التفاصيل

واجبات المحامي وأخلاقيات المهنة/زهير كاظم عبود

2014-08-13 11:55:00

 أن مهنة المحاماة من المهن الاختيارية التي يمارسها الحقوقي ، وتعد  من المهن المهمة  التي يتسلح أفرادها بالمعرفة القانونية والثقافية بشكل عام ، وتعرف بأنها المهنة التي تساعد الناس في الوصول الى طرق الحق المقررة ، وسلوك السبل القانونية التي لايعرفها المواطن من غير الحقوقيين  ،   وهي من الأعمال المساندة للقضاء أن لم تكن جزء فاعل وأساسي في جسد المؤسسة القضائية ، ومكملا ً  لعملها في تحقيق العدالة .

وتعني مهنة المحاماة معاونة المدعي أو المدعى عليه للوصول الى الحق ، وسلوك الطرق القانونية المنصوص عليها في متون القوانين لاستعادة الحقوق المغصوبة او المسلبة او المسيطر عليها دون وجه حق أو المتنازع عليها  الى أصحابها ، والمساهمة في الوصول الى الحقيقة ، ويعتبر بعض أن المحاماة قنطرة الناس للوصول الى الحق والجسر الذي يسهل لهم العبور الى الحق ، حيث يفترض أن المحاماة تعني الدفاع عن حقوق الناس أمام القضاء وحماية تلك الحقوق من التعدي .

ويتمتع المحامي بالاستقلالية التامة ، إذ لاسلطة فوق سلطة القانون ، وبهذه الحرية فأنه غير مقيد بطريق معين ، و يستطيع المحامي  سلوك مختلف الطرق التي رسمها القانون ، والتي خبرها المحامي  من خلال دراسته القانونية وثقافته وسعة أطلاعه على القوانين والنصوص ، للوصول الى استعادة الحق الى أصحابه  وهو بهذا نصيرا ً للحق إذ لايعقل أن ينتصر للظالم أو المجرم مقابل تلك الأجور ، فمهنة المحاماة أرفع من تلك الصورة وأنبل من تلك الأفتراءات ،  فالمحامي يدافع عن المظلوم حماية له من الظلم والغبن ، ويعرض ظروف المتهم أمام العدالة لتطبيق ماتراه متناسبا ً ،  كما يتعاضد ويتعاون مع المحكمة في سبيل بسط الحقيقة لتسهيل صدور الحكم العادل ،  ومادمنا نؤكد أن المحامي قاضي واقف فأننا نؤكد أن المحاماة جزء لايتجزأ وفاعل من جسد المؤسسة القضائية .

ويتطلب العمل ضمن مهنة المحاماة الانتساب الى نقابة المحامين العراقيين لتسجيل أسمه عضوا فيها ، والانتساب يتطلب شروطا قانونية حددتها النصوص الواردة في متن قانون المحاماة .

يحكم عمل المحاماة في العراق قانــون برقم 173 صدر في العام 1965 ،  وأجريت عليـــه تعديلات عديدة .وتشترط المادة الثانية من هذا القانون من ضمن شروط ممارسة مهنة المحاماة أن يكون المحامي متخرجاً من كلية القانون او مايعادلها ، أي انه حائزا ً على الشهادة الجامعية الأولية في القانون ( البكالوريوس ) ، أو ما يعادلها من أحدى الجامعات العراقية أو العربية أو الأجنبية المعترف بها قانونا ً .

ويشترط القانون على المتقدمين للانتساب للنقابة من خريجي الجامعات العربية والأجنبية المعترف بها قانونا ً النجاح في امتحان أضافي تجريه النقابة لكل متقدم للحصول على عضوية نقابة المحامين  ، يقوم مجلس نقابة المحامين بتعيين المواد المطلوب أجراء الاختبار بها .

وأعتبر قانون المعهد القضائي وقانون التنظيم القضائي ممارسة مهنة المحاماة خدمة قضائية يمكن لمن توفرت به شروط القبول في المعهد ومارس العمل مدة لاتقل عن ثلاث سنوات أن يتم قبوله في المعهد القضائي .

