التفاصيل

القاضي سالم الموسوي انموذجا للقاضي المثابر والمتطور / القاضي زهير كاظم عبود

2013-12-01 12:32:00

يعاني القضاء العراقي اليوم من الرتابة والتقييد والشكلية في العمل ، ومن بين أسباب تلك الرتابة والتقييد والشكلية بقاء الغالبية من القضاة ضمن التطبيق الالي المقيد لأحكام القوانين والنصوص التي تحكم القضايا المعروضة امامهم ، بالإضافة الى العزوف عن المتابعة والإطلاع والتطوير الثقافي والقانوني ، وبالتالي عدم القدرة على التطوير الذي ينشده أساس العمل القضائي .

ولعل هناك من يضع اللوم على الظروف غير الاعتيادية التي يمر بها العراق ، الا ان الامر لايتعلق  بهذا لوحده ، حيث أن الأمر يتعلق ايضا بالتطوير الذاتي للثقافة الشخصية والقانونية للقاضي ، بما يحقق توسيع المدارك والقدرة على الاستنتاج والاستنباط  للقرائن  القانونية ، وهو امر يحتاج الى الثقافة والمعرفة والتعمق في فهم النصوص وهو هدف اساسي من اهداف التطوير القضائي . 

فمن يطلع على المادة الأولى من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 المعدل يجد انها  تنص على أن من أهم اهداف قانون الأثبات توسيع سلطة القاضي في توجيه الدعوى وما يتعلق بها من ادلة بما يكفل التطبيق السليم لإحكام القانون وصولا الى الحكم العادل في القضية المنظورة ، وتوسيع سلطة القاضي لم تأت اعتباطا مالم تقترن بالتطبيق السليم المعزز بالأدلة التي يتمكن القاضي من استلالها سواء من القرائن أو الأدلة الثابتة ، حتى يكون قراره وحكمه الأقرب للعدالة  . 

أن الوصول الى العدالة لاتحددها النصوص القانونية فقط ، ولهذا أكد القانون في صدد طرق الاثبات تخير القانون الاتجاه الوسط ما بين انظمة الاثبات المقيد والاثبات المطلق فعمد الى تحديد طرق الاثبات ، ولكنه جعل للقاضي دورا ايجابيا في تقدير الادلة وفي التحرك الذاتي وصولا الى الحكم العادل والى الحسم السريع وأقام كل ذلك على ما ينبغي ان يتوافر للقاضي من ثقة يوليها به المشرع. وقد جاء القانون بقواعد مستحدثة تتناسب والأهداف التي رمى اليها .

العزوف عن التثقيف الذاتي والمتابعة والتطوير لايمكن ان تلزم بها القيادة القضائية للقضاة ، مالم تجد تعاونا وتجاوبا ورغبة اكيدة من القضاة  أنفسهم ، وبالرغم من كل الظروف التي تحيط بالعمل القضائي وتقيده ، حيث اصبحت الترقية الى الأصناف المتقدمة لوحدها معيارا للمنصب القضائي دون الأخذ بالكفاءة والثقافة والقابلية ، ويمكن ان تتحكم الظروف الحالية التي يمر بها العراق كأحد الأسباب التي تسهم بذلك ، بالإضافة الى قضية النقل بين القضاة والحاجة الماسة لذلك ،  والتي يقدر مجلس القضاء الأعلى صعوبتها وظروفها فتجعله مقيدا بذلك في زوايا حرجة , إلا ان بروز عناصر قضائية تشكل علامة واضحة للتطوير والمثابرة بالإضافة الى الجرأة في البحث عن صميم العدالة ، مثل هذه النماذج تدلل على أن بالإمكان ان تتطور العناصر القضائية ذاتيا .

 القاضي سالم روضان الموسوي لم يكن من بين خريجي المعهد القضائي ليتسلح اكاديميا ، انما عمل  بعد تخرجه من كلية القانون محاميا  امام المحاكم العراقية ، وتمكن القاضي المذكور من زيادة تجربته واغناء ثقافته متسلحا بجرأة في التطبيق القانوني سواء خلال عمله كمحامي أو كقاضي ، ليعكس كل ذلك في حيثيات القرار القضائي الصادر ، ويشكل لنا علامة مضيئة من علامات القضاء العراقي في زمن ليس بالسهل .

