأقل أحترام أطراف الشكوى عند مراجعتهم للمكتب وأهم ما نسجله هو قناعة أطراف الشكوى بالامانة في التحقيق في مكتب التحقيق القضائي وتقبل اجراءات المكتب بقناعة تامة وشعورهم أن مكتب التحقيق القضائي اكثر عدالة في التحقيق ورضاهم العالي بالقناعة في تطبيق القانون وان ما ذكر يمثل الحقيقة للواقع العملي الذي لمسناه من المترددين من اطراف الشكوى انفسهم وعلى لسانهم .

ثالثاً: في ذات الوقت نسجل من تقييمي للتجربة معوقات تم تجاوزها بالتنسيق مع رئاسة محكمة الاستئناف ومعوقات لازالت تعترض العمل ألتحقيقي ولايسعني إلا أن أذكر تعاون رئاسة محكمة الاستئناف بتزويد هذه المحكمة باحتياجاتها من قرطاسية واثاث وجهاز استنساخ وكافة اللوازم المكتبية والتوجيه المستمر بانجاح التجربة وتوجيه مركز الشرطة القضائية في رئاسة محكمة الاستئناف بالتعاون مع المكتب وتوجيه منتسبي الحراسات القضائية بذلك أيضاً وتخصيص معاون قضائي لمكتب التحقيق القضائي والاسراع بالمخاطبات الرسمية لمكتب التحقيق القضائي والاشادة المعنوية بمكتب التحقيق القضائي والثقة العالية بالمكتب وذلك لمسناه من خلال أطراف الشكوى الى مقر الاستئناف وتذمرهم من تاخير حسم قضاياهم وبعد المخاطبات وتدخل محكمة الجنايات وايداع الاوراق التحقيقية لدى مكتب التحقيق القضائي لكن أقول من المعوقات التي لاتزال مستمرة التي لم نجد لها حلاً رغم كل الجهود المبذولة من قبل المكتب ومراجعنا بضرورة تخصيص مفارز ثابتة مخصصة لمكاتب التحقيق القضائي دون أن نلمس أي استجابة من وزارة الداخلية أو مديرية شرطة المحافظة كما نعاني من قلة الكادر الوظيفي ونعاني أيضاً من عدم تخصيص بناية مستقلة لأعمال المكتب وعدم تخصيص آليات خاصة للمكتب كما أننا بحاجة الى زيادة عدد المحققين القضائيين.

 

الخاتمــــة 

بعد ان انتهينا من توضيح محاور الدراسة المتعلقة بسبل الارتقاء بالعمل في مكاتب التحقيق القضائي توصلنا الى جملة من النتائج والمقترحات منها....

أولا/ النتائـج :

1-القاعدة العامة فيمن يتولى التحقيق الجنائي هم قضاة التحقيق وكذلك المحققون تحت إشراف قاضي التحقيق وهذا ماجاء به قانون أصول المحاكمات الجزائية في المادة 51/أ

2-حدد القانون أعمال قضاة التحقيق والمحقق القضائي لابل نجد انه  في بعض المواقف يحدد العمل الإجرائي لكنه لايحدد من هي الجهة التي تقوم بهذا العمل وطبقا للقاعدة العامة يتولى التحقيق قاضي التحقيق والمحقق تحت إشراف قاضي التحقيق ....

3-كما لاحظنا مصادرة صلاحيات كثيرة للمحقق القضائي تمت الإشارة إليها في متن المحور الثاني كان الأجدر بالمحققين القضائيين استخدام تلك الصلاحيات الممنوحة لهم بالقانون وذلك في سبيل تخفيف العبء عن كاهل قضاة التحقيق وتحمل المسؤولية من قبل المحقق القضائي باتخاذ القرار أو الإجراء ألتحقيقي ...

ثانيا / المقترحـــات :

1-اقترح تحديد اختصاص مكاتب التحقيق القضائي بنوع معين من الجرائم كأن تكون جرائم الفساد الإداري والمالــــي وذلك بسبب استشراء الفساد في مؤسسات وأجهزة الدولة ودمج هيئة النزاهة ضمن الهيكل الإداري لمكاتب التحقيق القضائي ولا يمنع ذلك من تكليف المكتب بالتحقيق في جرائم أخرى كلما دعت الضرورة إلى ذلك ....

