التفاصيل

حماية النظام الديمقراطي في الدستور والقانون العراقي /القاضي ناصر عمران الموسوي

2014-09-23 12:48:00

ليست الديمقراطية المفردة اللغوية اليونانية والتي تعني (حكم الشعب ) والتي انسلت من السلوك الاداري القديم للنظام اليوناني لتعيش العصرنة السياسية بعد ان شكلت تاريخا ً حافلا ًمن النضال الجماهيري والشعبي الذي حملها حلما ً ورؤية وقدم لطريقها الدم والدموع  فاستقرت في وجدانه عقيدة وهدف ،غاية ووسيلة ، هذه الديمقراطية ليست مدينة الله التي رسمها القديس اوغسطين  والتي تتزين بانتظار مسيحها المنتظر وليست مدينة السعادة الكاملة الضاجه بفضائلها والتي يتربع على عرشها امام عادل تتفتق من جوانبه الحكمة كما يراها الفارابي في مدينته الفاضلة  ،انها بكل بساطه سلوك نظامي اوجدته الاليات المنحازة للقدرة الجماهيرية والشعبية في انتاج الحاكم وعلاقته بالمحكوم , والعراق واحد من البلدان الذي يرتكز على ثنائيات منعددة غاية في التعقيد لكنها بالمقابل ليست عصية على البساطة ،فمنذ ان راحت الديمقراطية كنظام ترسم صورة الحياة في البلدان المتقدمة  كان العراق يرزح تحت نير انظمة تتعاطى بالرؤية الواحدة المهيمنة بمنطق القوة وبصورة الجلاد ،لذلك كان العراق نهما ً في التعاطي مع التنظير لكنه شحيح لدرجة العدم في بعض مراحله ،فلم تكن الديمقراطية ضيفا في ربوع الوطن ، بل أشرت صفحات تاريخه منذ التاسيس الاول للحكومة قي للعراق وحتى مرحلة التغييرعن انظمة مارست الاستبداد والدكتاتورية حتى كانت المرحلة الجديدة ،التي افرزت وليدها الاهم  وهو الدستور والذي تحقق عن طريق الاليات الديمقراطية  ولاول مرة في تاريخ العراق ، والدستور الوثيقة التي تمنح الصفة القانونية لجميع القوانين المطبقة في الدولة ،والتي تعتبر الالية القانونية والسياسية  للنظام الديمقراطي  ، وهي الوثيقة التي فوض بها الشعب حكامه وفق اطر دستورية وقانونية . والنظام الديمقراطي بالمعنى العام هو نظام سياسي اجتماعي تكون فيه السلطة للشعب وهو مصدر السيادة والسلطة من اهم مميزات النظام الديمقراطي هي ان تكون هتاك دولة قانون تحترم حقوق الانسان وتصون الحريات تعتمد مبدا الاغلبية مع ضمان حرية واحترام المعارضة وادارة الدولة عن طريق المؤسسات الدستورية والاعتماد على نظام الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات التي يكون راي الشعب فيها فيصل في اختيار حكامه وضمان هذا النظام هو الدستور الذي انتجته الارادة الشعبية عن طريق الاستفتاء ،والحفيقة ان طبيعة القواعد الدستورية اثارت نقاشا ً فقهيا ًحول طبيعتها القانونية من عدمه ..؟

فمن يرى ان القواعد الدستورية هي قواعد قانونية لاتختلف  عن غيرها مستنداً الى مبدأ (سمو الدستور )  والذي يعني ان القاعدة الدستورية تحتل الهرم القانوني في الدولة وبالتالي فهي مصدر الشرعية وقانونية جميع القواعد القانونية في الدولة وبما ان القاعدة الدستورية تمنح الصفة القانونية فهي بالتاكيد تملك ماتهب فهي ذات طبيعه قانونية .اما الاتجاه الثاني فينكر الطبيعة القانونية للقاعدة الدستورية واساس ذلك يكمن بعنصر الجزاء ،فالسلطة العامة هي من تفرض الجزاء وفرض الطاعه على الافراد والدستور هو من يضع لها القيود وبالتالي فان هذه السلطة هي المطالبة بفرض توقيع الجزاء على نفسها عند مخالفتها لهذه القيود الموضوعه لها وهو الامر الذي استخلص منه الفقهاء ان القاعدة الدستورية ينقصها الجزاءوالبعض يرى في هذا الجزاء ماديا تتكفل به السلطة العامة او معنويا يتمثل برد الفعل على المخالفة القانونية وهو رد فعل اجتماعي وبذلك يكون للقاعدة الدستورية  عنصر الجزاء وهو جزاء غير مرسل يتمثل في اتجاهين : شعبي يتمثل بالضغط عن طريق المظاهرات والاحتجاجات  والانتفاضات والثورات وهو ما نسميه (الرأي العام ) وهو جزاء غير منظم اما الجزاء المرسل المنظم والذي يشكل الاتجاه الثاني دستوري يتمثل بالرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية والتي تخول اعضاء البرلمان مساءلة اعضاء السلطة التنفيذية .

