التفاصيل

آليات مكافحة الفساد

القاضي ناصر عمران الموسوي

2014-12-29 09:04:00

لايمكن الركون الى رؤية مستقبلية قادرة على تحقيق الاستقرار والتقدم والعدالة الاجتماعية دون الاستناد على الية دستورية وقانونية فعالة تمنح المؤسسات التي تشكل ماهية الدولة القدرة على الانتاجية المتكاملة للاهداف والغايات الملقاة على عاتقها والتي تتنوع بحسب طبيعة وهدف المؤسسة،فالمؤسسات التشريعية التي تحتكر سلطة تشريع القوانين لايمكن لها الخروج بقوانين ملبية لحاجات وطموح الشعب حين تكون مراحل التلاقح غير منسجمة وغير سليمة وبالتالي تكون ولادات مشوهة وغير قادرة على ان تكون بحجم رؤية وطموح المواطن،والحديث ينسحب بشكل متساو على المؤسسات التنفيذية التي يكون لها الاتصال المباشر بالمواطن كونها الية التنفيذ للتشريعات والقرارات المتخذة والمطبق للسياسات العامة للدولة، ولاتخرج المؤسسات القضائية عن ذلك وهي الحامي والراعي للدستور والمطبق للتشريع والقانون . وظاهرة الفساد المالي والاداري شكلت ولما تزل ظاهرة رافقت عمل الحكومات العراقية منذ التغييرالنيساني لعام 2003 واتضح ذلك جليا بحيث اصبح الحديث عن الفساد المالي والاداري حديث الشارع والمؤسسة والدولة والمنظمات الدولية ’ . ومفردة (الفساد) واحدة من المفردات المرتبطة بالطبيعه الانسانية بالصورة السلبية للمستقر الذهني والمعرفي باعتبارها الضد لمعنى الكمال والنجاح والصلاح ,وهي مصدرللفعل (فَسَدَ وفَسٌدَ ) وتعني التلف والخراب والانحلال والقحط والبطلان كما تراه االمعاجم العربية اما ترجمة كلمة الفساد حسب معجم قاموس (اكسفورد ) فتعني : (انحراف اوتدمير النزاهة في اداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة )  ويبدو ان المدير الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة استعان كثيراً بذلك عند اصداره الأمر (55) لسنة 2004 والمنشور بالوقائع العراقية بالعدد (3981 ) .والذي بموجبه تم تخويل مجلس الحكم سلطة انشاء مفوضية عراقية معنية بالنزاهة العامة . وجاء في القسم (1) وفي تفويض السلطة .ان المفوضية : جهاز مستقل مسؤول عن تنفيذ وتطبيق قوانين مكافحة الفساد ومعايير الخدمة العامة . وتقوم المفوضية بافتراح تشريعات اضافيةعند الضرورة وتنفيذ مبادرات لتوعية وتثقيف الشعب العراقي بغية تقوية مطالبه بايجاد قيادة نزيهة وشفافة تتسم بالمسؤولية وتخضع للمحاسبة .

