التفاصيل
مشروع قانون هيئة العدالة و التوازن الوطني والسكاني تهديد أخر لاستقلال القضاء /هادي عزيز علي

مشروع قانون هيئة العدالة و التوازن الوطني والسكاني تهديد أخر لاستقلال القضاء /هادي عزيز علي

2010-02-08 11:00:00

القضاء مستقلون , ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون , ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء او الشؤون العدالة , كما وان السلطة القضائية مستقلة , تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها , وتصدر أحكامها على وفق أحكام القانون . كما ان هناك مبدأ آخر هو مبدأ الفصل بين السلطات تلك هي مبادئ التي جاء بها الدستور بشأن استقلال القضاء , الذي يعني عدم جواز التدخل في شؤون القضاء بصورة مباشرة او غير مباشرة , معنويا كان التدخل أم ماديا , ولكي يكون القضاء ناجعا فلابد من امتناع القضاة من القبول او الخضوع لأي تدخل , وليس لهم سوى الخضوع الى سلطان القانون والضمير , بل لابد من تضافر جهود السلطتين التشريعية والتنفيذية , إضافة الى مؤسسات المجتمع المدني .

 

إلا ان المشروع قانون العدالة والتوازن الاجتماعي للسلطات يشكل تهديدا فاعلا لاستقلال القضاء , وقيدا جديدا يضاف الى القيود الأخرى المكبلة لذلك الاستقلال . والوقوف ولو – بشكل سريع –  على المبادئ العامة التي جاء بها المشروع وتحليلها , لابد من ذكر أحكام المادة (3) منه التي تنص على الأتي :

(تملك الهيئة العامة بقوة القانون سلطة النظر بهيكلية دوائر الدولة , واعتماد مبدأ التوازن والكفاءة في إدارة البلاد , وتوزيع المسؤوليات والتوظيف في الدوائر الحكومية والمؤسسات العسكرية والأمنية , بما يحقق العدالة في المشاركة وتحسين مستوى الأداء المهني , وفق الدستور والقوانين النافذة). ومن هذا النص يتضح الأتي :

 

أولا :- ان الهيئة التي سوف تؤسس بموجب مشروع القانون هذا , هيئة مستقلة تتربع على قمة الهرم الإداري للدولة , مزودة بصلاحيات قانونية , ذات قواعد أمرة , تمكنها من بسط نفوذها على الدوائر الدولة كافة , بما في ذلك المؤسسات العسكرية والأمنية , وتمتد اذرع سلطاتها الى مجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى , وعلى وفق منطوق المادة المذكورة فليس لتلك الدوائر والمؤسسات والسلطات سوى الطاعة لأوامر ولوائح الهيئة المذكورة , ما دام مشروع القانون قد منحها صفة العلوية على دوائر الدولة كافة , بما في ذلك السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية .

 

ثانيا : التوازن

وفق المبادئ التي جاء بها المشروع مبدأ (التوازن ) في إدارة البلاد , والمقصود بالتوازن هنا هو التوازن الوطني والسكاني وبعبارة أدق هو توازن الطائفي والاثني والعرقي .

وللوقوف على حجم ذلك التوازن في دوائر الدولة ومؤسساتها , فلابد التهيئة في إجراء دراسات وبحوث ومسوحات لكل دائرة من دوائر الدولة , ولكل مؤسسة عسكرية او أمنية , لمعرفة حجم تلك التشكيلات ونسبها من حيث الدين والطائفة والعرق . ونتائج تلك الدراسات والبحوث والمسوحات تعطي للهيئة صورة عن دوائر الدولة والأطياف المشكلة فيها . وفي ضوء تلك النتائج , وعلى وفق مشروع القانون , فان الهيئة سوف تبدأ مشروعها التنفيذي وتضع الخطط والبرامج لذلك.

