التفاصيل
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ونسبة تمثيل النساء في مجالس المحافظات /هادي عزيز علي

المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ونسبة تمثيل النساء في مجالس المحافظات /هادي عزيز علي

2010-02-08 10:00:00

أصدرت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات النظام رقم (15) لسنة 2008 المتضمن الآلية التي يتم بموجبها توزيع المقاعد على المرشحين وحسب الاصوات التي سيحصلون عليها , وذلك تنفيذاً لأحكام قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي رقم (36) لسنة 2008 . وعند اجراء قراءة للنظام المذكور نجده يحتوي على عيوب قانونية , أبرزها طريقة احتساب نسبة تمثيل النساء في المجالس المذكورة , التي قد لاتصل الى نسبة 25 بالمائة المقرة دستورياً .

ان المساس بهذه النسبة من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ليس له سند في القانون , ويتعارض مع قاعدة دستورية امرة . كما انه يخالف نص الفقرة ثانياً من المادة (13) من القانون رقم (36) لسنة 2008 , الذي ألزم بأن تكون إمرأة في نهاية كل ثلاثة فائزين بغض النظر عن الفائزين الرجال , وأغفل ايضاً الأخذ بأحكام الفقرة ثانياً من المادة 15 من القانون ذاته فيما خص فقدان العضوية .

كما ان المفوضية لم تأخذ بعين الاعتبار التفسير الذي اصدرته المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 13/ت/2007 والمؤرخ في 31/7/2007 , الصادر بناء على استفسار من رئاسة مجلس النواب حول امكانية فرض نسبة تمثيل النساء في قانون المحافظات على وفق أحكام المادة (14) من الدستور , إذ وجدت المحكمة الاتحادية العليا ان القواعد التي تتبع في تفسير أي مادة من تشريع ما , توجب دراسة كل مواد ذلك التشريع وصولا الى فلسفته وهدفه . وقد وجدت المحكمة الاتحادية العليا ان المادة (49/رابعاً) من الدستور تنشد وتستهدف تحقيق نسبة تمثيل للنساء لا تقل عن الربع من عدد أعضاء مجلس النواب , وهو ما يجب العمل به في مجلس المحافظة المنتخب , نظراً لوحدة الهدف والاختصاص في المجال التشريعي , وان هذا المبدأ لا يتقاطع مع المبدأ المنصوص عليه في المادة (14) من الدستور , بل يأتي منسجماً معه في المرحلة الحاضرة .

لقد جاء تفسير المحكمة الاتحادية العليا منسجماً لما توصل إليه الفقه الدستوري في تعريف (التفسير) , الذي يقول بأنه : ( توضيح ما أبهم من الفاظ التشريع واكمال ما اقتضب من نصوصه , وتخريج ما نقص من أحكامه , والتدقيق بين اجزائه المتناقضة ) . وفي تعريف أخر لتفسير القاعدة الدستورية بأنه تحديد معناها عن طريق ازالة غموضها وبيان مداها عن طريق استكمال نقائصها , بعد الوقوف على المعنى الظاهر المباشر لألفاظ النص الدستوري . لقد وجدنا ان المحكمة الاتحادية العليا اضافة لما تقدم , قد التزمت بالوسائل المتعارف عليها في فقه الدستور لتفسير النص الدستوري , والمتطور منه على وجه الخصوص .

لقد استعملت المحكمة الاتحادية العليا طريقة الاستنتاج المنطقي كوسيلة للتفسير الداخلي , ومضمونها الغوص في الدلالات اللفظية للنص وتراكيبيه الاصطلاحية واستشراف غاية المشرع وقصده من النص , بعيداً عن الطريقة التي تعتمد على النص فقط والمسماة (الشرح على المتون) . وعند قراءتها لنص المادتين (14) و(49/رابعاً) تمكنت من تلمس قصد المشرع ووجدت ان مايجب العمل به في مجلس المحافظة هو ذات الهدف الذي قصده المشرع في المادة (49/رابعاً) من الدستور .

