التفاصيل

الدستور و القضاء والتوازن / القاضي سالم روضان الموسوي

2014-09-07 09:03:00

تظهر بين الحين والآخر أصوات تنادي بالإصلاح والتغيير وهذه أمور محمودة ومطلوبة لابد من تعضيدها لان الحياة متطورة وحركتها سريعة ومن الضروري مواكبتها، إلا أن ما يثير الريبة في حسن النوايا لمطلقي هذه الأصوات ، هو مناسبة وزمان ظهورها، حيث نجد إنها تظهر وتطفوا إلى السطح في مناخ المزايدات السياسية وتبدأ بحملات التشهير بثوابت ومقومات الدولة والمجتمع وتظليل الرأي العام بطروحات تخالف جوهر الدستور النافذ وتتقاطع مع المبادئ الدستورية التي وردت فيه مع ان أصحاب هذه الأصوات يدركون عدم إمكانية تحقيق ذلك إطلاقاً لمخالفته حكم الدستور، إلا أنهم يقصدون من ذلك الحصول على مكاسب سياسية فئوية وشعارات تسويقية ولوحظ في هذه الأيام ارتفاع النبرة تجاه السلطة القضائية بعد الانتخابات البرلمانية وظهور تجارة وسوق التشكيلة الحكومية والسعي لنيل المغانم، ويبدوا إن الأدوار موزعة بين من يشهر بها وبرموزها مثلما ظهر في احد المواقع الالكترونية إعلان كتبه احد الأشخاص المدانين من القضاء وبأحكام قضائية مكتسبة الدرجة القطعية وفيه افتراء كبير عندما وضعت أسماء شخصيات قضائية وحقوقية دون علمهم ونسبه البيان لهم، ومع ان ذلك البيان يمثل أسلوب رخيص، إلا أن من كتبه له هدف ابعد لأنه يعلم حقيقة الواقع بان ما زعم به لا أساس له وغير صحيح، وارى ان هذا الهدف يتطابق مع أصوات أخرى تلمح وتصرح بورقة التوازن في مؤسسات الدولة ومنها السلطة القضائية وما يعزز القول بوجود تنسيق بين هذه الأطراف تزامن إطلاقها في فضاء الإعلام ولان بقاء هذا الصوت دون توضيح يؤثر في وعي الجمهور وكان لابد من بيان مدى مخالفة هذه الأفكار للأحكام الدستورية النافذة والمواثيق الدولية التي تتعامل مع القضاء فضلا عما موجود في الواقع الفعلي في العراق وسأعرض له على وفق الآتي :-

إن المناداة بالتوازن على أي أساس كان عرقي او طائفي في السلطة القضائية مخالف للدستور النافذ تماماً، لان يقرأ الدستور برويه وبعقلية الباحث عن الحقيقة وليس الذي يبحث عن مسوغات لأفكاره الهدامة سيجد إن كلمة التوازن وردت في موضوعين من الدستور فقط لا ثالث لهما، في المادة (9/أولاً ) التي جاء فيها (تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ او إقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية) وهذا التوازن يتعلق بمراعاة تمثيل مكونات الشعب العراقي في تكوين القوات المسلحة والقوات الأمنية فقط في موضع اخر من الدستور نجدها قد وردت في المادة (112/أولا ) التي جاء فيها (تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، على ان توزع وارداتها بشكلٍ منصفٍ يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدةٍ محددة للأقاليم المتضررة، والتي حرمت منها بصورةٍ مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك، بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد، وينظم ذلك بقانون) والتي تتعلق بالتنمية في المناطق المختلفة وهي تتعلق بأعمال السلطة التنفيذية تجاه إدارة النفط والغاز، بينما لا نجد أي إشارة لهذه العبارة (التوازن) في المواد التي تنظم عمل السلطة القضائية في الفصل الثالث من المواد ( 87-101) من الدستور بل على العكس نجد إن الدستور يحظر على القاضي أو عضو الادعاء العام أن ينتمي إلى أي حزب أو منظمة سياسية أو العمل في أي نشاط سياسي ودعوة التوازن على أساس العرق أو الطائف فيه انحياز لفئة فكرية وعقائدية دون الأخرى مما يؤدي إلى التعارض مع ذلك الحظر الدستوري وكل صوت ينادي بفكرة التوازن في السلطة القضائية هو خلاف الدستور ولا يعتد به ومصيره الفشل .