وبعد تشكيل حكومة جديدة وسلطة تشريعية جديدة فان ايجاد رؤية في ادارة الدولة امر مسلم به،فكل المؤسسات بحاجة وضمن الاسس القانونية الى التغيير والاصلاح لكي تكون الانتاجية اكثر فاعلية وتحقيقاً للاهداف، فالثقافات تتغير كل خمس سنوات وسلوك الانسان مرتبط باليات التغيير،وقد اشارالبرنامج الحكومي الى مكافحة الفساد وهو امر من الضرورة لحكومة تحاول الانطلاق بالمواطن والدولة الى التقدم والرفاهية والحياة الكريمة في ظل عدالة اجتماعية فالفساد اهم واكبر العقبات التي ورثتها الحكومة الجديدة اضافة الى تركة ثقيلة تمثلت بالارهاب وظهور الحركات الارهابية التي استطاعت ان تجد لها مساحات تسيطر عليها وفساد مستشر يعلى اشده،وبالرغم من ان المعالجة تقتضي خطوات سريعه لكن الحكومة لماتزل بخطوات بطيئة تحاول صياغة الية المكافحة وبالتالي التغيير والاصلاح،وللوقوف على الية مكافحة الفساد الاداري والمادي فان الامور تستدعي ان تكون الجدية حاضرة بقوة في مكافحة الفساد والاستمرارية ديدن الالية الوطنية في مكافحة هذه الافة واصلاح الهيكل الاداري للدولة من اهم خطوات الية مكافحة الفساد يضاف اليه تفعيل الاجهزة الرقابية التي تكافح الفساد واهمها (دائرةالمفتش العدلي وهيئة النزاهة وديوان الرقابةالمالية وجهاز الادعاء العام ) وبقية الاجهزة والمؤسسات التي تمارس بذاتها او بجهات تابعة لها مهمة الرقابة والاشراف ،وهذا مايمكن ان نطلق عليه (الية تأهيل ادارة الدولة ومؤسساتها ) وبالتاكيد ان ذلك يقتضي ارضية غاية في التنسيق بين السلطات التي تتشكل منها الدولة وحسب نص المادة (47) من الدستور وهذا لايتعارض البتة مع مبدأ الفصل بين السلطات، ربما يعتقد البعض ان العراق هو حالة خاصة في حجم الفساد المستشري والذي ابتني وتغول على امتداد نمو الدولة العراقية الخارجة من مرحلة الديكتاتورية والاستبداد وحكم الفرد والحزب واللون والطائفة والمنطقة والعائلة وكل ذلك .الى الاحتكام الى صناديق الانتخاب وهيمنة المؤسسات والسلطات المتعددة التي تعمل ضمن فضاء الدستوروالقانون وهو امر يجانب المنطق فدولة مثل العراق خرجت من نظام دكتاتوري عن طريق احتلال عسكري فرض رؤيته الادارية عبر حاكم مدني تكون الاخطاء ومن ضمنها ظهور الفساد واستشرائه نتيجة تجد مسبباتها والتطبيق العملي يثبت الكثير من الاخطاء فيمسيرة التجربة الديمقراطية والذي بدوره انتج عللاً متعددة اهمها الارهاب والفساد وحين نتحدث عن مكافحة الارهاب فاننا نتحدث عن مكافحة الفساد الذي يجد فيه الارهاب ملاذا آمنا  .ان الشعور بالمواطنة والانتماء الى جغرافية الوطن دون التوقف عند خطوط الطول ودوائر العرض القوموية والمذهبية والطائفية والمناطقية هي من اخال معالجة لمختلف العلل والمعضلات التي تربك مسيرة التطور والنمو الوطني وتقيده وتجره الى التفرع والانزواء .والعمل على اشاعة ثقافة المواطن والنزاهة والامانة ومكافحة الفساد والمفسدين تحتاج الى خطاب ديني منسجم وواضح يؤكد على اللحمه الاجتماعية والالتفاف حول المشترك وهو الوطن وبخاصة بعد ان استفحل التيار التكفيري الارهابي المتمثل بداعش الخارج من تنظيمات القاعدة وانكشف زيفه و خداعه على الاقل بالنسبة لحواضنه الارهابية،هذا التنظيم وحد الخطاب الديني وخلق مساحات مشتركة للتواشج الاجتماعي،هو شعور يولد الرغبة والسلوك الطارد لفعل الفساد ومفهومه مهما تلون متخذا من الظروف التي يمر بها العراق ذريعه،ان توحيد الخطاب الديني والاجتماعي يولد بيئة (للرأي العام ) يمكن التركيز عليها اضافة الى جدية الحكومة المستندة على رؤية واليات جديدة وصحيحة فمثلا لابد من مراجعة فاعلية عمل هيئة النزاهة نجاحاتها اخفاقاتها التطبيق العملي لقانونها وكل الاجهزة الرقابية وحين ذلك ستكون لدينا دراسة نظرية عملية يمكن العمل على خطاها للبدء بحملة كبيرة لمكافحة الفساد لا تستثني احدا في مفاصل الدولة وتحقيق التغييرات الضرورية واصلاح الترهلات وبث قيادات جديدة منسجمة مع الكفاءة والخبرة.

ان معالجة الفساد لايمكن ان يكون منتجا وفاعلا بدون اليات موضوعية عملية فكل بلدان العالم تعتمد بدرجة كبيرة على اجهزة الدولة الرقابية عبر ربطها بمنظومة قادرةعلى مكافحة الفساد فتاسيس (مجلس اعلى لمكافحة الفساد ) يضم الاجهزة الرقابية يكون فيه عمل هيئة النزاهة باشراف الادعاء العام بعد اصدار تشريعات منسجم هو مفعله للعمل المشترك بحيث يبلغ الذروة بالتعامل مع الرقابة المالية ودائرة المفتش العام،هذا المجلس يتمتع بصلاحيات متعددة تعتمد على قنوات تستثمر التطورات التقنية والعلمية عبر وجود مواقع على شبكات الانترنت تستقبل مزاعم الفساد وتقوم بالتحري عن صحة المزاعم والمستندات المستلمة او المعلومة التي تشيرالى وجود حالات الفساد و تشكيل لجان مراجعه لكثير من ملفات الفساد اضافة لدورالمواطن ومنظمات المجتمع المدني، وهو ماتحتاجه الحكومة في خطواتها الاصلاحية التي بدأت بالمؤسسة الامنية وتحركاتهاعلى المستوى الدولي و دعم مسيرة الحكومة واخرها مؤتمر بروكسل،ان التنسيق المتبادل بين السلطة التنفيذية والاجهزة الرقابية والسلطة القضائية في ظل رؤية التجديد والاصلاح هي القادرة على تحقيق الردع العام وتطبيق العقاب المناسب و حماية المال العام و النظام الديمقراطي .