التفاصيل

الكشف عن الذمة المالية والحق في الخصوصية / القاضي سالم روضان الموسوي

2014-02-20 11:43:00

من بين الأسباب الموجبة لتأسيس هيئة النزاهة هو الحاجة الى وسائل فاعلة في مكافحة الفساد وجاء في الأسباب الموجبة للأمر (55) لسنة 2004 التي تشكلت بموجب هيئة النزاهة (بأن الشعب العراقي يستحق قادة يتسمون بالنزاهة ويكرسون أنفسهم لشفافية الحكم في العراق والمعركة ضد الفساد هي نضال طويل الأمد يتطلب تعهداً دائماً بتغيير السلوك على جميع أصعدة الحكومة).

كما ورد في الأسباب الموجبة لإصدار القانون رقم (13) لسنة 2010 الآتي:

(في سبيل رفع مستوى النزاهة والحفاظ على المال العام ومحاربة الفساد وتنظيم العلاقة بينها وبين الأجهزة الرقابية) ولتمكينها من الحد من ظاهرة الفساد حدد لها القانون عدة وسائل منها سابقة لوقوع فعل الفساد ومنها ما بعد وقوعهوأشار الى أحدها بتكليف بعض الأشخاص العاملين في أجهزة الدولة بالكشف عن ذممهم المالية للهيئة. وهذا لايسري على جميع العاملين في الدولة العراقية وإنما على فئة ذات توصيف خاص ومنهم ذوي الدرجات الخاصة والوزراء وأعضاء مجلس النواب والقضاة وسواهم وعلى وفق حكم الغفقرة (خامساً) من المادة (3) من قانون هيئة النزاهة رقم (30) لسنة 2011 التي جاء فيها الآتي:

(تعزيز ثقة الشعب العراقي بالحكومة عبر إلزام المسؤولين فيها بالكشف عن ذممهم المالية, وما لهم من أنشطة خارجية واستثمارات وموجودات وهبات أو منافع كبيرة قد تؤدي الى تضارب المصالح, بإصدار تعليمات تنظيمية لها قوة القانون بما لا يتعارض معه, وغير ذلك من البرامج). والحكمة في ذلك تكمن في خطورة الموقع الذي يشغله ذلك المكلف بما يمتاز به من سلطة قد تكون منفذ من منافذ الفساد والإثراء على حساب المال العام من خلال ممارسة هذه السلطة الممنوحة له بحكم الوظيفة, وبما أن ذلك الشخص يعتاش على الراتب (المعاش) الذي يمنح له من المال العام لابد وأن يكون خاضع لرقابة الهيئات التي تمثل المجتمع, لأن المال العام هو ملك الشعب وليس ملك الأفراد كما أن المبالغ الضخمة التي منحت لهؤلاء كان الغرض منها تعويضه عن حرمانه من ممارسة الأعمال الأخرى في التجارة وغيرها لأن من يتقلد بعض الوظائف يمنع عليه ممارسة هذه الأعمال حفاظاً على حياديته في العمل ومنهم القضاة على كذلك الوزراء وأعضاء مجلس النواب وسواهم فالوزراء وأصحاب الدرجات الخاصة يحكمهم قانون الخدمة وقانون الانضباط العام وفيه منع لممارسة الاعمال كذلك في بعض القوانين الخاصة مثل الأمر (66) لسنة 2004 المتعلق بهيئة البث والإرسال وغيره الذي أشار الى تعارض المصالح.

