التفاصيل
معايير استقلالية القضاء

معايير استقلالية القضاء

القاضي زهير كاظم عبود

2015-02-16 01:04:00

في خطوة ايجابية مثلت معاني عديدة قام رئيس الوزراء حيدر العبادي بزيارة رئيس السلطة القضائية القاضي مدحت المحمود، وذلك للتدليل على التنفيذ الحقيقي لنص المادة (87) من الدستور الناص على استقلالية السلطة القضائية، وان القضاة مستقلون في قضائهم لا سلطان عليهم في عملهم غير القانون.

ولما كان النظام الدستوري العراقي يعتمد مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فقد كان لزاما على كل تلك السلطات أن تعتمد التطبيق الفعلي والعملي في هذا الجانب، بدءا من التشريعات التي تصدرها السلطة التشريعية، وانتهاء بالعمل والتعامل اليومي للسلطة التنفيذية، ومن خلال الآليات الفاعلة سواء في التعليمات أو الثقافة التي تدعو الى تعزيز هذه الاستقلالية، حيث أن اعتماد مبدأ فصل السلطات يعني اعتماد مبادئ الديمقراطية التي أشار إليها الدستور، ومن بين أهم اسسها حكم الأكثرية والالتزام بالحقوق والحريات التي نص عليها الدستور وسيادة حكم القانون. وفق هذا الأساس فإن اعتماد الدولة مبدأ فصل السلطات يعني اعتمادها على مبادئ الديمقراطية بشكل عام وما يستوجبه هذا الاعتماد من التزامات وإيمان فعلي بهذه المبادئ.

كما ان استقلالية القضاء العراقي التي اكد عليها الدستور العراقي لسنة 2005 في الفقرة (أولا) من المادة (19) وعاد ليؤكدها في المادة (87) منه، ليست لها أية قيمة فعلية ما لم تقترن بالقناعة الوجدانية والفعل وبالايمان الصادق بضرورة هذه الاستقلالية، على أن لا يغيب عن بالنا أن جميع السلطات والانظمة السابقة التي تعاقبت على حكم العراق قبل 2003 كانت دساتيرها الدائمة أو المؤقتة تنص على استقلالية القضاء قولا لا فعلا، بقصد إضفاء شعارات على حكمها وخرقها لكل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، وانتهاكها لأبسط معاني تلك الاستقلالية وهو ما حدث احيانا للأسف من خلال عدم فهم واستيعاب البعض لمعنى استقلالية القضاء، لأن تطبيق نظرية فصل السلطات واستقلالية القضاء يؤكدان على اعتماد مبادئ الحرية الإنسانية في المساواة أمام القانون، وأن يكون القانون هو الأرضية التي تعتمدها الدولة في مسارات الحياة.

إن هذه الاستقلالية لا تعني الانسلاخ عن منظومة العمل الدستوري، إلا أنها تعني عدم تعدي أو تجاوز أي منها على الأخرى.

وهذه النظرية تعطي الاستقلالية والحرية للسلطة القضائية بما يتيح لها ممارسة دورها المهم في بناء دولة القانون وترسيخ مبادئ العدالة، كما يعطي للسلطة القضائية القدرة على الحركة وحرية الأداء والتطور ضمن دائرتها، بالإضافة الى عدم تأثرها بالمواقف السياسية للسلطة التنفيذية، ودون ان تتقيد بمراقبة كلا السلطتين أو تدخل أي منها في عملها أو في قراراتها، وبهذا تضمن ليس فقط قدرتها في التطبيقات القانونية السليمة للقوانين، وليس فقط حسم القضايا وتطبيق معايير العدالة والقانون بحيادية وعدالة، وإنما تمكن المواطن من مقاضاة أي مركز من مراكز السلطتين التشريعية أو التنفيذية أمام القضاء في حال شعوره بخرق الدستور أو العمل بما يخالف النصوص القانونية، ما يدفعها للتطور والإبداع في عملية البحث والاستنتاج، وإيجاد القواعد القانونية المتناسبة مع الظروف، ولهذا يعد استقلال القضاء من المقومات الأساسية التي تساهم في تثبيت دعائم العدالة والقانـون، وفـي رفـع مستـوى الأمن وتجسيد مفهوم الاستقـلالية.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاطمئنان الى قضية الحقوق إلا بوجود قضاء مستقل.

زيارة رئيس السلطة التنفيذية الى مقر السلطة القضائية يؤكد احترام هذه السلطة ويؤكد استقلاليتها، وهو معيار مهم من معايير العلاقة المنسجمة بين السلطات، الا ان تلك الزيارة يجب ان تؤكدها التعليمات والأوامر التي تبجل القضاة، وتعمل على تقديرهم، وان تشيع ثقافة احترام القانون، وأن نساند القضاء في محاربة الجريمة والفساد والطائفية والمحسوبية وكل ما يخالف القانون، وان نؤكد على أن جميع العراقيين متساوون أمام القانون، مهما كانت وظائفهم أو مراكزهم السياسية، وان نوفر لهم ولمقرات عملهم الحماية اللازمة.

واذا كان الدستور هو المفصل الرئيس الذي يمثل القانون الاسمى في البلاد، فإن القضاء يعني الالزام والفصل وإقامة العدل، ويشكل إشارة لها دلالة على نجاح الشعوب وتطورها، وبأن القضاء سبب من أسباب أمنها واستقرارها، ومقياس اكيد في هذا الجانب، لأنه ملاذ الناس لتحقيق العدالة والفصل في حل النزاعات والحكم بين المتخاصمين، ولا يمكن أن يكون هناك تطبيق حيادي وسليم بغير القضاء، ومن يلتزم من الحكام باستقلالية القضاء فإنما يعزز من سلطته قبل أن يدلل بما يؤكد احترامه للقضاء، ويثبت مكانة القضاء حين يتقدم لتفقد القضاء ورعايته ومساندته.

وإذ تؤكد السلطتان التنفيذية والتشريعية في الحكومة الاتحادية وفي إقليم كردستان العراق على مساندة السلطة القضائية، فانهما تسعيان الى متانة الركيزة الأساسية في تحقيق العدالة.