التفاصيل

عقوبة العمل للمنفعة العامة في القوانين العقابية / القاضي إياد محسن ضمد

2014-06-12 09:59:00

السياسة العقابية لأي مجتمع تهدف بالدرجة الأساس إلى ردع الجاني وإصلاحه وإعادة إدماجه في المجتمع , وليس ارهاق جسده والانتقام منه من ضمن أولويات الأنظمة العقابية الحديثة ..الدولة لا تثأر ولا تسعى للانتقام من الجاني حين تفرض العقاب وانما تسعى لفرض سيادة القانون وتحقيق الامن الاجتماعي بردع الجناة وإعادة تأهيلهم ...المجتمع الدولي ممثلا بمنظماته الأممية وما تعقده من مؤتمرات يسعى لمراجعة مستمرة لفلسفة العقوبة وكيفية التعامل مع المجرمين ومن ثم تقديم التوصيات لإحداث تعديلات على الانظمة العقابية بما يتلاءم والمصلحة العامة للأسرة الدولية , حيث لم تعد عقوبة السجن هي الوجه الأوحد لما يمكن فرضه على من يرتكب جناية او جنحة يعاقب عليها القانون بل اتجهت اغلب الانظمة القانونية الى ايجاد عقوبات بديلة عن عقوبة السجن في ظل اكتظاظ السجون ومراكز الاحتجاز بالسجناء وما ينجم عن اختلاط السجناء ببعضهم من مساوئ , وحيث أن مراكز الإصلاح والتأهيل غدت في كثير من الأحيان موطناً للجريمة؛ إذ أن الواقع يشير دائماً الى ظهور كثير من الجرائم داخل السجون، وأهمها هتك العرض بسبب الإكتظاظ داخل غرف السجون، الامر الذي يتطلب إيجاد بدائل للعقوبات السالبة للحرية من أجل التخفيض من هذه الأعداد، ومن أجل الحد من الجريمة داخل السجن لتجنب ان تكون مرتعاً خصباً لنشوء الجريمة بدلاً من أن تكون مؤسسات للإصلاح والتأهيل , وان كانت عقوبة السجن تهدف بالدرجة الأساس الى سلب حرية المدان واحتجازه في الاماكن المخصصة ومنع اختلاطه في المجتمع , فان العقوبات البديلة تتبنى اهداف اخرى غير سلب الحرية , والعقوبات البديلة بابسط تعريفاتها , هي الحكم بعقوبة غير سالبة للحرية بدلا من عقوبة سالبة للحرية في حال توافر ظروف معينة وبقرار يصدر بناءا على تقدير القاضي المختص , والعقوبات البديلة منها ما يستهدف الجانب المالي للمحكوم عليه كالغرامة , ومنها ما يهدف الى مراقبة سلوك المدان مع منحه جزء من حرية الحركة كنظام المراقبة الالكترونية , ومنها ما يهدف الى تشغيل المدان في احد القطاعات العامة للفترة المحددة بقرار الحكم تحقيقا لمنفعة عامة .

عقوبة العمل للمنفعة العامة

عقوبة العمل للمنفعة العامة تعني قيام المحكوم عليه , وخلال الفترة المحددة في الحكم, وعند توافر ظروف معينة , بأداء عمل محدد لمصلحة المنفعة العامة في احد القطاعات الرسمية , وبدون اجر بدلا من إيداعه السجن في المؤسسة العقابية .

يعتبر العمل من أجل المنفعة العامة من بدائل العقوبة السالبة للحرية قصيرة المدة ولهذاه العقوبة جملة من الفوائد تعود على المجتمع وعلى مرتكب الفعل المعاقب عليه القانون منها :

1- إنها تقلل من حالة الاكتظاظ  التي تعاني منها المؤسسات الإصلاحية والعقابية الخاصة بإيداع السجناء.

2- إنها تقلل من حجم التكاليف والأعباء المالية التي تتحملها الخزينة العامة للإنفاق على النزلاء في المؤسسات الإصلاحية المخصصة لإيداعهم .

3- إنها تمنع اختلاط المحكوم عليهم بالجنح البسيطة من ذوي النوازع الإجرامية البسيطة بكبار المجرمين ومن ثم الحيلولة دون تأثرهم بالثقافة الإجرامية لكبار المجرمين .

4- إنها تعود بالمنفعة على العديد من القطاعات الخدمية في الدولة من خلال الخدمات المجانية التي يؤديها المحكومون للفترة المحددة في الحكم .

5- تساهم في بقاء المحكوم عليه قريبا من عائلته ووسطه الاجتماعي إضافة إلى أدائه الأعمال الموكلة له خلال فترة تنفيذ العقوبة بالعمل للمنفعة العامة .

 العديد من القوانين العقابية نصت على العمل بنظام عقوبة العمل لمنفعة عامة كإحدى العقوبات البديلة ومنها قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني رقم 3 لسنة 2001 في المادة 399  منه وقانون الاجراءات الجنائية البحريني لسنة 2002 حيث نصت المادة 371 منه على أنه (للمحكوم عليه أن يطلب في أي وقت من قاضي تنفيذ العقاب قبل إصداره الأمر بالإكراه البدني إبداله بعمل بدوي أو صناعي يقوم به) .وقانون العقوبات الاتحادي للامارات العربية المتحدة حيث نصت المادة 120 منه على (الإلتزام بالعمل هو تكليف المحكوم عليه أداء العمل المناسب في إحدى المؤسسات أو المنشآت الحكومية التي تصدر بتحديدها قرار من وزير العدل بالإتفاق مع وزير الداخلية والعمل والشؤون الإجتماعية على أن يمنح ربع الأجر المقرر ولا يكون الإلتزام بالعمل إلا في مواد الجنح وبدلاً عن عقوبة الحبس أو الغرامة على أن لا تقل مدة الإلتزام عن عشرة أيام ولا تزيد على سنة) ,وكذلك قانون العقوبات المصري في المادة 18 منه وكذلك فعل المشرع الجزائري في المادة 444 من قانون العقوبات والمادة 45 من قانون السجون الجزائري , وأخذ به المشرع اللبناني في المادة 11 من المرسوم التشريعي رقم 422 في 6 حزيران 2002 والتي جاء فيها (لكل محكوم عليه بالحبس مدة لا تتجاوز 3 أشهر ان يطلب من قاضي تنفيذ العقوبة بدلاً من تنفيذ عقوبة الحبس تشغيله خارج السجن).

