التفاصيل

التفسير القضائي للنصوص الدستورية و القانونية/ القاضي سالم روضان الموسوي

2014-06-11 09:19:00

القانون يعد الوسيلة الفضلى لتنظيم العلاقات بين الأشخاص سواء كانوا أشخاص طبيعية أو معنوية، إلا أن مجرد تشريع القانون لا يكفي لتحقيق الغاية التي من اجلها شرع ما لم يتم تطبيقه بواسطة القضاء وتنفيذه عبر الوسائل التنفيذية الدستورية، ولان القانون هو مجرد جمل تكتب لتعبر عن إرادة المشرع تجاه المشكلة او الحالة التي ينظمها وصيغة النص يقصد بها التعبير بالألفاظ عن الصور الذهنية وهي المعاني، فاللفظ هو القالب الذي يتجسد فيه المعنى المراد إيصاله، لذلك فأن صياغته اللغوية لها الأثر الأكبر في إدراك الغاية عند التطبيق، لان الأوامر والنواهي الواردة فيه والمراكز القانونية التي ينشئها يستدل بها على ما يصبوا إليه التشريع، وأحيانا تكون هذه الصياغة غير موفقة في التعبير أو إنها قاصرة عن توضيح المعنى ويلبسها الغموض، وعند ذاك تظهر جدلية التفسير ونجد إن هذه النصوص تكون مجالاً خصباً للاجتهاد المتباين ونرى الكثير من المختصين وغيرهم، لديهم آراء وأفكار تجاه هذه النصوص، مثلما نجد أن فقهاء القانون والعاملين فيه لهم آراء في تفسير النصوص يندرج ضمن نظريات ابتدعها هؤلاء الفقهاء، واغلبهم أفاض في الشرح وأسهب في العرض مستعينا بالمنهج الأكاديمي، واحياناً نرى غيرهم ممن لا يختص بعلم القانون إلا انه يخوض فيه بحكم الوظيفة التي يتولاها وعلى وجه الخصوص أهل السياسة ومن يشتغل بها، وهؤلاء لهم انطباع تجاه النص وطالما كان ذلك الانطباع متأثرا بالأهواء الشخصية أو المزاج الجمعي للفئة التي يمثلها، لان الانطباع شعور يُحسّ به القارئ نتيجة لقراءته النص القانوني أو كما يرى علماء النفس بأنه نوع من الشعور يأتي ردّ فعل لمؤثر خارجي وجميع هذه الآراء والأفكار والانطباعات لا ترتب اثر وإنما تبقى عرضاً لوجهة نظر، أما القاضي في عمله القضائي يبحث عن نية المشرع بعملية يزيل بها الغموض الذي يعتري النص وعلى وجه الإلزام، لأنه حينما يطبق القانون ويستخلص الأحكام من النصوص النافذة عبر تفعيل آليات الاجتهاد القضائي فانه يفسر النص من خلال عملية منطقية لكشف مضمون التشريع، وهذا العمل القضائي في التفسير، وان اتبعت فيه ذات السبل في استنباط الحكم من النص النافذ والتي استخدمها الفقيه في القانون او السياسي او سواهم، يبقى هو الذي يتبع لأنه حكم ملزم للجميع دون الاهتمام بأي تفسير آخر يصدر من السياسي او الفقيه في القانون، وفي الواقع المعاصر نجد أن البعض وعلى وجه الخصوص بعض السياسيين يحاول أن يعبر عن وجهة نظره تجاه النصوص النافذة على وفق ما ينسجم ورغبته او رغبة الفئة التي يعمل في محيطها، وهذه لا تعدوا عن كونها انطباعات ذات صيغة سياسية نفعية تسعى إلى لي عنق النص نحو رغباتهم، وإنها متغيرة وغير ثابتة لان أساسها الذي بنيت عليه متحرك لا يستقر على حال و محيطها وبيئتها هي السياسة التي لا تقف عند حد، وإنما بوصلتها متحركة لأكثر من تجاه تبعا للمصلحة السياسية ، لذلك نرى كثيراً منهم من يكثر الضجيج تجاه حكم أو تفسير