التفاصيل

قضاة احرار ... ام عبيد / فتحي الجواري

2014-09-24 10:31:00

طرح (احدهم) نداءاً بإسم من اطلق عليهم (القضاة الاحرار) ... وتساءلت مع نفسي متى كان القضاة الا احرارا ؟

فلم اسمع وانا الذي امضيت جزءا كبيرا من حياتي بين ابناء هذا الجهاز ، بقاض حر ، وآخر عبدا  .

فالقاضي كإنسان ، هو الذي يجسد معالم حريته من خلال عمله القضائي . فالقاضي حر في ان يؤسس لنفسه قواعد اخلاقية سامية ، رصينة ، نتاجا لثقافته ، وقيمه العائلية ، ووسائل تربيته المدرسىية ، ومخالطته اصدقاءه .

القاضي هو الذي يؤسس لنفسه (حائط صد) ، ضد كل الضغوط ، فالاستقلال القضائي لايتم بالكلمات ، بل يجب ان يعمل القاضي بنفسه ، وجهده الخاص ، على تعزيز نزاهته ، واستقلاله الذاتي بنفسه . فمن يكون صلبا لن تخترقه المفاسد  ولن تغريه المغريات ، اما من كان مهزوزا ، فمن السهولة اختراقه ، مهما احطناه بالشعارات ، والكلمات .

فالقاضي الذي يحترم نفسه ، يتصرف في جميع الاوقات ، على نحو يعزز ثقة الجمهور في نزاهته ، وحياديته ، وتجرده .

في احدى دورات المعهد القضائي كنت احاضر للمرحلة المنتهية بموضوع (السلوك القضائي) ، وحاولت ان اقدم للطلبة امثلة من تجاربي القضائية ، محاولا ان اعزز التحصين الذاتي لديهم ، من خلال تصديهم للضغوط التي قد يتعرضون لها من مصادر مختلفة تستهدف حياد القاضي . وفوجئت بأحدهم يعلق : (انه يخاف من الشرطي الذي يقف في بابه) ، تصوروا ! كيف سيقضي هذا بالحق بين المتقاضين اذا كان يخاف من الشرطي الذي يقف على بابه ؟ قد يكون هذا الطالب صريحا في التعبير عن كوامن نفسه ! ولكن كم غيره ترددوا في ان يقولوها صريحة كصراحته ؟ ما الذي يستطيعه رئيس مجلس القضاء الاعلى او رئيس الاستئناف لكي يتفادى انزلاق امثال هذا ، وغيره في انتهاك استقلال القضاء ، والميل مع الهوى ، ونزع صفة الحياد التي يجب ان تلازم القاضي ، في كل لحظة يجد نفسه فيها على تماس مع تلك الضغوط ، بل والمغريات احيانا ؟

كل ما يمكن ان يفعله هؤلاء الرؤساء ، ان يعملوا جهدهم بان يمكنوا القضاة من الفصل في القضايا طبقا لما توصلوا اليه من ادلة وطبقا للقانون ، والعدالة ، بعيدا عن الاكراه ، او الاغراء ، او التدخل ، او التهديدات من الحكومة ، أو المواطنين . والباقي يقع على القاضي نفسه ، من خلال جهوده الذاتية ، ومثابرته ، وحرصه على حس العدالة الذي ينير بصيرته ليهديه سواء السبيل . فالله يراقبه ، وضميره نبراسه  ، ويد العدالة الالهية الضاربة ، تقصم ظهر من حاد عن جادة الحق ، في الدنيا ، وفي الآخرة .

 

فالقاضي حر في تكوين قناعته في الدعوى التي ينظرها ، من خلال الادلة التي يطرحها امامه اطرافها . وهو من خلال الاعداد الذي اعد له ، يضمن سير الاجراءات القضائية بعدالة ، واحترام لحقوق الاطراف . فمبدأ استقلال القضاء متطلب جوهري لحكم القانون بما يضمن محاكمة عادلة . فالقاضي يجسد بعمله الاستقلال القضائي على الصعيدين الفردي ، والمؤسساتي .

فالعراق ، الذي اقسم حمورابي في ربوعه بأن يجعل العدالة تعم البلاد ، وتحطم الآثم الشرير ، حتى لا يظلم القوي الضعيف ،هذا العراق لا عبيد فيه ، لكي يأتي احدهم ، ليطلب من الناس والقضاة منهم ان يصطفوا حوله . فمن فعل ذلك فهو حر(على وفق رأيه) ، ومن لم يفعل فهو عبد .