 

ثالثاً : توزيع المسؤوليات

في ضوء ما يتحقق للهيئة من نتائج فإنها تقوم بتوزيع المسؤوليات والتوظيف في الدوائر الدولة الحكومية والمؤسسات العسكرية والأمنية , فمثلا تتدخل الهيئة في التشكيلات هيئة الأركان في الجيش وتوزيع الأدوار فيها حسب الطوائف والملل . كما إنها تدخل الى  المختبرات  وزارة العلوم والتكنولوجيا وتوزع المهام على الباحثين والعلماء على أسس الطائفية والاثنية والقومية ,فتولي الشيعي مثلا بحوث الطاقة الشمسية ، والسني بحوث النفط , والكردي بحوث الزراعية , وهلم جرا . ولا نعرف فيما إذا كان احد العلماء من إحدى التشكيلات لم تحقق فئته نسبة معينة في دائرته , فهل يعفي من مهام البحث لعدم انطباق التوازن عليه ؟

استناداً لما تقدم وقبل الوقوف على الأثر السلبي للمشروع على استقلال القضاء , لابد من اطلاع على النصوص والممارسات التي تقيد استقلال القضاء , التي يشكل المشروع هما مضافا لذلك الاستقلال .

 

النصوص الدستورية والممارسات من استقلال القضاء:

 

أولا :- النصوص

1- حكم الفقرة خامسا من المادة (61) التمييز الدستور : تخول مجلس النواب الموافقة على تعيين رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي . ومعلوم ان إعطاء السلطة التشريعية تلك المهام هو تدخل في شان السلطة القضائية , خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار التركيبية الحالية لمجلس النواب , الأمر الذي سيجعل التعيين بعيدا عن الاعتبارات والمعايير المهنية , وتدخله ضمن معايير المحاصصة .

2- أحكام المادة 61 / سادساً / ب من الدستور : تخضع أحكام المحكمة الاتحادية للتصويت عليه بالأغلبية المطلقة . وهذا يعني ان للسلطة التشريعية صلاحية تنفيذ او إيقاف تنفيذ حكم المحكمة الاتحادية , وهذا سابقة خطيرة في التشريعات وإلغاء تام لمبدأ حجية الأحكام . فما قيمة الحكم الذي تصدره المحكمة إذا لم يصادق عليه مجلس النواب !

3- المادة 91 / ثالثاً من الدستور بشان الموازنة السنوية : استقرت الأحكام والنصوص القانونية والدراسات الفقهية على استقلال القضاء يشمل محاور ثلاثة, الأول هو الاستقلال المؤسساتي , والثاني الاستقلال المالي , والثالث الاستقلال في إصدار الأحكام . وأي تعرض لواحد من تلك المحاور يجعل استقلال القضاء معيباً . ان حكم الفقرة ثالثاً من المادة 91 من الدستور توجب عرض الموازنة السنوية للسلطة القضائية الاتحادية على المجلس النواب للموافقة عليها . و هذا يعني تدخل السلطة التشريعية في المحور الثاني لاستقلال القضاء , وهنا يثار السؤال التالي : كيف للسلطة القضائية ان تؤدي أعمالها في حالة عدم مصادقة مجلس النواب على الموازنة السنوية ؟

4- الفقرة ثانيا من المادة 92 من الدستور : التي تنص على ان المحكمة الاتحادية العليا تتكون من ( عدد من القضاة وخبراء الفقه الإسلامي ...) , وها هو الدستور يحشر رجال الدين في الحكم القضائي , وبذلك يجعل الأحكام بعيدة كل البعد عن مفهوم استقلال القضاء , وغيرها من النصوص الأخرى .

 

ثانيا : القضاء الرديف :

   يحدث ألان وبشكل ملموس الفصل في المنازعات من قبل العشائر بموجب أحكام سار عليها العرف , وسابقة حتى لنظام دعاوي العشائر الصادر سنة 1918 , إضافة الى قضاء المؤسسة الدينية . ان وجود القضاء الرديف يحول دون وجود قضاء مستقل .