في جميع المواثيق الدولية ذات العلاقة بالعمل القضائي نجد أن المبادئ الواردة في قرار الأمم المتحدة العدد 46/40 في 13/12/1985 وميثاق القضاء في أوربا ، رابطة القضاء الدولية واتفاقية الرياض لسلوك القاضي العربي تؤكد على أساس الكفاءة والمهنية التي توضع من المؤسسة القضائية والدستورية عن اختيار القضاة وليس على أساس الانتماء العرقي أو الطائفي مثلما ينادي البعض .

الواقع الفعلي لعمل السلطة القضائية منذ أن تشكلت الدولة العراقية ولغاية الآن كان على أساس اختيار الأفضل والأكفأ دون الالتفات إلى عرقه أو دينه أو مذهبه ونجد أن مسيرة القضاء منذ ذلك الحين تزخر بأسماء كبيرة ولامعة في من جميع الأديان والطوائف والمذاهب منهم المسيحي واليهودي والمسلم والكردي ومن كل المذاهب وغيرهم من القامات الكبيرة الشامخة وهؤلاء لم يتم اختيارهم لأنهم من ذلك الدين أو ذاك العرق وإنما لقضائهم وإخلاصهم في عملهم وقضوا وأصدروا الأحكام تجاه جميع المتقاضين من كل فئات المجتمع العراقي ، كذلك نجد أن المؤسسة القضائية قد زرعت التوازن ضمناً من خلال توظيف وتأهيل الأكفأ فنجد محافظات الجنوب والوسط فيها قضاة من كل الطوائف والاعراق ولغاية الان كما نجد هذا التعدد في محافظات كردستان العراق وحتى في محافظة واحدة من محافظات العراق ذات الأغلبية من لون طائفي واحد تجدها تضم فيها قضاة من طوائف وتكوينات أخرى ولم تتأثر تلك الأحكام القضائية بالعرق او المذهب وفي الوقت الحاضر نجد أن قيادة السلطة القضائية بجناحيها مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا فيها هذا التنوع في القضاة الذين وصلوا الى مواقعهم على أساس الكفاءة والمهنية حتى وان انطلقوا من واقع مذهبي وعرقي متباين، والأمر ينصرف إلى محكمة التمييز الاتحادية التي تشكل مكون عراقي يجمع كل الأطياف دون أن يكون ذلك مؤثرا في الأحكام التي تصدرها تجاه القضايا التي  يتصدون لها، كما يجد المراقب للعمل القضائي إن الوفرة التي عليها القضاة في الكفاءة والمهنية والحيادية مكنت السلطة القضائية من تعيين قيادات المناطق الاستئنافية من بين القضاة الذين ينحدرون من هذه المناطق حتى يكونوا على قرب لتلمس المشاكل اليومية للمواطن والتعامل معها على وفق القانون لتقديم خدمة قضائية أفضل، ولابد من الإشارة بان القضاة يرفضون هذا التوصيف ( التوازن ) واذكر ان إدارة بريمر قد أصدرت استمارة معلومات للقضاة ووضعت فيها حقل عن المذهب للقاضي وجوبه ذلك الأمر بالرفض من جميع القضاة دون استثناء، وبعد أن تمكنت السلطة القضائية من نيل الاستقلال ألغيت هذه الفقرة لان الإيمان راسخ بان عملهم هو تطبيق القانون النافذ على وفق مقتضى الاجتهاد القضائي دون الالتفات لأي ملحظ سوى تطبيق القانون .

أما عن الأصوات التي تنادي بالتوازن وتقدم اعذارها لها ومنها الخوف من الحيف  تجاه فئة او طائفة فأرى ان ذلك لا وجود له في السلطة القضائية لان جميع القضاة الذين عملوا أو مازالوا يعملون يتم اختيارهم بموجب القوانين النافذة التي تؤكد على عنصر الكفاءة والنزاهة فقط دون غيرها ودخولهم الى جسم الكيان القضائي يكون عبر امتحان كفاءة لجميع العراقيين الذين تتوفر فيه الشروط القانونية ولم نجد أي تعيين او تنسيب كان على وفق الطائفة أو المعتقد والمذهب وهذه القوانين هي ليست وليدة الواقع الحالي بل إنها جميعاً صدرت قبل عام 2003 لذلك أجد أن السلطة القضائية كانت وما زالت أسمى من هذه الأصوات وإنها الضامن لحقوق المواطن والحارس الأمين والواعي على تطبيق الدستور وثبت بان أحكامها كانت وسيلة في حماية كيان الدولة من التشظي مثلما رسمت شكل الدولة الدستورية سواء بقضائها العادي أو الدستوري .