التفاصيل

رسالة المحاماة / فتحي الجواري

2014-10-20 12:02:00

أثار لقاء رئيس السلطة القضائية القاضي مدحت المحمود ، بممثلي المحامين ونقيبهم ، منذ أيام ، ومداخلاته وتوجيهاته خلال اللقاء ، وما تلاه من توجيهاته الاخرى لرؤساء المحاكم الاستئنافية في حسن التعامل مع المحامين ، مشاعر جياشة في نفسي ، تداخلت بين المهام التي باشرتها في العملية القضائية ، بين ممثل للادعاء العام ، وقاض ، ومحام ، فكانت هذه الكلمات .

ان من يبحث عن العدالة ، ينبغي ان يؤمن بها . وحين ندخل قاعة المحكمة فلن نشعر بوجود العدالة ، ما لم تكن قلوبنا ممتلئة بها .

لقد شرح (سقراط) لتلاميذه ، في بلاغة ، تلك النظرية ، التي تفرض احترام الاحكام القضائية بغير مناقشة ، بغض النظر عن وجه الحق في تلك الاحكام ، وايا كانت التضحية الشخصية التي قد تنجم عن ذلك الاحترام . فالحكم النهائي هو حكم عادل واجب الاحترام ، ولو لم يكن في واقعه ليس كذلك . فهو وقد صدر لحسم قضية ما ، ينبغي ان ننظر اليه بعيدا عن البواعث التي تولد عنها . فهذا الحكم هو كائن جديد كتلك الفراشة التي خرجت من شرنقتها فانفصلت عنها ، وانقطعت صلتها بها . فقد نطق القاضي بالحكم فصار عنوانا للحقيقة ، والعدالة ، وانقطعت صلة هذا الحكم ، بالعوامل التي انتجته ، وبمن اصدره . وهنا نقف امام هذه الوثيقة في احترام لانها صارت حجة المجتمع النهائية .

ان ما يجعلني اقول هذا ، ادراكي ما تبذله الدولة من جهود لحسن اختيار القضاة . فهي تدرك انها تعهد لهم بتلك السلطة الخطيرة ، التي اذا اسيء استعمالها انقلب الظلم عدلا . وجعلت القانون في خدمة الشر . فاختلط الحق الناصع البياض ، بالباطل الاسود .

اننا لانقدس العدالة  ، ولانحترمها ، الا لانها تحيط بنا ، شأنها شأن الهواء الذي نتفسه . هل نحن نرى الهواء ؟ ام هل نحن نلمسه ؟

اننا اذا أسأنا الظن بالعدالة ، ووقفنا ازاءها وكأنها تعبيرا ماديا عن ارادة هذا القاضي ، او ذاك ، افقدنا تلك العدالة روحها وحولناها لعالم المحسوسات . حقا ان القاضي هو القانون جسده هذا الانسان . اذ اننا نتوقع منه ان يحقق لنا تلك الحماية التي انتظرناها من القانون . فعندما ينطق القاضي بحكم العدالة ، عندها فقط ندرك ان احكام المحاكم عادلة دائما ، وليس هناك من سبب للشكوى من انعدام العدالة ، فثق ايها المحامي ان اية قضية تكون قد كسبتها فلئن الحق كان الى جانبك ، وما خسرت قضية الا وكان الحق الى جانب خصمك .

ان هذا الادراك هو الذي يمكنك (ايها المحامي) من ان ترفع مستوى المحاماة ، فبدلا من ان تصبح هذه المهنة لعبة قوامها الخديعة والدس ، تصبح أداة نبيلة لتدعيم السلام الاجتماعي .

على المحامين والشباب منهم ان يدركوا ، ان اية دعوى قضائية ، ليست هي مساجلة بين فريقين ، بل انها تعبر عن حرص الدولة على الاضطلاع بوظيفة من اخطر وظائفها ، الا وهي تحقيق العدالة . فقاعة المحكمة ليست مسرحا للمبارزة ، وليس المحامي محاضرا في ندوة .

ان على المحامي ان لايفقد اعصابه ، اذا استعملت ضده حجة . بل عليه ان يكون دائما مثلا حيا في الرغبة في التفاهم ، وفهم الآخرين . وينبغي عليه ان يروض اعصابه ، لرد الاهانة ، بابتسامة ، وان ينحني محييا القاضي حين يامره بالتزام الصمت ، فالصياح ليس من علامات الشجاعة .

ان على المحامي ان يدرك جيدا انه متى فقد اعصابه في قاعة المحكمة ، فقد يفقد موكله قضيته . فمن الخطأ ان يعتقد المحامي انه بامكانه ان يخيف القاضي ويحرجه من خلال ضجيجه وعنجهيته .

لتتذكر دائما (ايها المحامي) ان تلمس قضاء الحاجات ، انما يكون بالرقة ولين الجانب .

ولتتذكر ايضا ، ان من واجب القاضي ان يصل بنفسه الى حكم القانون في القضية المنظورة ، فهو لاينتظر اطراف النزاع ليدلوه الى مفتاح القضية التي ينظرها .

