التفاصيل

الوعي الدستوري والقانوني عند الكتل والقوائم النيابية/القاضي سالم روضان الموسوي

2014-07-13 08:32:00

عندما جرت انتخابات مجلس النواب لعام 2014 والتي تمثل الدورة البرلمانية الثالثة في عمر الحياة السياسية في العراق على وفق دستور عام 2005 وما صاحب هذه الفترة من اضطراب سياسي مازال مستمرا وضجيجا إعلاميا تناوب على التسقيط والتوضيح والتعطيل وتأرجح بين نوايا صادقة للعمل وأخرى هادفة إلى تفكيك منظومة الدولة مع وجود قراءات وتفسيرات متعددة ومتباينة للأحكام الدستورية والقانونية التي ملأت سماء الإعلام ضجيجا وكل واحد من السياسيين يصرح على وفق ما يشتهي وما يرى حتى وان كان من غير المختصين في القانون وتزاحمت هذه الرؤى ولم يفصل بينها ويقدم الراجح منها إلا قرارات المحكمة الاتحادية العليا التي تولت تفسير النصوص الدستورية وكانت لقراراتها اثر كبير وفاعل في رسم شكل الدولة واليات العمل فيها وعلى وفق ما ورد في الدستور من خلال توضيح وتفسير نصوصه التي التبس فهمها على بعض السياسيين وكان لبعض هذه القرارات الحظ الوافر في النقد والاعتراض حينما لم ترد على وفق مزاجهم السياسي، إلا إنها كانت مقبولة بعد حين عندما توافقت مصالحهم مع ما ورد فيها من أحكام ومنها على سبيل المثال تفسير المادة 76 من الدستور التي تتعلق بالكتلة الأكبر الوارد في قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد (25/اتحادية/2010) في 25/3/2010 وبعد مرور أكثر من أربعة أعوام وبعد انتهاء الدورة البرلمانية كان الأمل كبير في أن تلتفت القوى التي دخلت السباق الانتخابي إلى هذه القرارات والأحكام التشريعية فضلا عن الأحكام الدستورية الفاعلة والمتعلقة إجرائيا بالعمل الانتخابي فيما يتعلق بالمدد والتوقيتات التي يجب أن يراعيها البرلمان الجديد، لكن الواضح إن معظم القوى النيابية (الكتل والقوائم) لم تكن على معرفة أو اطلاع على تلك الأحكام أو إنها تغافلت عنها عمدا عندما خرقت الدستور في أول جلسة لها حيث إنها خالفت حكم المادة (54) من الدستور التي ألزمت البرلمان انتخاب رئيس ونائبين في أول جلسة ولم يرد أي نص في الدستور أو حكم قضائي للمحكمة الاتحادية العليا يجيز للمجلس أن ينهي الجلسة الأولى دون مراعاة انتخاب الرئيس ونائبيه مما يعد خرقا للدستور ، إلا أن المراقب للأمر الدستوري والبرلماني في العراق يفترض في ذلك التصرف أمرين:ـ

  1.  الأول إن البعض يعلم بذلك الخرق لكن تغاضى إن لم يكن هو الساعي أليه عمدا لأنه سيحقق مصالحه الحزبية أو الفئوية والذي سأبينه لاحقا
  2. الأمر الثاني إن من قام بالتصرف لم يعرف أصلا وجود نصوص حاكمة وقرارات قضائية تفسيرية صادرة من المحكمة الاتحادية ملزمة واجبة النفاذ أو لربما يعلم بوجودها لكنه لم يدرسها أو يطلع عليها.

 لان من أهم الآثار التي تترتب على رفع الجلسة الأولى وتعيين موعد لاحق للجلسة الثانية هو موضوع الكتلة النيابية الأكبر حيث ورد في حكم المادة (76/أولاً) من الدستور التي تتعلق بتكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل الوزارة وعلى وفق النص الآتي (يكلفرئيسالجمهورية،مرشحالكتلةالنيابيةالأكثرعدداً، بتشكيلمجلسالوزراء،خلالخمسةعشرَيوماًمنتاريخانتخاب رئيسالجمهورية) فضلا عن تفسير المحكمة الاتحادية لمعنى الكتلة النيابية الأكبر في قرارها العدد (25/اتحادية/2010 في 25/3/2010) الذي أشار صراحةً دون لبس أو غموض إلى أن هذه الكتلة هي التي تتكون بائتلاف عدة قوائم انتخابية أو القائمة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد النيابية تكون هي الكتلة الأكبر، وبما أن احد من الذين حضروا الجلسة الأولى لم يقدم أي اسم لأي كتلة نيابية تشكلت أثناء هذه الجلسة وبعد أداء اليمين القانونية ولحين إنهائها ورفعها إلى جلسة ثانية فان الكتلة النيابية تكون هي القائمة الأكبر عددا في المجلس، إما إذا يرد البعض على ذلك بأنهم أعلنوا عن تحالفات نيابية بواسطة وسائل الإعلام فان ذلك لا يعتد به لان العبرة بالكتلة التي تتشكل من النواب الذين أصبحوا ذو عضوية كاملة بعد أدائهم اليمين القانونية والتي تقدم خطاب رسمي مكتوب بإعلانها كتلة نيابية لها اسم يميزها عن غيرها من القوائم والكتل التي تتشكل في البرلمان ، وتقدمه إلى رئيس الجلسة الأولى وتعتمد في سجلات المجلس، أما غير ذلك لا يعتد به لان ما ورد في نهاية قرار المحكمة الاتحادية الملمع عنه العبارة الآتية (تكليف مرشح الكتلة النيابية التي أصبحت مقاعدها النيابية في الجلسة الأولى لمجلس النواب أكثر عدداً من الكتلة أو الكتل الأخرى) وهذا الأمر يلفت الانتباه إلى أن بعض هذه الكتل والقوائم التي غفلت عن هذه النقطة لا تملك وعياً قانونياً أو دستورياً وإنها عبارة عن تجمعات انتخابية وليس مؤسسات ذات أبعاد فكرية متجانسة وأهداف قصيرة وبعيدة المدى ضمن برامج سياسية تمثل عمل مؤسساتي لها أقسام وجهات تعمل على وفق الاختصاص ومنها الاستعانة بالخبرات القانونية لتوضيح هذه الآثار الدستورية والقانونية الناجمة عن التغافل أو الغفلة في مراعاة إعلان الكتلة النيابية الأكبر في الجلسة الأولى ويؤشر ذلك لكل مراقب للوضع السياسي الذي يتسم بالاحتقان، إن بعض القوى السياسية تسعى لخلق الأزمة والاعتياش عليها  لأننا سنجد الكثير من هؤلاء الذين خسروا ورقة الكتلة الأكبر سيعودون لنغمة التسقيط والتشكيك في المؤسسات الساندة للعمل الدستوري في العراق وسيؤدي إلى تأزم بأكثر مما عليه الآن والاهم من كل ذلك يؤشر لنا إن الوعي القانوني عند القائمين على أمر البلاد يكاد يكون معدوما وانعدام ذلك الوعي بالتأكيد سوف لن يؤسس لنا دولة تنعم بسيادة القانون .