التفاصيل

ثنائية المجالس التشريعية في الدولة الفيدرالية / فتحي الجواري

2014-09-21 11:31:00

 

(مجلس الاتحاد مثالا)

    سيجد القاريْ اني مضطر لاستخدام كلمة (الفدرالية)  ، رغم ان الكلمة ليست عربية ، الا انها متداولة في ادبياتنا السياسية ، وقد اخذت معنى اصطلاحيا محددا واضحا للقاريء ، الامر الذي يبرر استخدامها في مثل هذه الحالات .

ان وجود سلطات اقليمية ومحلية في الدولة الفدرالية ، لايعني ان تقتصر مهام هذه السلطات على الاهتمام بشؤون تلك الاقاليم والمحافظات فقط ، بل يجب ان تسهم في ممارسة السلطة في عموم الدولة الفدرالية . ولايتسنى لها ذلك الا من خلال اطار السلطة التشريعية . لهذا نجد ان السلطة التشريعية في معظم الدول الفدرالية ، تتكون من مجلسين ، احدهما يمثل عموم مواطني الدولة الفدرالية ، (أي مجلس النواب) ، وألاخر يمثل المناطق المحلية ، وقد اختلفت التسميات للمجلس الثاني ، بين دولة وأخرى . وقد عرفت التجربة الدستورية العراقية ، وجود المجلسين ، حيث كان مجلس النواب ، ومجلس الاعيان ، يشكلان معا ( مجلس الامة) . رغم ان العراق لم يكن دولة فدرالية في ظل القانون الاساسي العراقي النافذ عام 1925 .

ان المجلس التشريعي الثاني ، هو الذي يمكن تلك المناطق المحلية من ان تسهم في توجيه سلطة الدولة الفيدرالية ، بما يخدم عموم مناطق البلاد . وتسعى الانظمة الفدرالية لضمان ذلك الاسهام ، من خلال تساوي اعداد ممثلي المناطق المحلية في تلك المجالس مهما كان عدد نفوسها ، حيث تنتخب تلك الاقاليم والمحليات ممثلين اثنين ، او اربعة ممثلين ، بغض النظر عن عدد نفوسها لمثيل تلك الاقاليم والمحليات في تلك المجالس  . فمجلس الشيوخ في الولايات المتحدة الامريكية (على سبيل المثال) ، وهو مجلس (الولايات) فيمثل كل ولاية نفس العدد من الشيوخ في ذلك المجلس ، مهما كان عدد نفوسها ، فكل ولاية تبعث بممثلين اثنين عنها الى مجلس الشيوخ .

فتلك المناطق الاقليمية والمحلية يهمها وجود (هيئة) تمثلها ، يكون لها نفس القوة السياسية ، والتشريعية لمجلس النواب . الذي يتناسب عدد اعضاؤه مع عدد نفوس كل منطقة يمثلونها . بعكس تلك المناطق الاقليمية والمحلية ، التي يتساوى ممثلوها في المجلس الثاني ، مهما بلغ عدد نفوسها .

          فالغاية من وجود المجلس الثاني ليس لممارسة السلطة في الدولة الفدرالية فقط ، بل لكي يكون ذلك الاسهام على قدم المساواة بين جميع المناطق المحلية . بما يضمن عدم هيمنة الدولة الفدرالية على تلك الاقاليم والمحليات ، وضمان حقوقها الدستورية والقانونية .

ويتمثل ذلك الاسهام عن طريق مشاركة المجلسين في سن التشريعات الفدرالية ، فالمجلس الثاني يسهم مع مجلس النواب في تشريع قوانين الدولة الفدرالية ، والقاعدة العامة لهذا الاسهام المشترك في التشريع هي المساواة بين المجلسين ، فالقانون الفدرالي لايسن الا اذا تمت الموافقة عليه من المجلسين . ولا يغيب عن البال وجود بعض الاستثناءات في بعض الانظمة الدستورية . فلكل نظام دوافعه ، واسبابه ، وحاجاته .

وتتجلى المساواة بين مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة الامريكية في العمل التشريعي ، فالقانون الفدرالي لايشرع ، الا اذا نال موافقة كل من المجلسين على انفراد ، فعدم موافقة احد المجلسين على مشروع قانون ، يعني عدم امكانية تشريعه .

ان استقراء واقع الدول الفدرالية ، يوضح لنا ان الاولوية تعطى احيانا للمجلس الثاني ، على المجلس الاول ، ففي الولايات المتحدة الامريكية لابد من موافقة المجلس الثاني (مجلس الشيوخ) على بعض قرارات رئيس الجمهورية ، كعقد المعاهدات ، او تعيين كبار الموظفين الفدراليين .

