التفاصيل

درء المفاسد ، وجلب المنافع ، ودورهما في التشريع والقضاء

فتحي الجواري

2015-02-25 10:04:00

مقالة مهداة الى استاذنا القاضي مدحت المحمود رئيس المحكمة الاتحادية العليا والسادة اعضاء المحكمة ، الذين علموا  ، وعقلوا ، وتدبروا ، وفكروا ، وابصروا ، فانصفوا القضاة واعضاء الادعاء العام المتقاعدين

فتحي الجواري

اذا اردنا ان نبرزالطابع المميز لقضاء المحكمة الاتحادية العليا ، فاننا لن نتجاوز الحق ، اذا قلنا انه يتجه بشكل واضح ، الى ما يطلق عليه الفقهاء المسلمون (درء المفاسد ، وجلب المصالح) ، الذي هو القصد الاسمى الذي تهدف اليه الشريعة الاسلامية ، ويجب ان تهدف اليه القوانين ، وبالتالي القضاء . واني لا اريد ان اطيل واسرف في القول ، فلن استشهد بالآيات القرآنية ، ولا بالاحاديث النبوية ، التي تدل على ذلك ، ولن اورد العلل التي تثبت الاسس التي اعتمدها الفقهاء ، في البناء الشامخ الذي اقيمت على اركانه وقواعده اسس (درء المفاسد ، وجلب المصالح) .

ونحن لا نختلف في القول ، ان هدف القانون هو رعاية المصلحة في المعاملات بين بني البشر ، وكما فعلت الشريعة الاسلامية ذلك ايضا . بل ان الشريعة الاسلامية ذهبت الى ابعد من ذلك ، حين استهدفت المصلحة المتوخاة في العبادات ايضا . فهذا امام الامة (علي بن ابي طالب) يبين لنا المصلحة فيما فرضه الله علينا من عبادات فيقول : " فرض الله الايمان تطهيرا من الشرك ، والصلاة تنزيها من الكبر ، والزكاة تسببا للرزق ، والصيام ابتلاءا لاخلاص الخلق ، والحج تقربة للمؤمنين بعضهم من بعض ، والجهاد منعة وعزا للاسلام ، والامر بالمعروف مصلحة للناس ، والنهي عن المنكر ردعا للسفهاء ، والقصاص حقنا للدماء ، وإقامة الحدود إعظاما للمحارم ، وترك شرب الخمر تحصينا للعقل ، ومجانبة السرقة ايجابا للعفة والامانة ، وترك الزنا تحصينا للشرف والنسب، وشرع الاسلام أمانا من المخاوف ، والامانات نظاما للامة" . وهكذا نجد ان وراء  كل فريضة سواء أكانت آمرة أم ناهية مصلحة ترجى . فهذا في العبادات ، فكيف الحال في المعاملات ؟

يكاد يجمع علماء الشريعة والقانون على اهمية ، وضرورة الاتجاه نحو المصلحة ، ما لم يرد نص ينفيها ويستبعدها . فقد بينوا في اكثر من موضع ان النصوص متناهية ، ووقائع الدنيا وحاجاتها غير متناهية . كما وجدوا ان النصوص مبنية على مقاصد ومصالح ، وهذه المقاصد والمصالح هي العلة والسبب في وضع تلك النصوص . فكان لزاما على رجال الشريعة والقانون والقضاء ، ان يجعلوا من ذلك مرجعا لهم ، ما لم يرد نص يسد الطريق امامهم . ومادام الاصل ان الشريعة والقانون يقومان على جلب المنفعة للناس في حدود مقاصد الشريعة والقانون . "فاينما وجدت المصلحة فثم شرع الله" .

فاصبح لزاما علينا ان نتخذ المصلحة دليلا نركن اليه في بناء الاحكام ، لنستطيع مواجهة مشاكل الحياة على تشعبها ، وتفاوتها ، وتبدلها ، ما دامت لاتخالف القانون وقواعده .

فالمقصود من التشريع انما هو تحقيق المصلحة اولا واخيرا . وان الادلة الاخرى تعتبر من قبيل الوسائل لتساعد على التوصل الى المصالح الحقيقية لبني الانسان . فالمقاصد اولى بالرعاية من الوسائل . وما كان للوسائل ان تأخذ منزلة الصدارة ، على الاهداف والغايات .