وانسجاما ً مع نصوص قانون التنظيم القضائي الذي منح القاضي وعضو الادعاء العام كامل الراتب والمخصصات التي يتقاضاها عند إحالته على التقاعد أذا أكمل احدهما السن القانونية المقررة ، فقد منعت الفقرة ثالثا ً من المادة الثانية من القانون على هذه الشريحة الانتساب للنقابة .

 وأكدت الفقرة رابعا ً من المادة المذكورة على أن يكون المحامي حســن السمعة أهلاً للاحترام الواجب لمهنة المحاماة ، يتمتع باحترام الناس بما يليق برفعة وسمو المهنة التي يمارسها ، ومنها انه غير محكوم بجناية أو جنحة مخلة بالشرف ، وغير معزول من وظيفة كان يشغلها لأسباب تخص خيانة الأمانة  والاختلاس والرشوة والسرقة وكل ما يخص الذمة المالية والشرف  .

  وفي الفقرة سابعاً أن يكون غير مصاب بمرض عقلي او نفسي يمنعه من ممارسة المحاماة ، وبهذا النص يشترط القانون أن يتمتع المحامي بكامل قواه العقلية والنفسية ليمارس تلك المهمة النبيلة ، ولا توجد عوارض عقلية أو نفسية تمنعه من ممارسة هذا العمل ، ولايعقل ان يقوم المحامي بممارسة عمله مع تلك الأختلالات العقلية أو النفسية ، بأعتباره أميناً على قضية الحقوق .
ونظمت المادة الثالثة من القانون عمل المحامي من غير العراقيين مع عدم الإخلال بأحكام الاتفاقيات الخاصة المعقودة بين العراق والدول الأخرى فيما يخص تنظيم عمل المحاماة ، حيث يعقد العراق الاتفاقيات الخاصة بتنظيم عمل المحاماة بين العراق وتلك الدول على أساس المبادلة بالمثل أو اعتبارات أخرى ضمن تلك الاتفاقيات القانونية ، وانسجاما مع تلك الاتفاقيات  منح القانون  الحق للمحامي المنتسب الى إحدى نقابات المحامين في الأقطار العربية أن يترافع في ( قضايا معينة ) أمام محاكم العراق في الدرجة المقابلة لدرجته ، وبهذا فأن حق الترافع للمحامي العربي مقيد وليس مطلق ، وهذا التقييد حددته العبارة التي وردت ضمن الفقرة الأولى من المادة الثالثة (( في قضايا معينة )) ،  كما أشترط النص أن يمارس المحامي العربي هذا العمل ضمن الدرجة المقابلة لدرجته ، فأن كانت صلاحياته محددة مارسها وفق هذا التحديد في العراق ، وأن كانت مطلقة مارسها على إطلاقها في العراق أيضا .

وأشترط النص أيضا ً حصول موافقة نقيب المحامين العراقيين على عمل المحامي العربي في العراق  وترافعه في هذه الدعاوى ، وأن تقترن هذه الموافقة بموافقة وزير العدل العراقي ،  وأستثنى النص المحامي المنتسب الى نقابة المحامين السوريين من شرطي المبادلة بالمثل وموافقة النقيب لاعتبارات سياسية فرضتها ظروف وزمن التعديل وليس لها ما يبررها اليوم عمليا ً .
وبهذا يجوز للمحامي العراقي أن يشرك معه ( في قضية معينة ) محاميا عربيا منتسب لأحدى نقابات المحامين على أن يتم التثبت من شرط استمراره على ممارسة المحاماة في بلاده ، وشرط أن تكون بلاده تسمح للمحامي العراقي بالترافع بمثل تلك القضايا .
ويجوز للمحامي العراقي بمقتضى نص الفقرة ب من المادة المذكورة أن يشرك معه في قضية معينة محاميا ً غير منتسب لأحدى نقابات المحامين في الدول العربية ، بعد استحصال أذن نقيب المحامين ووزير العدل ، بعد التثبت من استمراره على ممارسة المحاماة في بلده ونوع صلاحياته .