2-الدعوة إلى أن يأخذ المحقق القضائي دوره في إجراءات التحقيق الجنائي كما جاء بها أصول المحاكمات الجزائية  العراقـي وتطوير الكفاءة القانونية والفنية لدى المحققين القضائيين فالمحقق القضائي يجب أن يكون عالما بالقانون الجنائي كما ينبغي ان يكون ملما بالعلوم ذات الصلة بعمله ولذلك نعتقد بضرورة إلمام المحقق بعلم الإجرام وعلم النفس الاجتماعي وان يتمتع المحقق بالحياد والبعد عن المؤثرات والميول التي قد تؤثر سلبا على سير التحقيق الموضوعية  وضبط النفس وعدم الاستسلام للغضب والانفعال والنزاهة وحسن الخلق ....

3-نقترح إعادة النظر في الحوافز والمخصصات المقررة للمحققين القضائيين وذلك لتامين مستوى المعيشة اللائقة بالمحقق القضائي لحماية المحقق من احتمالات التورط في طريق الابتزاز والرشوة وجعل رواتبهم يتم اقتراحها وصرفها من قبل مجلس القضاء الأعلى....

4-استحداث وحدة الحاسوب الآلي  خاصة بالمكتب تتضمن معلومات عن القضايا الكاملة التي يتولى التحقيق بها المحققون القضائيون وخاصة مايصدر عنها من أوامر القبض على إن يتم ربط الحاسوب الآلي بالانترنيت لتحقيق التعاون بين المكتب ومراكز المحافظة والاقضية في مجال مكافحة الجرائم وعدم إفلات المجرمين من العقاب....

5-    ولكثرة العمل الملقى على عاتق قاضي التحقيق في مكاتب التحقيق القضائي ومن اجل سرعة حسم الدعاوي نقترح إن يتم إنشاء مفارز للشرطة داخل مكاتب التحقيق القضائي حتى لانتكبد عناء مفاتحة مراكز الشرطة مما قد يؤدي إلى بطئ إجراءات الدعوى كما إن بعض المراكز قد لاتنفذ الأوامر الصادرة إليها من قضاة التحقيق وهذا قد يؤدي إلى إفلات المجرمين من الأعمال الغير مشروعة التي ارتكبوها أو ضياع معالم الجريمة....

اختم في نهاية هذه المحاضرة وهذا الجهد المتواضع ادعو الله عز وجل ان يوفق الجميع لخدمة الحق والعدل ليعم الامن ولاستقرار في بلدنا العزيز .



(1) انظر المادة (51-52) من أصول المحاكمات الجزائية

(2) انظر المادة (3) من قانون الادعاء العام .

(3) انظر المادة (35) من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979 .

(4) ينظر د.براء كمال عبد اللطيف , شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ,ط2, 2010 ص119

(5) ينظر د.عبدالامير العكيلي و د. سليم  حربة   / أصول المحاكمات الجزائية ,ج1 /المكتبة القانونية ,2008 ,ص161 .

(1) ينظر د. سلطان الشاوي ,أصول التحقيق الإجرامي ,ط6 ,المكتبة القانونية , بغداد , 2006 , ص14 .

(2) انظر المادة (123 ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

(3) انظر المادة (109/ج) من قانون المحاكمات الجزائية.

(1) أنظر المادة 11/أولا من قانون هيئة النزاهة رقم 30 لسنة 2011 .

(1) انظر المادة 112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

(2) انظر المادة 92 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

(3) انظر المادة 112 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

 

 

(1) انظر المادة 87 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

(2) انظر المادة 58 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

(3) انظر المادة 50 من قانون أصول المحاكمات الجزائية .

(4) انظر المادة 69 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

(5) انظر المادة 87 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

 

 

(1)انظر المادة 134/ ج من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

(2) ينظر القاضي رحيم العكيلي – دور المحقق في التحقيق الابتدائي بين سعته قانوناً ومصادرته عرفياً- بحث منشور على الموقع الألكتروني لهيئة النزاهة .

(3) أنظر المادة 51 من قانون اصول المحاكمات الجزائية .

 

 

(1) أنظر المادة 50 من قانون اصول المحاكمات الجزائية

(1) ينظر د . براء منذر كمال – المصدر السابق – ص 102 .

 

(2) ينظر عبد الامير العكيلي و د. سليم حربه – المصدر السابق – ص107 .