اتساءل ، هل ان من قسم القضاة الى احرار وعبيد ، يستطيع ان يدلنا على جمهرة الاحرار ، وجمهرة العبيد ، وهل كان في اية خانة يعمل الى يوم تركه القضاء ، واقسم عليه بشرفه ، ان يثبت لنا ان رئيس السلطة القضائية كان قد اتصل به ، او بغيره ليطلب منه اصدار قرار على هوى فلان ، او علان ؟ لن أقبل منه الكلام المرسل ، أطلب منه اثبات ذلك بالأدلة والبراهين .

فان لم يفعل ، (ولا اظنه سيفعل)  ، فليصمت ، ولا يغرنه الغوغاء الذين صوروه نسرا يجوب السماء ، فرحم الله من عرف قدر نفسه ، فاعزها  .

لقد قرأت الكثير مما كتب عن السلطة القضائية ، وما كتب كان بعضه مغرضا ، وبعيدا عن الحقيقة . فمن كتبه اما جاهل بطريقة العمل في القضاء ، او يعرف طريقة العمل الا (انه يعرف ويحرف) . فالقضاء ليس دائرة او وزارة او مؤسسة ليأتمر الكاتب بأمر معاون الملاحظ ، وهذا بأمر الملاحظ ، والاخير بأمر رئيس الملاحظين ، وصولا الى المدير العام ، ورئيس المؤسسة ، والوزير .

القضاء ايها السادة ، له نظام يعمل فيه كل قاض بما يمليه عليه ضميره ، وبما كسبه من معرفة علمية اعد لها ، وبما يقدمه له اطراف الدعوى من ادلة ، فيختلي مع نفسه ، او يتداول مع زملائه ، ليمحص ، ويدقق ، وعندها يصدر قراره ، ولا سلطان عليه في قضائه ، الا الله ،وضميره ، وحس العدالة الذي تربى عليه .

وهذا الامر ينطبق على مختلف المراتب القضائية ، وصولا الى اعلى محكمة . وقد ضمن القانون اصلاح الاخطاء التي يقع فيها القضاة (فهم بشر وجل من لا يخطأ) ، حين رسم القانون طرقا للطعن في قراراتهم القضائية . وهذه قرارات محكمة التمييز ومحاكم الاستئناف ومحاكم الجنايات بصفتها التمييزية ، تزخر في نقض القرارات التي اخطأ القضاة في اصدارها ، بفهم خاطيء منهم للوقائع ، وللقانون . وازيد القاريء علما ان محاكمنا التمييزية تتدخل في كل جزئيات القرار الذي تصدره محاكمنا من الوقائع الى القانون . وهذه مصر العريقة في قوانينها لازالت محكمة النقض فيها لا تتدخل في الوقائع ، حتى ان اخطأ القاضي في تقديرها ، ويقتصر نقضها على الخطأ في تطبيق القانون . وتلك فرنسا تنهج محكمة النقض فيها النهج ذاته .

فإذا انتقلنا الى مجلس القضاء الاعلى ، هل رئيسه ينفرد بإصدار قراراته ؟ القرارات تصدر من اجتماع حاشد لأعضاء المجلس ، وحتى من تعذر عليه الحضور لوجوده في محافظة بعيدة ، يؤخذ رأيه بوسائل الاتصال الحديثة . وسجلات المجلس تشهد بذلك .

فأية دكتاتورية ، تدعو للانقضاض عليها ؟

ثم هل الناس (حاشاهم) صم ، بكم ، عمي ، وهم قد لجئوا للقضاء لطلب حقهم مسلحين بالأدلة ، وبجهابذة المحامين الذين يقفون للقاضي بالمرصاد في طلباتهم ، وطعونهم ، بل والتشكي منهم ، وطلب تنحيتهم عن نظر الدعوى وطلب نقلها الى محكمة اخرى ، ان احسوا من القاضي ميلا . فهم (مفتحين باللبن) للدفاع عن حقهم .

