التفاصيل

الثابت القضائي والمتغير السياسي

القاضي سالم روضان

2015-01-26 09:13:00

قبل أيام خلت ذكر احدهم عبر وسائل الإعلام عبارة استوقفتني كثيراً لأنها عبرت عن طبيعة تفكير هذا الشخص الذي يمثل صورة من صور الواقع النخبوي في العراق عندما قال (لماذا ننظر إلى القضاء هذه النظرة المبجلة ؟) ولأجابته وتوضيح الأمر لمن التبس عليه الأمر اعرض الآتي :ـ

1-      إن القضاء لم يكن يوماً امتيازاً لشخص أو جماعة بعينها وإنما القضاء هو حق الإنسان وحاجة المجتمع وكان وظيفة الأنبياء عندما أرسلهم الله عز وجل إلى البشرية بالرحمة والعدل بمصداق قوله تعالى ((يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل اللّه)) ويرى البعض إنّ مسألة «الحكم بين الناس» أو القضاء تعتبر من الأهداف المهمّة الأساسية للدين الإسلامي، فهي تشغل نصف موضوع إدارة شؤون المجتمع التي وردت في الشريعة الإسلامية، ومن هذه المهمة الجسيمة والعظيمة تتجلى صورة القضاء البهية التي يعمل الجميع على الحفاظ على بهائها ونصاعتها ويكاد الثقل الأكبر يقع على من يشتغل فيها قاضياً كان أو إدارياً أو سانداً لأعمالها مثلما يكون المجتمع والفئات النخبوية بكافة أصنافها وقطاعاتها ملزمة بتوفير الدعم والمساندة لاستقلال القضاء وأفضل ما تقدمه هذه الفئات من دعم هو كف التعرض له بالسوء أو السعي لتشويه الصورة وتظليل الرأي العام والتشكيك والتسقيط ومحاولة استغلال المنافذ الدستورية لتحقيق هذه المآرب وهذا هو الذي يدعوا إلى صيانة سمعة القضاء لا لتبجيله وإنما لتعلقه بحق من حقوق الإنسان وتضمنت جميع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان على أن يكون من بين أهم حقوق الإنسان هو وجود قضاء عادل ومستقل وان تتوفر للجاني أو المتهم محاكمة عادلة وفي ديباجة ميثاق الأمم المتحدة تؤكد تصميم شعوب العالم على بيان الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة ومنها (الحق في نظام قضائي نزيه ومستقل) ، كما في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية فقد نص في مادته الرابعة عشر على مبدأ حيدة واستقلال القضاء لذلك فان الحديث عن استقلال القضاء ودعم هذه الاستقلالية لا يعد بحثاً لتمييز القضاء عن سواه، وإنما تعزيزا أو تفعيلا لحق الإنسان في ذلك.

2-      اثبت القضاء العراقي منذ تكوينه ولغاية الآن مثلما سيبقى مستقبلاً انه لا يميل إلا إلى الحق ولا يطبق إلا القانون، وبعد التحولات التي حصلت في العراق عام 2003 وتوسع الاختصاص القضائي في إضافة القضاء الدستوري إلى منظومة القضاء العراقي فضلا عن السعة العددية والنوعية للقضاء الاعتيادي والإداري ظهرت مواضيع جديدة لم تكن خاضعة لولاية القضاء ومنها ما يتعلق بالنظم السياسية والقواعد القانونية الانتخابية والمؤسسات الدستورية فكان للقضاء الدستوري الدور الكبير في ضمان تطبيق الدستور على وفق ما سعى له كاتب الدستور عند صياغته لمفرداته ومواده، وكان القضاء الدستوري ممثلاً بالمحكمة الاتحادية العليا حارساً أميناً واصدر قرارات وأحكام متعددة أسهمت كثيراً في صياغة شكل الدولة التي ما زالت في طور التكوين وحدد لها مسارها ومهامها عبر العديد من القرارات ومنها الآتي :

 

         ‌أ-         قرار المحكمة الاتحادية العدد 56/اتحادية/2010 في 24/10/2010 الذي ألغى الجلسة المفتوحة لمجلس النواب حينما تضمن إجراء تنظيمي يتعلق بكيفية انتهاء جلسة مجلس النواب عندما لم يحصل التوافق لعدم وجود نص في التشريعات النافذة

       ‌ب-      القرار 13/ اتحادية/2007 في 31/7/2007 الذي حدد نسبة الكوتا النسائية في مجالس المحافظات

       ‌ج-       القرار العدد 15/اتحادية/2008 في 21/4/2008 الذي ألزم السلطات كافة باعتماد اللغات السريانية والتركمانية في المناطق التي فيها كثافة سكانية للمكونات التركمانية والسريانية

        ‌د-        القرار 9/اتحادية/2009 في 5/2/2009 الذي تضمن حكما ينظم عمل رئاسة مجلس النواب عند خلو منصب الرئيس أثناء دورة الانعقاد

      ‌ه-      القرار 27/اتحادية/2009 في 11/8/2009 الذي عرف مفهوم الأغلبية البرلمانية المطلوبة للتصويت على قرار رفع الحصانة عندما لم يجد احد نصا يعالج تلك الحالة.

       ‌و-       القرار رقم 25/اتحادية/2010   في 25/3/2010  المتعلق بتفسير مفهوم الكتلة النيابية الأكبر

وقرارات أخرى أصدرتها المحكمة على الرغم من حداثة عمرها في التشكيل لكنها كانت غنية وثرة في محتواها . وهذه القرارات منذ أن صدرت ولغاية الآن لم يحدث عليها تغيير أو رجوع في المبدأ والعمل فيها مستقر، وان كانت محلاً للنقد الذي يصل إلى حد التجريح ليس من المختص في الشأن الدستوري أو القانوني وإنما تعرض لها كل من لم تأتي الأحكام في مصلحته وعلى هواه وتجاوز في نقده من الموضوع إلى الأشخاص والهاجس المشترك لهؤلاء هو النيل من المحكمة لتغيير بوصلتها عن ضمان الحقوق الدستورية الواردة في وثيقة الدستور، إلا إن صيرورة هذه الأحكام كان بناءً على قراءة مهنية موضوعية صادقة لمواد الدستور دون الالتفات إلى التجاذبات السياسية ، وهذا منحها صفة الثبات رغم تبدل اللاعبين في ملعب السلطات حتى إن بعضهم أعلن عن رأياً ايجابياً فيها بعد أن وطئت رجله مربط السلطة وعدل عن رأيه السابق لأنه كان على وفق رؤية وقراءة سياسية للأحكام والقرارات التي أصدرتها المحكمة وليس عن قراءة قانونية ، وارى له العذر في ذلك لأنه يميل حيث تميل المصلحة الشخصية أو الحزبية أو الفئوية لان من صفات السياسة التحول بينما القضاء ثابت في أحكامه لانها بنيت على ثوابت قانونية ودستورية .