         

   المعايير الدولية والإقليمية والوطنية لتعيين وعمل القضاة

 

أولا : المعايير الدولية

أ – المبادئ التي أقرتها الأمم المتحدة المتعلقة بمؤهلات القضاة واختيارهم:

1- من ذوي النزهة والكفاءة

2- من الحاصلين على المؤهلات مناسبة في القانون

3- لا يمكن ان يتم اختيار القضاة على أسس غير سليمة

4- لا يجوز ان يتعرض اختيار القضاة او عملهم الى التمييز على أساس العنصر او اللون او الدين او الجنس او الآراء السياسية

5- تعيين القضاة وتوكيل العمل لهم وترقيتهم وتأديبهم حتى انتهاء عملهم لآي سبب كان هو مسالة داخلية تختص بها السلطة القضائية التي ينتسبون إليها

 

ب – ميثاق القضاة الأوربيين

تنص المادة (4) من ميثاق القضاة الأوربيين ممكن اختيار القضاة على وفق معايير مهنية موضوعية تعتمد مبدأ الكفاءة المهنية ومن قبل جهاز قضائي مستقل يمثل القضاة وان لا يكون لأي طرف خارجي وعلى وجه الخصوص السياسي أي دور في عملية الاختيار والتعيين

 

ثانياً: المعايير الإقليمية

أ – إعلان بيروت لسنة 1999

1- المادة 11 من الإعلان : يكون اختيار القضاة على نحو يحول دون التمييز بينهم لاعتبار مرده العنصر واللون او الجنس او العقيدة ... او الانتماء السياسي او أي اعتبار أخر.

2- ان يعيين في وظيفة القضاء من تتوفر فيه الشروط الموضوعية لتوليها دونما تمييز وان يتم هذا التمييز وان يتم هذا التعيين عن طريق المجالس العليا للهيئات القضائية المعنية (المادة 12)

3- ان المادة 14 من الإعلان تنص على : ان يحدد القانون قواعد تعيين القضاة وندبهم ونقلهم وإعادتهم و ترقيتهم  وتأديبهم وغير ذلك مما يتصل بشؤونهم وعلى الأخص القواعد التي تؤمن معاشهم إثناء توليهم وظائفهم وعند إحالتهم على التقاعد وبما يضمن في كل الأحوال استقلال شؤونهم عن السلطة التنفيذية .

4- المادة 32 : دعم الحقوق التي أحرزتها المرأة العربية في مجال القضاء والعمل على بسطها وتخليص التشريعات القائمة من العوائق التي تحول دون ممارسة هذه الحقوق او تقييد مباشرتها

 

ب – إعلان القاهرة 2003

من ضمن التوصيات التي اقرها إعلان القاهرة الذي عقده المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة بالتعاون مع مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة (مؤتمر العدالة العربي الثاني في القاهرة)

التوصية التالية:

(إعادة النظر في الطرق المتبعة في التعيين وترقية وتأديب القضاة من اجل ضرورة تحقيق المزيد من الشفافية والموضوعية , وايلاء الشأن القضائي كاملا الى المجالس القضائية العليا

 

ج – وثيقة الرياض حول أخلاقيات وسلوكيات القاضي العربي

ورد في وثيقة الرياض الصادرة عن الاجتماع الخامس عشر لعمداء ومديري المعاهد والمراكز القضائية للدول العربية المنعقدة في الرياض نيسان 2007 وفي نص الديباجة :

من اجل ذلك ترسخت في ضمائر الحريصين عن حقوق الإنسان وسيادة القانون ومبادئ العدالة والحرية والمساواة من كافة الأمم والشعوب الكثير من الأدب والقيم والأعراف التي يجب ان تحكم سلوك القاضي , (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان – الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية ومشروع مجموعة قواعد بانجلور – للسلوك القضائي) حيث وضعت تلك الوثيقة عن مبادئ لسلوك القاضي :- الاستقلال , النزاهة , الاستقامة , اللياقة , المساواة , الكفاءة والعناية . حيث ورد في الفقرة (1) من مبدأ الاستقلال القول بان القاضي يمارس مهمته بكيفية مستقلة في تقديره للوقائع وتطبيقه للقانون . دون تأثير خارجي او تحريض او ضغط او تدخل مباشر من أي طرف كان ولأي سبب كان .