اما في سويسرا ، فيجتمع المجلسان في جلسة مشتركة لاتخاذ بعض القرارات المهمة ، كإنتخاب اعضاء المحكمة الفدرالية ، أواصدار قانون العفو ، أوالنظر في تنازع الاختصاصات بين الهيئات الفدرالية . فهنا تبرز الاولوية للمجلس الاول بسبب عدد اعضائه الذي يزيد بكثير عن عدد اعضاء المجلس الثاني .

في المانيا الاتحادية يسهم المجلس التشريعي الثاني (مجلس المناطق المحلية) ويدعى (المجلس الفدرالي) ، في سلطة الدولة الفدرالية ، بشكل واضح . ففي عملية سن القوانين ، التي يشترك فيها المجلسين ، يجب التمييز بين اقتراح القوانين ، حيث تكون المساواة مطلقة بينهما . بينما في حالة الموافقة على القوانين ، تكون الكلمة الاخيرة لـ (مجلس نواب الشعب)  . الا ان (المجلس الفدرالي) يحق له التصدي بشكل مطلق للقوانين المالية التي يوافق عليها (مجلس نواب الشعب) ، حيث لايمكن ان تسن دون موافقة (المجلس الفدرالي) .

ان اولوية احد المجلسين على الاخر ، امر تحدده ظروف نشأة الدولة الفدرالية .

واليوم أذ اطلق السيد رئيس الجمهورية الدكتور فؤاد معصوم ، نداءا  لاستكمال الهيئات التشريعية في العراق الفدرالي ، بتنفيذ حكم المادة (65) من الدستور ، التي اوجبت انشاء المجلس التشريعي الثاني في العراق ، وهو الذي اطلق عليه الدستور  (مجلس الاتحاد) ،  ليضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم . فإن ذلك سيحقق بناء الدولة الفدرالية بما يظهرها كدولة واحدة ، من خلال استكمال بناء هبئاتها المركزية وهيئاتها المحلية ، لكي نضمن ان لاتهيمن السلطة المركزية على الهيئات المحلية ، بل بما يحقق ذلك بناء الدولة من خلال التعاون الفعال بين هيئاتها المختلفة ، لخدمة الانسان العراقي .

    ولذلك تعد مبادرة السيد رئيس الجمهورية الدكتور (فؤاد معصوم) في اعداد مشروع  قانون (مجلس الاتحاد) ، ورفعه لمجلس النواب لتشريعه ، مبادرة جديرة ، بالإشادة ، وهو في بدايات ممارسته لمهامه الدستورية كرئيس لجمهورية العراق . فتأسيس مجلس الاتحاد ، سيعضد من مصالح الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة بإقليم ، ويعمل كآلية للتدقيق والموازنة ، بين تلك الجهات وبين الحكومة الفدرالية ، ويساعد في تدارس القوانين ذات الصلة ، وتحقيق المسؤولية المشتركة لكل تلك الجهات ، بهدف تحقيق الاستقرار والرفاهية لمواطني جمهورية العراق . وسيسهم هذا المجلس في زيادة نسبة التزام تلك الجهات في ترصين الوحدة الوطنية . ولكي تتوافق العلاقات بين الحكومة الفدرالية ، والحكومات الاقليمية والمحلية ، بشكل فاعل بما يضمن الحد الادنى من اي تدخل فدرالي (غير دستوري او غير قانوني ) في شان اقليمي او محلي .

هذا ولا يغيب عن بالنا ان هذا (المجلس الثاني)  ، كان يجب ان تنتظم اجراءات  تشكيله وتحديد واجباته ، نصوص دستورية حاكمة ، لكن للضرورة احكامها ، فما دام واضعو الدستور اغفلوا ذلك لضرورة الاسراع في وضع الدستور موضع التطبيق ، وحتى يتم تعديل الدستور ، ووضع احكام دستورية تنظم عمل مجلس الاتحاد ، وكيفية انتخابه ،وتحديد واجباته ، فلا يمكن ان نظل نتفرج حتى ذلك الوقت الذي يبدو انه لن يكون قريبا . بل علينا الاسراع للعمل الى ان يظهر (مجلس الاتحاد) الى النور ، لكي يكون ظهيرا لـ (مجلس النواب) ، وبما يعزز ، البناء الديمقراطي للدولة ، وأجهزتها الفدرالية ، على قدر ما تسمح به النصوص الدستورية القائمة ، وبما لاتتعارض نصوص قانونه (المرتجى)  مع النصوص الدستورية ، وكما قيل ليس في الامكان احسن مما كان .