بعض التشريعات اعتبرت هذه العقوبة عقوبة تكميلية للعقوبات الاصلية والبعض الاخر اعتبرتها عقوبة بديلة لهذه العقوبات كذلك فان التشريعات اختلفت في الجهة التي تطلب فرض العقوبة ففي التشريع الفلسطيني للمحكوم عليه ان يطلب ابدال العقوبة الاصلية عليه بعقوبة العمل للمنفعة العامة في حين جعل التشريع الاماراتي للقاضي فقط صلاحية ابدال العقوبة المحكوم بها بعقوبة المنفعة العامة وليس للمحكوم عليه القبول او الرفض ونحت تشريعات البحرين ولبنان منحى وسطيا حيث اعطت للمحكوم عليه امكانية طلب ابدال العقوبة ومنحت القاضي المختص صلاحية قبول الطلب من عدمه .

شروط الحكم بعقوبة العمل للمنفعة العامة

ليس موضوع الحكم بهذه العقوبة بالموضوع الخارج عن حدود الضوابط والاشتراطات القانونية وقد اختلفت التشريعات القانونية في ما تضعه من اشتراطات قانونية لفرض مثل هذه العقوبة الا ان هناك نقاط تشابه مثلت عاملا مشتركا بين مختلف التشريعات في هذا الجانب ومنها حصر تطبيق العقوبة في الجنح التي لا يحكم فيها القانون بعقوبة الحبس لفترات محدودة لسنة او لثلاثة اشهر  وان تكون صحيفة سوابق المتهم خالية من اي سابقة اجرامية مما يدلل على حسن سيرته وسلوكه , وان يقرر  القاضي المختص ابدال العقوبة الحبسية بعقوبة الخدمة للمنفعة العامة , هذا بالاضافة الى ان هناك اليات محددة لتنفيذ العقوبة منها ان يصدر قرار من القاضي بتحديد مدة حبس المحكوم عليه بعد ادانته ومن ثم يقرر ابدال العقوبة , وان يحدد القطاع الخدمي الذي يؤدي فيه المحكوم عليه فترة الخدمة للمنفعة العامة  , وان تحدد ساعات العمل والخدمة من حيث الأشهر ومن حيث ساعات العمل لكل يوم وبما يتلاءم مع الحالة العمرية والجسدية للمحكوم عليه وظروف العمل في القطاع الخدمي وان تحدد جزاءات في حال الإخلال بساعات العمل كتنفيذ  عقوبة الحبس بحق المحكوم عليه, وان تصدر تقارير متابعة من المؤسسة الخدمية تؤشر حالة المحكوم عليه وكيفية أدائه للخدمة المحكوم بها ومدى التزامه بتنفيذ الحكم من عدمه وغيرها من الشروط القانونية والإجرائية .

عقوبة العمل للمنفعة العامة في التشريع العراقي

لم يشر قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل الى عقوبة العمل لمنفعة عامة سواء في معرض النص على العقوبات الاصلية او التبعية او التكميلية ولا يوجد تطبيق واضح في التشريع العقابي العراقي لهذا النوع من العقوبات رغم النص على انواع من العقوبات التبعية كالحرمان من بعض الحقوق والمزايا ومراقبة الشرطة ورغم النص كذلك على التدابير الاحترازية السالبة لبعض الحقوق كحظر ممارسة العمل وسحب اجازة السوق وغيرها من انواع العقوبات والتدابير ومنح قاضي محكمة الموضوع صلاحية وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها عند توافر ظروف وشروط نص عليها القانون  .

وفي ظل التطور الكبير الذي تشهده النظم القانونية المتعلقة بالجريمة والعقاب , وإزاء محاولات العديد من الدول إدخال حزمة من التعديلات على قوانينها العقابية , فلا بد من إجراء التعديلات المناسبة على قانون العقوبات العراقي النافذ بما يضمن الاخذ بعقوبة العمل لمنفعة عامة وغيرها من العقوبات البديلة  مجاراة للتطور الذي لحق كافة مناحي الحياة والعلوم الانسانية ومنها العلوم القانونية؛ هذا التطور الذي ادى الى احداث تغيير ونقله نوعية هائلة ومتطورة  في السياسة العقابية، وفي تحقيق اهداف هذه السياسه المتمثل في الردع العام والخاص وتحقيق المصلحة العامة والافادة من الخدمات التي يحكم بادائها المحكوم عليه في الكثير من المرافق العامة كالخدمة في دور المسنين والعجزة والمساهمة في تنظيف الاماكن العامة والعمل في دوائر البلدية والزراعة وغيرها من القطاعات وان يكون العمل المحكوم بادائه متلائما مع خبرات ومهارات المحكوم عليه فان كان معلما يمكن ان يؤدي دورا في تعليم الاميين وان كان طبيبا يمكن ان يؤدي دوره في علاج المرضى في المؤسسات العقابية وهكذا بالنسبة لبقية القطاعات الخدمية وبما يحقق الغاية من استبدال عقوبة سلب الحرية بعقوبة العمل للمنفعة العامة .