اما الاتجاه الفهي الاخير فيرى ان القاعدة الدستورية  ذات طبيعة سياسية والدساتير ومنذ نشاتها حملت رؤية القابضين على السلطة وهو مدلول ورؤية سياسية . والضمانة المهمة هي وجود مؤسسات دستورية تضمن حماية الدستور وهي الجهة القضائية العليا وتمارس رقابتها القضائية على دستورية القوانين وهناك نوعين من الرقابة القضائية هما : رقابة الالغاء او مايسمى بطريق الدعوى المباشرة ويعني قيام الافراد او بعض هيئات الدولة اقامة دعوى امام القضاء بمهاجمة قانون او مادة قانونية والطعن بعدم دستوريتها وقد اخذ القانون الاساسي العراقي لعام 1925 بهذه الرقابة في المادة (86 )

والطريقة الاخرى هي :طريقة الامتناع والتي تسمى بالطريقة الدفاعية حيث هي تدفع بعدم الدستورية هدفها دفع التطبيق القانوني في واقعه معينة دون المساس باصل القانون فقط عدم تطبيقه على الواقعه المعروضة وهو ما نراه بوضوح في الولايات المتحدة الامريكية  والتي تبناها القاضي (مارشال ) والذي يبرر رؤياه ان الحق ناشىء من ثنائيتين هما سلطان القضاء وسمو الدستورفاذا وجد القاضي تنازع عند التطبيق بين نص قانوني واخر دستوري اخذ بالنص الدستوري كونه الاسمى والاعلى . وهناك صور للرقابة القضائية اخذ بها القضاء الامريكي هي (الرقابة بطريق الامر القضائي او الرقابة بطريق الاعلان القضائي او الحكم التقريري .

لقد اشار الدستور العراقي الدائم لعام 2005 وفي المادة (13) منه وبالنص على ان الدستور يكون الاعلى والاسمى في العراق ولايجوز سن قانون يخالف الدستور ويعد باطلا ً .بالمقابل فان هناك ضمانات لحماية الدستور تتمثل بوجود هيئات نص عليها الدستور او القانون تشكل حماية وضمان للالتزام بالدستور واي خرق لهذا الدستور سيكون عرضة للطعن امام المحكمة الدستورية  ومن هذه الهيئات هي رئاسة الجمهورية حيث نصت المادة (67) من الدستور على ان(رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يمثل سيادة البلد ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور والمحافظة على استقلال العراق وسيادته ووحدته وسلامة اراضيه وفقا لاحكام الدستور ) وهو احد رؤوس السلطة التنفيذية التي منحها الدستور  مشفوعه بقرار المحكمة الاتحادية صلاحية تقديم مشاريع القوانين لمجلس النواب وطبقا ً لصلاحيات وحسب الفقرة (ثالثا ) من المادة(73) التي نصت (يصادق ويصدر القوانين التي يسنها مجلس النواب ،وتعد مصادق عليها بعد مضي خمسة عشر يوما من تاريخ تسلمها ) وطبقا ً لذلك يجوز لرئيس الجمهورية اعادة القوانين التي لايصادق عليها الى مجلس النواب مشفوعة برؤية الرئاسة في الاعادة بخصوص الاعتراضات المقدمة منه ، وشهد التطبيق العملي اعادة قوانين اوالمصادقة عليها في ضوء استقرار عملي وقبلها تنظيري  باعتبار رئيس الجمهورية وحسب الدستور الراي للنظام الديمقراطي الاتحادي عن طريق المحافظة والسهر على الالتزام بتطبيق الدستور . واذا كان الدستور قد منح صلاحية حمايته برئيس الجمهورية فان قانون الادعاء العام رقم 159 لسنة 1979  وبخاصة في تعديله بموجب القانون رقم (10) لسنة 2006 والمنشور في الوقائع العراقية بالعدد (4028) قي 13/11/2006  جاء وفي المبادىء الاساسية المادة (1) يهدف هذا القانون الى تنظيم جهاز الادعاء العام لتحقيق ما يلي :

اولا ً:حماية نظام الدولة وامنها ومؤسساتها ، والحرص على الديمقراطية والمصالح العليا للشعب والحفاظعلى اموال الدولة.

ثانيا ً: دعم النظام الديمقراطي الاتحادي وحماية اسسه ومفاهيمه في اطار احترام المشروعية واحترام تطبيق القانون .

...................) ويبدو من نص المادة الاولى ان القانون كان واضحا ً في تبني جهاز الادعاء العام مهمةحماية الدولة ونظامها الديمقراطي والمحافظة على المال العام وحماية المشروعية  وهذا يعني تطبيقا عمليا في تنفيذ مهمة الادعاء العام التي تحمل في طياتها جلبة دستورية واجتماعية وقضائية واحتكارها للجلبةالقضائية هو تقزيم لدور الادعاء العام الذي يشكل دعامة لا غنى عنها في دعم اسس الدولة والنظام الديمقراطي ،وقد آن الاوان لتشريع قانون يليق بالاهداف العظيمة لقانون الادعاء العام باعتباره حامي النظام الديمقراطي الاتحادي وراعي للمال العام والمراقب لتطبيق المشروعية ،ان وجود تمثيل حقيقي وعملي للهيئة الاجتماعية يساعد في القضاء على اهم آفتين تهددان كيان الدولة ووجودها الا وهما الارهاب والفساد ،والجميع اليوم ملزم يالمحافظة على المرحلة الديمقراطية ومنجزاتها ونظامها المؤسسي للوصول الى دولة القانون والمؤسسات .