 

فكان لهذا الحرمان دوره في تضخيم الرواتب الممنوحة لهم على حساب المال العام وعلى حساب سائر العاملين في الدولة والذي خلق هذا التباين الكبير بين طبقات العاملين في الدولة ولغرض تمكين المجتمع والشعب مالك المال العام من معرفة كيفية تعامل هذا المكلف مع وظيفته ومدى التزامه بالمحرمات في ممارسة سائر الاعمال وجد مبدأ الشفافية المتمثل بكشف الذمة المالية حتى يتسنى لهيئة النزاهة من مراقبة ما تحصل عليه ذلك الشخص خلال مدة سنة من عمله وهل يتناسب مع وارداته من الراتب ام انها تمثل اثراء غير منسجم مع الايراد المشروع، والغاية في ذلك محاربة وجود طبقة من المفسدين الذين سيكون لهم دور في اضعاف سائر الطبقات الاجتماعية وتكون لقوتهم المالية اثر في تغيير انماط سلوك المجتمع سلبا ويرى البعض ان مبدأ الشفافية جاء رد فعل لما حصل من تغول بعض الاثرياء من طبقات المجتمع في الاثراء على حساب المال العام ودورهم في تعاظم الفقر بين العامة وحصر مقدرات الامة بيد عدد محدود من الاشخاص، لكن ما حصل في مجلس النواب عند مناقشة مشروع قانون تعديل قانون هيئة النزاهة وامتناع عدد من الاعضاء عن التصويت على مادة تلزمهم بالكشف عن ذممهم المالية، اثار استغراب الجميع اذ كيف لمشرع ان يمتنع عن تعيين اليات مكافحة الفساد وهو من اقسم على ذلك عند تقلده تلك المهمة وبرر البعض من هؤلاء الاعضاء ذلك الامتناع بالتشدق بحق الخصوصية الذي اقره الدستور وارى ان عذرهم في غير محله لان حق الخصوصية الذي اعلنوه قد لا يدركوا معناه الحقيقي وساعرض له بعجالة لتوضيح ذلك لهم عسى ان تنفعهم الذكرى ان كانوا يقرأون ما نكتب ان الحق في الخصوصية يعد من الحقوق الاساسية لكل مواطن او فرد في المجتمع وعلى وفق الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة ( 12 ) الا ان هذا الحق لا يعد حقا ما لم يتعين بقانون وان كان قد ذكر في دستور العراق في المادة (50) إلا انه ليس بمطلق لأن الحرية الشخصية مكفولة بموجب الدستور والقانون، ويجب أن لا تتعرض إلى الخرق أو الاعتداء لان حرية الأعلام أو الصحافة تهدف إلى حماية المصالح الاجتماعية العامة وحياة الأفراد الشخصية لا تشكل حيزاً يدخل فيه الصالح العام، لكن قد يثور سؤال عن معنى الحياة الخاصة؟ لم يرد في القانون العراقي تعريف للحياة الخاصة وإنما عرج على تعريفها الفقه القانوني فبعض الفقهاء يعرفها بأنها (حق الفرد في عدم ملاحقة الآخرين له في حياته الخاصة) اعتماداً على إن الحق في الحرية (هو حق الفرد في ان يترك وشأنه) لان الحق في الخصوصية يعطيه حق الانسحاب المؤقت والاختياري بجسمه وعقله من الحياة الاجتماعية، كما يعرفه بعض الفقهاء ومن منظور إسلامي بأنه (صيانة الحياة الشخصية والعائلية للإنسان بعيداً عن الانكشاف والمفاجأة من الآخرين بغير رضاه)، وتوجد تعاريف أخرى غربية لمعنى الحياة الخاصة، لكن الأفراد حينما يتصفون بصفات معينة مثل الموظف العام وغيره من اعضاء مجلس النواب والوزراء فان حياتهم الخاصة بقدر تعلق الامر بادائهم لاتحميه هذه القاعدة لان موقع أدائهم يتعدى الخصوصية الفردية إلى العمومية الجمعية، وبذلك فان الخصوصية التي يدعيها هؤلاء البعض لامحل لها في كشف ذممهم المالية وانما عليهم اداء ذلك الالزام المقرر بموجب البند (خامسا) من المادة (3) قانون هيئة النزاهة العامة رقم 30 لسنة 2011  ويعد من يخالف تلك المادة قد ارتكب فعلا جرمه القانون ويخضع للمساءلة القانونية .