 

ثالثاً : المعايير الوطنية والمشروع

1- ان هذا المشروع يتقاطع تماما مع مبدأ الفصل بين السلطات , الواردة أحكامه في المادة (47) من الدستور , التي تقول ان السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تمارس اختصاصها ومهماتها على أساس الفصل بين السلطات .

2- ان هذا القانون يتعارض وأحكام المادتين 87 و88 من الدستور , القائلتين باستقلال السلطة القضائية والقضاة , ولا يجوز لأية سلطة التدخل في شؤون القضاء وفي شؤون العدالة . ولما كانت الهيئة , وحسب وصف مشروعها , تندرج تحت خانة السلطة التنفيذية , ولما كانت السلطة التنفيذية ممنوعة قانونا من التدخل في شؤون القضاء , لذا فان هذا القانون غير دستوري , قدر تعلق الأمر بالقضاء لتعارضه مع نص المادتين المذكورتين.

3- ان مشروع القانون هذا وقدر تعلق الأمر بالسلطة القضائية – يصادر الحريات - ,ولا يمكن تصور وجود الحرية وع قضاء غير مستقل . ولا باس ان نذكر في هذا الصدد بقول الكسندر هاملتون احد واضعي الدستور الأمريكي : (لا وجود للحرية من دون فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية والتشريعية).

4- ان المبادئ التي اعتمدتها الأمم المتحدة الخاصة بالاستقلال القضاء في القرار المرقم 40/46/ في 13/12/1985 , والمبادئ الخاصة بميثاق القضاء الاروبيين , وكذلك مبادئ رابطة القضاة الدولية , واتفاقية الرياض لسلوك القاضي العربي , كلها تعتمد المعايير الموضوعية المبنية على أساس الكفاءة المهنية , التي توضع من قبل كيان قضائي مستقل يمثل القضاة , وليس على أساس مبدأ التوازن الوطني السكاني , كما يدعو إليه المشروع القانون .

5- ان قانون التنظيم القضائي العراقي اعتمد مبدأ المواطنة لاختيار القضاة ولم يعتمد مبدأ الطائفية او الاثنية او العرق , حيث وضع شرطة الأول لتسنم منصب القضاء هو ان يكون عراقياً , وهذا وحده يشعرنا بالغبطة لاعتماده الوطن أولا , من دون الالتغات الى الطائفية او العرق او الجنس او الدين .

 

6- ان المشروع القانون يتعارض مع أحكام المادة (14) من الدستور , التي تنص على ان العراقيين متساوون أمام القانون ,دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الأصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي والاجتماعي . فالمشروع المذكور يعتمد المذهبية والاثنية والقومية من اجل خلقه التوازن الذي يطمح لتحقيقه , خلافا لأحكام المادة الدستورية أعلاه . وهذا مع العلم ان الأسلوب الحالي لتعيين وعمل القضاة تتفق مع المعايير الدولية والإقليمية المشار إليها أعلاه.

 

من كل ما تقدم يتضح ان المشروع لا ينسجم مع المعايير الدولية الإقليمية والوطنية والدستور الأمر الذي يدعو الى عدم التصديق عليه لأنه يمثل انتكاسة جديدة لاستقلال القضاء , وان الأسرة القضائية وهي تجاهد من اجل إرساء مبدأ استقلال القضاء , الذي لا يزال عوده طرياً , تتحمل المزيد من المسؤولية من اجل الحفاظ على هذا المبدأ , وفي التصدي لمن يحاول اقتلاع تلك النبتة الطيبة من جذورها , جهلا بأهمية القضاء ودوره في تحقيق العدالة.