من خلال ماتقدم نخلص الى مايلي :
1- الأصل أن القانون أباح للمتخرج من كليات القانون أن ينتمي الى نقابة المحامين والعمل في المحاماة .
2- ولايحق لمن لم ينتسب للنقابة أن يمارس مهنة المحاماة ، غير أنه يحق لدوائر الدولة أن تقوم بتوكيل محام او تنيب عنها احد الموظفين الحقوقيين لتمثيلها أمام المحاكم في القضايا المعروضة بحدود مبالغ معينة .
3- وان الانتماء الى النقابة لايكون ألا للمواطن العراقي والفلسطيني المقيم في العراق بالنسبة للقانون العراقي وأن يكون هذا العضو متمتعا ً بالأهلية المدنية الكاملة .
4- ويشترط على ممارسة المحامي العربي أن يكون مسجل بنقابته في بلده  فعلاً ويمارس العمل بالمحاماة عمليا ً في بلاده ، وأن تكون صلاحيته متناسبة مع الدعوى وأن يكون هناك تطبيق لمبدأ المقابلة بالمثل بين بلده والعراق .
5- وأن يستحصل المحامي العربي على موافقة مجلس نقابة المحامين العراقيين ،  وان يصدر النقيب اذنا ً خطياً بذلك ، وتقترن هذه الموافقة بموافقة السيد وزير العدل في حال توكله بقضية تعرض امام المحاكم العراقية .
ووفق ضوابط السلوك المهني يجب أن يكون المحامي يحترم المهنة التي يمارسها  ولا يسيء اليها بأي شكل كان ، ومن بين أشكال  هذه الإساءة أن يتلفظ بعبارات لاتليق بالمحامي بان يطلقها نحو الخصم او وكيله او تجاه المحكمة التي يترافع أمامها ، وأن يبتعد عن أسلوب التهجم والطعن لإرضاء خصمه أو لكسب ود ورضا بعض أطراف الدعوى .

أن المحامي لايقتصر دوره على أسداء النصائح والتوجيهات القانونية ، ولا على الدفاع عن موكليه  انما يتسع دوره  المهم داخل المجتمع ، فيساهم على تطويره من خلال ثقافته القانونية ومن خلال منزلته ومكانته المتميزة في المجتمع .

أن على المحامي أن يستمع بشكل دقيق لموكله ويطلع على مستنداته ، وأن يتحدد عمله في حدود الوكالة والدعوى التي توكل فيها .

ووفق هذا فأنه مؤتمن على حقوق موكله عليه أن يبذل كل جهده في سبيل أيصال الحق وتحقيق العدالة ، فيعمل بإخلاص ووفق ما يمليه عليه ضميره المهني والقانوني ، ووفق طاقته وأمكانياته ، وأن يحقق الهدف الأسمى في ذلك ، وليس من أخلاق المحامي أن يتصل بالخصم أو يتفق معه بأي شكل كان ، وأن لايفشي أسرار موكله ، وأن لايقدم المشورة والمساعدة القانونية للخصم ، وأن تكون أجوره القانونية وفقا للنسب المحددة في القانون .
والخروج عن هذه الأخلاق يبيح للمحكمة أن تتخذ من الإجراءات القانونية مايحفظ لها حقها ويصون لها سمعتها ، كما يحق للنقابة أن تحيل المحامي الذي يخل بواجباته المهنية او الحط من قدرها او بما يمس سمعة وكرامة المحامين ان تحاكمه تأديبيا ً ،  ومن ضمن العقوبات التأديبية التي تفرضها النقابة على المحامي ان يتم منعه من مزاولة عمله مدة مؤقتة ، او فصلة نهائيا ً من عضوية النقابة .
وحماية للمجتمع من الاستغلال منعت المادة الرابعة الجمع بين مهنة المحاماة ورئاسة الحكومة وكذلك تولي منصب الوزارة أو تولية الوظائف العامة أو الاستخدام لدى الشركات التجارية مطلقا ً ، ولدى الشركات المؤسسة بموجب امتياز خاص من الدولة ، حيث لايمكن إن يتم الجمع بين هذه المراكز القانونية ومهمة المحامي .
ومن الجدير بالذكر أن المحامي لايحق له ممارسة عمله في المحاماة مالم يؤدي يمينا ً أمام رئيس محكمة الاستئناف بحضور نقيب المحامين أو من ينوب عنه  نصها :
(( أقسم بالله العظيم أن أؤدي أعمالي بأمانة وشرف وأن أحترم القانون وأحافظ على سر المهنة وأرعى تقاليدها وآدابها . )) .