واذا عرضنا عن الكتابة عن الكتب القانونية التي اصدرها القاضي المذكور ،  والمقالات القانونية التي كتبها ، والتي تدل بما لايقبل الشك على توسيع اطر ثقافته القانونية ومحبته للتطوير الذاتي ،  وعشقه للمتابعة والإطلاع والاستمرار في العطاء ، فأن تدقيق منصف للقرارات الجريئة والعادلة التي اصدرها سواء خلال عمله في محاكم الأحوال الشخصية في قضايا الحضانة أو النسب او التفريق في حالات العنف الاسري او المواريث أو خلال عمله في محاكم البداءة في قضايا الفصل السياسي والمرافعات المدنية  وغيرها من القرارات التي صدرت عن القاضي المذكور تؤكد عرضنا أعلاه .

أن التقيد بآلية العمل يحدد العطاء ، هذا التقييد يشغل القاضي عن العطاء ويعرقل القدرة على الانجاز بما يحقق رؤية مستقبلية للواقع القضائي في العراق ،  وقد خسر القضاء عطاء القاضي الجليل مدحت المحمود في مجال قانوني المرافعات والأحوال الشخصية ، وهو الخبير الضليع بهما ، وفي الوقت الذي نحن باحوج مانكون لتطوير هذين القانونين بما يتناسب مع الزمن والدستور والتطور الحاصل على الأسس التي قام كل منهما عليها ، الا ان تقيد السيد المحمود  وتحدده بأعمال ادارة مجلس القضاء الأعلى وأعباء رئاسة المحكمة الاتحادية العراقية العليا يحول دون هذا العطاء ، وبما عرف عنه من امكانية وقدرة سواء في العراق او المنطقة العربية في هذين المجالين ، ولهذا نجد ان مطلبا اساسيا يساهم جميع القضاء العاملين في مجالي القضاء والادعاء العام ، وبما يجعلهم جميعا مسؤولين عنه ، لتطوير ثقافتهم القانونية وإطلاعهم على مستجدات العمل القضائي العربي او الدولي ، والارتقاء بالثقافة العامة المطلوبة بالقاضي ، فنحن بأمس الحاجة الى تطوير آلية العمل القضائي والارتقاء بالشخصية القضائية ، ونحن ايضا بحاجة لوضع قواعد اساسية  فاعلة تسهم في تطوير العمل القضائي ، وفي اختيار القضاة للمراكز القضائية .

والثقافة اليوم سلاح القاضي الفعال ، و هذه الثقافة تطور مدارك القاضي وتعمل على مراعاة لما ينبغي ان تكون عليه التشريعات من تناسق في الاحكام وفي الصياغة القانونية ، ومع اننا ندرك  أن ليس للقاضي ان يحكم بعلمه الشخصي الذي حصل عليه خارج المحكمة ، الا ان له ان يأخذ بما يحصل عليه من العلم بالشؤون العامة المفروض المام الكافة بها ، بل نستطيع القول دون مغالاة أن على القاضي ان يكون عالما بالقوانين وعارفا بكل الأمور المفروض معرفة العامة بها من كافة النواحي .

وعلى هذا الأساس فأن الغاية الأساسية للعمل القضائي الوصول الى العدالة التي توفرها ثقافة القاضي وتدقيقه النصوص القانونية وإتباعه طرق التقاضي التي رسمتها القوانين التنظيمية سواء منها قانون الأثبات أو المرافعات المدنية أو قانون اصول المحاكمات الجزائية ، فان للثقافة القانونية والتطوير الذاتي للشخصية القضائية دورا مهما وفعالا للوصول الى ضمانات عادلة وتعبر عن قدرة القضاء العراقي على ان يكون جديرا بمكانته التي اكد عليها الدستور العراقي .