بعد احتلال بغداد وعودتي للقضاء مطلع عام 2004، صادف ان التقينا بخبراء اجانب ، من خلال احاديثهم معنا كانوا يتصورون ان (صدام) كان لا عمل له الا ان يرفع الهاتف على هذا القاضي ، او ذاك ، ليأمره بإصدار القرار بالشكل الذي يحلو لـ (صدام) ، كنت اضحك واقول لهم : (عمي صدام ميحتاج ان يفعل هذا ... كان له في الدستور من الصلاحيات ... ما تمكنه من الغاء أي قرار اصدرته اية محكمة ولم يعجبه ...). ودليل ما اقول انه لم يكن يثق بالقضاء العادي ، لذلك لجأ لجمهرة من المحاكم الخاصة ، التي تصدر قرارات قطعية لا طعن فيها ، في المخابرات ، الدفاع ، الامن الخاص ، الامن العام ، الداخلية . وحتى قرارات هذه المحاكم كان يمكنه الغاءها بجرة قلم .وآخر ما قام به انه الغى تلك المحاكم وانشأ محكمة امن الدولة التي جعل قراراتها قطعية ايضا ، الا ان سقوط نظامه لم يمهل تلك المحكمة فبقي قرار تشكيلها حبرا على ورق .

يا عمي يا مقسم القضاة الى احرار وعبيد ، فلن تجد بين القضاة من يركض وراء هذه التقسيمات التي طلعت علينا بها . فرويدك ، رويدك ، ولتضع الله بين عينيك ، فإن كنت تريد منصبا ، فالمناصب لا تأتيك بالطعن بالناس ، وتحريف الحقائق ، المنصب يأتي صاغرا لمن هو احق به . المنصب لا يأتي عن طريق طعن الناس والانتقاص منهم .

فمدحت المحمود لا يحتاج  لدفاع مني  او من غيري ، واؤكد لك ولغيرك ان من حسن حظ الجيل الجديد ان عاصروا هذا الرجل  ، ليقبسوا من علمه ، وخلقه قبسات تكون نورا لهم ، في مدلهمات الايام . رجل من هذا الزمان ، الا انه من جيل الدراويش . فلا شيء يتجاوز موهبته القانونية والقضائية . رجل له سجاياه البسيطة ، تحيط روحه السكينة ، والقناعة ، والحكمة ، وسعة الافق ، وطول البال . رجل الوقت عنده لا يرتبط بالساعات ، والدقائق ، انما يرتبط بشعوره انه تمكن من اداء واجبه . عندها نجده يبتسم برضا . رجل يكمن مفتاح شخصيته في حبه للناس ولأصدقائه (وانت تعلم جيدا انه منحك حبه ورعايته بل وحمايته يوم كنت بحاجة لحبه ورعايته وحمايته) . ولعلك لا تنكر انه لم يقف يوما في طريق طموحاتك ، رغم قدرته على لك .

هذا الرجل ، (الذي اباهي انه صديقي واخي) ، والذي تحرض الاشرار (الذين اسميتهم الاحرار) عليه ، لم التق به الا وعلامات الرضا تشع من قسماته ، رغم شعوري انه يحارب على عدة جبهات ، الا ان حروبه لم تكن لمجد شخصي (كما تفعل انت) ، فمجده ثابت الاركان ، حتى قبل ان يكلف بهذه المهمة الشريفة ، الا ان حروبه لم تكن ، ولن تكون الا لترسيخ هذا الكيان ورفعة شأنه ، والذود عنه كما يذود الفارس عن حمى اهله . وقد رأينا صرح القضاء يعلو بهمته ، التي لا توازيها همة الشباب .

لن اقول اكثر من ذلك ، فلعل الكلمات قد توفيه بعض حقه . (وانت تعلم) ،وغيرك يعلم اني حين اقول كلمة الحق بهذا الرجل ، فلست بمدافع عنه ، فهو ليس بحاجة لدفاعي ، كما اني لست اجني مغنما من موقفي هذا (وانت تعلم ذلك ايضا) . وانما هي كلمة الحق انبري لقولتها .

اخيرا (فمن جرب المجرب حلت عليه الندامة)  . ويمكنك الرجوع الى كتاب العلامة المرحوم جلال الحنفي عن الامثال البغدادية ان لم تدرك معنى هذا المثل العربي البغدادي ! .  

وأترك لقب (القاضي) ،  فذلك يجعلك متهما بانتحال صفة لا تملكها  في الوقت الحاضر .

ثق ! انه لن يسير خلفك الا العبيد . اما الاحرار فطريقهم سالك ، ومعروف .