قضائي لم يصدر على وفق أهوائهم وينعته بشتى الأوصاف تصل إلى حد القذف والسب والتخوين، اما اذا اتجهت بوصلة مصلحته تجاه ذلك التفسير ، نجده يصغي اليه ويتمسك به ، وفي واقعنا السياسي الكثير من الأمثلة تجاه ردود الافعال سواء المتعلقة بالقضاء الاعتيادي أو الدستوري لان الدستور هو قانون مثله مثل غيره إلا انه يتصف بالعلوية والسمو وله جهة مختصة بتفسيره ممثلة بالمحكمة الاتحادية العليا في العراق التي تملك حصراً تلك الصلاحية على وفق حكم المادة (93) من دستور عام 2005 وهذه المحكمة أصدرت العديد من قراراتها التفسيرية ذات الإلزام للجميع، وكانت معظم هذه القرارات محلاً للنقد ومثال ذلك تفسير المحكمة الاتحادية العليا نص المادة (76) من الدستور بموجبها قرارها التفسيري العدد 25/اتحادية/2010 في 25/3/2010  حينما فسرت معنى الكتلة النيابية الأكبر وعند ذاك ضجت الأحزاب والفئات التي لم يكن التفسير منسجماً مع طموحها السياسي والسلطوي، وأصدرت البيانات والاعتراضات الاحتجاجية، لأنها ترغب في تفسير على وفق ما تشتهي، وكانت بمجملها انطباعاً وليس تفسيراً يرتب حكماً ملزماً وهذه الانطباعات كانت تميل إلى نقد القرار التفسيري في حينه، أما الآن وبعد مرور أربعة أعوام على صدوره فإنها التزمت الصمت بل نادت بتطبيقه وجعلته الأصل و المعبر الحقيقي عن فحوى النص الدستوري، لان مصلحتها اقتضت التأييد مثلما كانت تقتضي النفور في حينه، وهذا المثال يدل على أن التفسير القضائي للنصوص القانونية سواء للقانون الاعتيادي أو الدستوري هو الاصدق والافضل لأنه عبارة عن استنباط للأحكام من النصوص النافذة يتولاها أهل الاختصاص ممن تدرب على ذلك فضلا عن المحكمة الاتحادية العليا التي تعد الحارسة على الدستور بما لها من صلاحية تفسير الدستور والنظر في دستورية القوانين وان من يتولى إدارتها والنظر في القضايا المعروضة عليها هم نخبة من الرجال الذين وصلوا بأفكارهم واجتهادهم القضائي إلى مستوى الحكماء المؤتمنين على الدستور وان اجتهادهم كان مبني على أسس المنطق وأصول التفسير واتبعوا وسائل الاستنباط الصحيحة، مما أعطى لقراراتهم التفسيرية صفة الثبات والاستقرار، على عكس الانطباع السياسي الذي يصرح به الآخرون والذي من سماته التحول والتغيير حيثما تميل المصلحة، وهذا المثال قد أوضح سلامة المسعى وصدق الغاية ونبل المهمة التي يتولاها قضاة المحكمة الاتحادية العليا، وان استشرافهم لغاية كاتب الدستور واستنباطهم لأحكامه على الرغم من أسلوب الصياغة غير الموفق أحيانا وتعويم المصطلح وفضفاض المفردة التي كتب فيها، فان ذلك يدعونا إلى عدم التسرع بالتصريح عن انطباع شخصي أو رأي سياسي واعتباره هو التفسير للنص القانوني أو الدستوري، وإنما على الجميع الالتزام بالوسائل الدستورية والقانونية لان رأي السياسي وانطباعه ذو اثر في الرأي العام الجمعي ولربما ينعكس سلباً تجاه الحياة بشتى مناحيها السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية والأمنية ولا بأس من العرض بالنقد العلمي للاحكام لتطوير الفكرة التي وردت فيها لان الأفكار تنضج بالتلاقح .