أن هذه اليمين تركز على أمور واسعة ومتعددة يفترض الالتزام بها من قبل المحامي أمام الله وداخل  ضميره ، منها أنه ملزم ويتمسك بأداء عمله القانوني المهني بما تفرضه قواعد وقيم الشرف والأمانة ، وهذه القواعد والقيم غير مسجلة وغير محددة بل تعتبر من القيم الإنسانية التي يتمسك بها المجتمع وتعترف بها الأعراف والتقاليد ، كما تنسحب تلك الأمانة على محافظته لأسرار مهنته ، فالمحامي كالطبيب ، يستطيع أن يتعرف على أسرار وقضايا الناس ، وهو بالتأكيد مؤتمن عليها ، لايمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم بنشرها أو التباهي بمعرفتها أو فضحها وبيعها ونشرها ، وبعد كل هذا فأنه حتى يمكن أن يكون محامياً يلتزم بتقاليد مهنة المحاماة وآدابها بما يليق بسموها ورفعتها ، وبما يحافظ على مكانتها وسمعتها واحترامها أمام القضاء وأمام المجتمع ،  والأخلاق في مفهومها الخاص بمهنة المحاماة هي جزء من الأعراف المهنية التي دأبت على الالتزام بها تلك النقابة العريقة ، وتلك القيم التي سادت العمل القضائي ، والتي عبرت بحق عن قوة الانسجام بين القضاء الواقف والقضاء الجالس .

وكما وردت العديد من النصوص تشير الى منح المحامي تلك المنزلة المهمة التي ترعاها القوانين وتلتزم بها مؤسسات السلطة التشريعية والقضائية ، لهذا فأن القانون منح تلك المنزلة للمحامي حيث منع القانون الدوائر الرسمية وشبه الرسمية مراجعة المحامي أو التوكل في قضايا أمامها مالم يكن مسجلا في النقابة ، حتى يمكن أن يكون العمل منضبطا ومحصورا بأعضاء النقابة لايزاحمهم فيه حتى الحقوقي غير المنتسب للنقابة ، بل , اشترط نص المادة السابعة عشر على الدوائر الرسمية والشركات التي تعين محاميا ً للدفاع عن مصالحها ومتابعة حقوقها  أن ترسل صورة من الأمر بتعيينه اليها .
كما أشارت المادة 43 من القانون على تحمل المحامي المسؤولية في حال تجاوز حدود الوكالة او الخطأ الجسيم .
وعلى المحامي أن يسلك تجاه القضاء مسلكا يتفق وكرامة القضاء وهي مسألة غاية في الأهمية وتخص الجانب الاعتباري والأخلاقي في المهنة ، وأن يتحاشى كل مايؤخر حسم الدعوى ويتحاشى كل مايخل بسير العدالة .

ويخضع كل محام اخل بواجب من واجبات المحاماة او تصرف تصرفا ً يحط من قدرها او قام بعمل يمس كرامة المحاماة   او يخالف حكما ً من أحكام قانون المحاماة الى المحاكمة التأديبية .
كما أشارت المادة 229 من قانون العقوبات العراقي النافذ الى معاقبة كل من أهان موظفاً او اي مكلف بخدمة عامة او مجلساً او ( هيئة قضائية ) او ادارية أثناء تأدية واجباتهم او بسبب ذلك .

وبهذا فأن لمهنة المحاماة تقديرا ودورا كبيرا في المجتمع ، بالأضافة الى المنزلة الكبيرة التي أولاها المجتمع والقانون لشخص المحامي بأعتباره مدافعا ً صلبا ً وأمينا ً عن قضية الحقوق ، ولذا فأن العديد من القيادات السياسية والوطنية بزغت من خلال تلك المهنة ، حيث شهد التاريخ العراقي الحديث تلك النخب الواعية من المحامين العراقيين الذين ساهموا بشكل فاعل في مسيرة النضال العراقي .