التفاصيل

الحكم الرشيد

فتحي الجواري

2015-01-26 09:30:00

 

 

 

منذ ان عرف الانسان ، انظمة الحكم ، كان الحكام ، ولا يزالون ، يقولون للمحكومين (نحن لسنا حكاما ... نحن خدام لكم) .

وحول هؤلاء الحكام او (خدم الشعب) ، يلتف الوزراء ، والمستشارون ، الذين يفترض بهم تقديم المشورة للحكام او (خدم الشعب) . الا انهم اعتادوا ان يؤيدوا الحاكم او (خادم الشعب) ، في كل امر يقرره ، ويدعون الناس لمؤازرته والتصفيق لقراراته . ومن لم يفعل ، فالويل له .

في احدى الليالي الحالكة الظلام ، كان الحاكم او (خادم الشعب) يغط في نوم عميق ، الا انه هب من نومه فزعا على نباح الكلاب . فاستدعى احد معاونيه ليستفسر منه عن سبب هذا النباح الذي افزعه واقلق نومه ، اذ مضت فترة طويلة دون ان يسمع للكلاب نباحا ، حتى ظن ان الكلاب قد تركت بلاده الى حيث القت .

فاجابه المستشار : مولانا الكلاب في بلادنا قليلة ، و سيأخذها التعب بعد قليل فتكف عن النباح . وفعلا لم يعد الحاكم او (خادم الشعب) يسمع النباح بعد قليل ، فعاد ليستغرق في نومه .

الا ان الامر تكرر في الليلة الثانية ، وفي ليال اخرى ، بل كان النباح يعلو ويستمر لفترات طويلة ، مما ادى ذلك لقلق الحاكم (خادم الشعب) ، الا انه لم يحاول معرفة اسباب هذا النباح ، واكتفى بما اشار عليه مستشاروه بضرورة التخلص من هذه الكلاب الضالة . فنادى المنادي في الاسواق ، بالامر غير القابل للنقاش ، لقتل كل الكلاب التي ازعجت الحاكم (خادم الشعب) ، ومن لايمثل لهذا الامر فمصيره السجن ، والغرامة ، ومصادرة امواله .

وفي ايام قليلة اختفت الكلاب ، ولم يعد الحاكم (خادم الشعب) يسمع نباحا لها . فنام الحاكم (خادم الشعب) ،  مرتاحا يحلم احلاما جميلة ، وسعيدة .

بعد مدة كان الحاكم (خادم الشعب) يتجول في حديقة قصره مع وزرائه ومستشاريه ، فاذا به يرى قططا كثيرة تلهو وتلعب ، وهو امر لم يألفه من قبل . فأمر حراس القصر بطردها .

بعدها بايام كان الحاكم (خادم الشعب) في جولة مع وزرائه ، ومستشاريه ، ليتفقد فيها احوال العباد ، فإذا به يرى حشودا من القطط تسد الطريق ، وتتسلق الاشجار ، وتعلو اسطح البيوت ، فسأل افراد الحاشية ، فاجابه احدهم "انها قطط ضالة ، وسنعمل على طردها" .

في اليوم التالي استيقظ الحاكم (خادم الشعب)  على هرج ومرج ، فإذا به يرى القطط وقد ملئت ممرات القصر ، وغرفه ، وحدائقه . فاستدعى مستشاريه ليجدوا حلا . فكان الرأي قتلها . فنادى المنادي بالامر الصادر لقتل القطط ، ومن يخالف ذلك فمصيره السجن .

فخلت المدينة من القطط ، بعد ان كانت قد خلت قبل ذلك  من الكلاب .

فعاد الهدوء الى القصر ، وعاد الحاكم (خادم الشعب) لينام مرتاح البال ، من المزعجات .

لم تمض الا ايام ، وفي ليلة حالكة السواد ، استيقظ الحاكم (خادم الشعب) فزعا ليرى في غرفة نومه ، وحول سريره اعدادا هائلة من الفئران ، تمرح ، وتتجول في غرفة نومه . بل انها ملئت ممرات القصر ، وغرفه ، وحدائقه . وجاءه من يبلغه ان الفئران عاثت في المدينة فسادا . ولم تبق لااخضرا ، ولا يابسا .

وجاء الوزير الاول فزعا ، لينقل له ما حل بالمدينة وبأهلها .

امر الحاكم (خادم الشعب) بإستدعاء الوزراء ، والمستشارين فورا ، كما طلب حضور اهل الحكمة والرأي من عامة الشعب ، وكان هؤلاء قد استبعدوا ، ومنعوا من دخول القصر ، لانهم اتهموا اهل الحاكم (خادم الشعب) ، ووزراءه ، ومستشاريه بانهم اصل البلاء الذي حل بالبلاد .

حظر الوزراء والمستشارون ، ورفض اهل الحكمة ، والرأي ، الحضور .

طلب الحاكم (خادم الشعب) الرأي ، والحل ، من وزرائه ، ومستشاريه ، فلم يحر احدهم جوابا . كانوا يعلمون السبب ، هموا كانوا السبب ، اذ نصحوا الملك بقتل الكلاب ، فتغولت القطط ، ولما قتلت هذه ، جاءت جيوش الفئران ، لتعيث في الارض فسادا .

عندها ادرك الحاكم (خادم الشعب) ، ان مستشاريه مستشاروا سوء ، فأمر بعربته ، لينزل الى المدينة ، يستنجد باهلها ايجاد الحل . فجاءه شيخ حنت السنوات ظهره . وقال له : الحل ياسيدي ان تعود القطط الى المدينة ، فالفئران لاتعيث في الارض فسادا ، الا اذا غابت القطط (غاب القط العب يافار) . ولكن ما العمل اذا تغولت القطط ، تسآل الحاكم (خادم الشعب) ؟ فرد عليه الشيخ : الكلاب ياسيدي كفيلة بردعها . فقال الحاكم (خادم الشعب) : ولكن ايها الشيخ ما العمل اذا عاد نباح الكلاب يزعجنا ؟

فقال الشيخ : اعلم ياسيدي ان الكلاب لاتنبح الا على لص يسطو على بيت آمن ، او على ثعلب يتسلل الى حضيرة دواجن . واعلم انه اذا زاد النباح ، فاعلم ان كل شيء صار مستباح . والحل ليس بطرد الكلاب ، ولكن بأن يخضع كل مستحل للحقوق ، والاعراض للحساب .

فقال الحاكم (خادم الشعب) : الآن فهمت سر الحكم ، الحاكم (خادم) لكل الرعية ، وليس لفصيل منهم .