فمن مباديء السلوك المهني للمحامي  ، ان لايحاول الظهور بمظهر من يحاول ان يجعل من قاعة المحكمة فصلا دراسيا ، مستعرضا فيه اتساع آفاق معرفته ، مثقلا كاهل المحكمة بعرض لصور القانون ونظرياته . مثل هذا المحامي يكون بغير شك قليل الدراية بالنواحي السيكولوجية للانسان .

ان القاضي يحترم المحامي الذي يدرك انه حين يرتدي ثوب المحاماة ، يكون قد تخلص من شخصية الفقيه ، لانه امام منصة القضاء هم محام فقط ، يدافع عن موكله في حدود القانون ، لايتجاوز ذلك . فمن واجب المحامي ان يركز جهوده نحو هدف واحد ، هو القيام بواجبه في توضيح الحقائق وكشف ما خفي في تفاصيل القضية التي يترافع فيها ، بطريقة موضوعية .

ان المحامي البارع هو الذي يكون في وسعه الايحاء للقاضي بالحجج الكفيلة بكسب القضية .

ان عيوب (بعض المحامين) ،وضعف مستواهم المهني ، هي التي تسبب استخفاف (بعض القضاة) بمهنة المحاماة ، او الانتقاص من قدرها وقيمتها ، وتعاملهم معهم كشر لابد منه من شرور الاجراءات القضائية ، وربما كان تقصير محام مهمل واحد ، سببا في حمل القاضي على العزوف عن حسن الانصات الى مرافعات المحامين . وبالعكس فقد يؤدي كسل بعض القضاة ، وانصرافهم عن الانصات الى مرافعة المحامي ، الى تثبيط همم المحامين ، وتشكيكهم في جدوى الجهود التي يبذلونها ، لتوضيح حجج موكليهم . وفي الحاتين تطغى السطحية على المرافعات ويحرم القضاء من خير ما يمكن ان يطرحه العاملون في سوحه .

وعلى المحامي ان لايستغرب من تصرف بعض القضاة في انصراف اذهانهم لامور الحياة ، او لعدم تكليف انفسهم العناء . اليس القاضي من بين ابناء البشر ؟ فالبعض من الناس تشغلهم امور الحياة . والبعض من الناس يميلون الى الدعة والكسل . فعلى المحامي ان يتجنب المناورات والاشكالات التي من شأنها ان تعقد الامور على القاضي . فهدف المحامي هو تسهيل مهمة القاضي وتمكينه من أداء واجبه ، دون ان يكون ذلك سببا لتحميله مجهودات استثنائية .

ان المحامي البارع ينبغي له ان يكون منقضا كجندي الصاعقة ، اما القاضي فينبغي ان يكون راسخا ثابتا كجنود الخنادق او حراس الحدود .

 

اخيرا (ايها المحامون) والشباب بالاخص ، عليكم ان تدركوا ان ليس هناك عدالة بغير امانة ، وليس هناك عدالة من غير مواظبة . فالوصول للعدالة ، لن يكون الا عبرطريق معبد بالامانة والمواظبة ، عبر سلوك يومي ينبغي التمسك به من خلال الحياة اليومية .

فأمانة المحامي تختبر باستمرار ، من خلال عنايته بترتيب مستنداته في الدعوى ، وبدقته في حفظ زيه نظيفا مرتبا ، وفي وضوح لوائحه ، وفي اختصار احاديثه ، وفي دقته في عرض طلباته .

والعدالة تتطلب الامانة من القاضي ، مثلما تتطلبها  من المحامي ، فأمانة القاضي لاتلتمس في ان ينئى بنفسه عن اية محاولة للتأثير عليه فحسب ، بل تلتمس ايضا في دقة مراعاته للمواعيد ، ومحافظته على وقت المحامين والمترافعين ، فلا يتركهم في ساحة المحكمة يهدرون وقتهم انتظارا ليفتتح الجلسة .  

تراودني احيانا فكرة ، هل كان من الممكن الاستغناء عن دور المحامي ؟ اجيب نفسي ان المحامي هو هذا الرجل الذي يؤشر للعدالة طريقها ، فتتحسس به الطريق الى العدالة ،  ليهديها ويرشدها الى الاتجاه الصحيح ؟

فمن واجب المحامي ان يجعل القاضي يفهم ما يريد منه المحامي ان يفهمه ، فالقاضي (يجلس في منصته ساكنا) ، ساكتا ، منصتا ، ينتظر الرسالة التي على المحامي (الواقف على قدميه) ان يوصلها له .

بالمناسبة ليس بين الوظائف القضائية وظيفة أدق ، ولا أشق من وظيفة (ممثل الادعاء العام) ، فهو ينحاز لطرف من اطراف الدعوى (كما يفعل المحامي) فهو محام بغير حماسة المحامين ، الا انه حارس من حراس القانون ينبغي ان يكون محايدا كالقاضي ، فهو قاض بغير حيدة القضاة . فإذا لم يتوافر له هذا الاستعداد لهذا التوازن بين هذه التناقضات ، تعرض لخطرين اهونهما شاق وعسير ، فإن ابتعد عن روح الدعوى اصبح حاله كحال من يتفرج ، وإن اسرف  في مهمته ، فقد يجد نفسه وقد فقد موضوعيته وحياده .