كما ان المحكمة الاتحادية العليا كانت على وعي تام بالمهمة الموكلة اليها . فقد استخدمت اكثر من طريقة ضمن الوسيلة الداخلية للتفسير . ويمكن القول انها قد طبقت طريقة الاستنتاج من باب اولى . ومفادها ان الدستور قد حدد نسبة ادنى للنساء في مجلس النواب , فمن باب اولى ان تكون تلك النسبة في مجالس المحافظات , لا بل حتى ان الاستنتاج بطريقة القياس ينطبق على ما قامت به المحكمة المذكورة للوصول الى التفسير المطلوب والمستوفي لكل المعايير والوسائل المعتمدة في التفسير .

لما تقدم يمكن ان نستنتج الاتي :

1-  ان التفسير الذي اصدرته المحكمة الاتحادية العليا المشار اليه اعلاه ملزم للسلطات كافة , وهو بات وعنصر الالزام فيه واجب حتى ولو لم يرد في قانون انتخاب مجالس المحافظات نص حول نسبة تمثيل النساء . وعنصر الالزام جاء في نص المادة ( 94) من الدستور . ويذهب كثير من الفقهاء الى اعتبار التفسير الذي تصدره المحاكم الدستورية بمثابة تشريع يوجب النشر في الجريدة الرسمية .

2-  والتفسير هو كاشف للنص الدستوري وليس منتشئاً له , لذا فانه لا ينشىء قاعدة دستورية جديدة , بل هو يقوم بازالة الابهام والغموض عن النص الدستوري , عليه فان سريان التفسير يبدأ من تاريخ سريان النص الدستوري وليس من تاريخ صدور التفسير , لذا فان نسبة تمثيل النساء في مجالس المحافظات ثابت بموجب قاعدة دستورية ونافذ من تاريخ نشر الدستور في الجريدة الرسمية في 28/12/2005 .

3-  تعتبر الاحكام القضائية واجراءات الجهات ذات العلاقة في تطبيق النص الدستوري السابق لصدور التفسير والمخالفة له ملغية , لانها صدرت خلافا ً للنص الدستوري وخطأ في فهمه .

  لما تقدم فان النظام الصادر عن المفوضية العليا المستقلة للانتخاب المرقم (15) لسنة 2008 , وبقدر تعلق الامر بنسبة تمثيل النساء في مجالس المحافظات :

1.   مخالف لاحكام الدستور المادتين (14) و (49/ رابعا ً )

2.   مخالف للقرار التفسيري المرقم 13/ت/2007 في 31/7/2007 الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا والملزم لكافة السلطات بموجب احكام المادة (94) من الدستور.

3.   مخالف لاحكام قانون انتخاب مجالس المحافظات والاقضية والنواحي رقم (36) لسنة 2008 قانون , كما يلي :

أ‌-     عدم الالتزام بنسبة تمثيل النساء في مجالس المحافظات الواردة في الفقرة ثانيا ً من المادة (13) وكذلك الفقرة ثانيا ً من المادة (15) من القانون المذكور .

ب – مخالفة لنص المادة (48) منه الذي خول المفوضية باصدار التعليمات لتسهيل تنفيذ احكامه , الا انها وبدلا ً من اصدار التعليمات قامت باصدار نظاما ً , وهذا ما لم يخولها القانون به .

4- خالفت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات احكام قانون النشر في الجريدة الرسمية رقم (78) لسنة 1977 المعدل بالقانون رقم (34) لسنة 2007 , الذي الزم بوجوب نشر الانظمة والتعليمات في الجريدة الرسمية . ان السير خلاف ذلك يعطل الاحكام الوارد فيه , اضافة لكونه مخالفة قانونية تعطل مبدأ جهل الشخص بالقانون , لان النشر في الجريدة الرسمية يحقق مبدأ عدم افتراض جهل الشخص بالقانون , لذا فان وضع النظام في ادراج الهيئة او نشره بغير الطريق المرسوم قانونا ً لا يحقق الغاية من تشريعه .