اليست هذه الاسس ، والقواعد ، استنها مشرع قانون الاثبات العراقي ، لتكون منهجا للقضاة ، بما يكفل التطبيق السليم للقانون ، وصولا الى الحكم العادل ؟

والامر الذي لاخلاف فيه ، هو انه ليس هناك انفصال بين الاحكام وحاجات الناس ، وشؤونهم ، ومصالحهم . لذلك لابد ان تساير الاحكام شؤون الناس ومصالحهم مادام ذلك يتفق مع روح الشريعة ، ويساير اتجاهاتها ، التي اساسها تحقيق اليسر ، ورفع الحرج ، واتقاء الضرر .

الم يقرر مشرع القانون المدني العراقي انه (لاينكر تغير الاحكام بتغير الازمان) ؟

ثم الم يجعل مشرع القانون المدني العراقي من (قواعد العدالة) ، من بين الاسس التي يمكن للمحكمة ان تستند اليها في احكامها ؟ 

لذلك فالاحتجاج بالمصلحة ، وبناء الاحكام عليها ، هو النهج السليم الذي يجب ان نختطه في كل زمان . فتلك هي (الجذوة المضيئة) في اسس القانون التي يتحقق من ورائها ما يرجى ، من خير للناس كافة .

ولا نختلف ان المصالح لاتكون لها الاولوية دائما ، فالمصلحة التي يراد الاخذ بها ، يجب ان تحقق اكبر قدر من المصالح ، وتمنع اكبر قدر من المفاسد ، وذلك في ضوء حاجة الناس ومصلحتهم . فمشرع القانون المدني العراقي قرر وجوب (درء المفاسد) واعتبرها (أولى من جلب المنافع)  . 

فأية مفسدة يجب ان تدرأ ، اعظم من تلك المفسدة ، التي جعلت قاضيا ، عالما ، فقيها ، هو استاذنا الدكتور عبد الرزاق عبد الوهاب ، احد رؤساء محكمة التمييز السابقين ، يتقاضى راتبا تقاعديا هو بضعة مئات من الدنانير تعد على اصابع اليد الواحدة ، وهو ذلك الرجل الذي افنى عمره ، وزهرة شبابه يخدم القضاء ، وينصف الناس ، فلم يجد من ينصفه ، بعد تشريع البند (رابعا) من المادة (35) من قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 الخاص برواتب القضاة واعضاء الادعاء العام ، إذ اضافة لمخالفة هذا النص السياقات الدستورية المعتمدة في التشريع ، فانه اهدر حقوق القضاة واعضاء الادعاء العام المتقاعدين ، وعيالهم ، وهم فئة احوج ما تكون للرعاية ، لتوفير سبل العيش الكريم لهم ولعيالهم . فهل من المصلحة ، والوفاء ، ان لربما قد تضطر الحاجة رجلا مثل الدكتور عبد الرزاق عبد الوهاب ، ان يلجأ للعمل في المحاماة ليسد متطلبات الحياة له ولعياله ، بعد ان بلغ من العمر عتيا (اطال الله في عمره) ، وبعد ان كان قد امضى سنوات عمره يخدم الناس من خلال عمله القضائي . وهل من الانصاف ان ذلك النص الظالم قد يلجيء  امرأة فاضلة هي زوجة لقاض فاضل هو استاذنا المرحوم ضياء شيت خطاب ، ان تشكو الحاجة ، بعد ان خفض ذلك النص حقوقها التقاعدية ؟ هل يجوز هذا ؟

هذان علمان من اعلام القضاء ، اصابتهم مظلمة هذا النص القانوني ، ولحقهم ضيمها ، والمقام لا يسمح ، بأن استطرد لاسرد اسماء اعلاما اخرى ، اصابتهم تلك المظلمة ! ولحقهم ذلك الضيم !

الا ان الله سبحانه ، قيض للمظلومين ان يدرك رجال ما قرره الدستور الاصلي (القرآن) من مباديء العدالة والحق حين خاطب : الذين يعلمون ... فكان اولئك الرجال  هم من الذين يعلمون ، وخاطب الذين يعقلون ...فكانوا هم من الذين يعقلون ... ، وخاطب الذين يتدبرون ... فكانوا هم من الذين يتدبرون ، وخاطب الذين يفكرون ... فكانوا هم من الذين يفكرون ، وخاطب الذين يبصرون ... فكانوا هم ، (والحمد لله اولا وأخيرا) من الذين يبصرون ...

ابقاهم الله ذخرا للعدل والحق ولكل من يشكوا مظلمة .