محددات إفراز المساكن المنفردة.. دعوة لإعادة النظر

محددات إفراز المساكن المنفردة.. دعوة لإعادة النظر

القاضي حاتم جبار الغريري

2018-07-09 11:23:00

ربع قرن مضى على تشريع قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم ٨٥٠ لسنة ١٩٧٩ وبموحبه تم تحديد الحد الأدنى لإفراز الوحدات السكنية المنفردة  في المناطق السكنية المحددة في التصميم الأساسي لمراكز المدن في المحافظات والأقضية والنواحي، حيث اوجب ان يكون الحد الأدنى لإفراز الوحدة السكنية في مركز المحافظة بما لا يقل عن ٢٠٠ متر مربع وبمساحة لا تقل عن ٢٥٠ مترا مربعا في مركز القضاء  وبمساحة لا تقل عن ٣٠٠ متر مربع في مركز الناحية.

وبنظره تأملية في هذا القرار وانطلاقا من القاعدة الفقهية القائلة (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان)، وكل ذلك من مبدأ الحاجة اليومية التي توجب إعادة النظر في التشريع القديم حيثما أصبح لا يلبي هذه الحاجة بل وأحيانا يتحول الى عبء ثقيل يثقل كاهل المواطن والذي وهو المستهدف الاول والأخير من كل تشريع ، لان الفرض هو انه قد شرع لتلبية حاجاته الحياتية تيسيرا لها وضبطا لعلاقته بالمجتمع.

 نقول: لقد صدر هذا التشريع في ظروف كانت تقتضي صدوره حسبما دار في خلد المشرع في حينه آخذا بنظر الاعتبار الطبيعة التكوينية للمجتمع العراقي سواء من حيث عدد نفوسه او من حيث الوضع الاقتصادي للفرد ناهيك حركة التطور المحدودة التي كانت سائدة وقت تشريعه، ولكن مما لا يخفى على احد ، انه وبعد عام ٢٠٠٣ شهد العراق تحولا كبيرا وانفتاحا على مستوى الأصعدة كافة ومنها الاقتصادية والاجتماعية على وجه الخصوص جرياً مع حركة المجتمعات الاخرى المجاورة منها وغير المجاورة إقليميا، وقد انعكس ذلك بشكل واضح من خلال تصاعد الخط البياني لأعداد أفراد المجتمع، وبمعنى اكثر دقة، ما يعرف بمصطلح  الانفجار السكاني والانشطار العددي للعائلة الواحدة ناهيك عن تنوع في الدخل اليومي للفرد والذي أتاح لها هذا الازدياد في عدد أفرادها بالزواج ومن ثم الإنجاب وينسحب ذلك على وجه الخصوص على الفرد الذي كان مصنفا ضمن الطبقتين الفقيرة والمتوسطة ، لاسيما وأنهما الطبقتان السائدتان في المجتمع العراقي حالياً.

كل ذلك ألقى بظلاله على طبيعة الوحدة السكنية التي تشغلها هذه العائلة ووفقا للتشريع المتقدم فقد بات من المحال السكن تحت سقف واحد ضمن مساحة من الارض محدودة جدا ولا تلبي الحد الأدنى من ظروف معيشتها اليومية وضمن مستوى لائق، الامر الذي يوجب وبشكل حتمي ان يستقل أفرادها بوحدات سكنية مستقلة تلائم وضعها المستجد.

 وعلى هذا الأساس فقد بات معروفا ، بل وأصبح من المسلمات الواقعية ان عموم هذه الطبقات الاجتماعية صارت مجبرة على مخالفة إرادة المشرع وفق تشريعه المذكور آنفا وعمدت الى شراء مساحات تقل عن الحدود  الدنيا للإفراز التي حددها القرار الأنف الذكر لتصل الى حد ١٠٠ متر مربع بل وأقل من ذلك في حالات معينة لتنشأ عليها وحده سكنية ضمن إمكانياتها المحدودة لتلم تحت سقفها شتات العائلة، ولا خيار لديها بغير ذلك ، بل ان هذا الوضع لم يكن وليدا لمرحلة ما بعد عام ٢٠٠٣ بل  ان بوادرها بدأت قبل ذلك ومنذ عهد التسعينات، ورغم الأصوات التي نادت بإعادة النظر في هذا التشريع في حينها الا انه لم يتم الالتفات لها بدعوى المحافظة على التصميم الأساسي لمراكز المدن.

ولكن امام هذه الحاجة الملحة للمواطن بل والمتزايدة يوما بعد آخر، فقد بات لزاما على المشرع ووفقا لوجه نظرنا ان يتم إخضاع هذا الطرح الى الدراسة العملية الجادة، ومن ثم الخروج بنتائج إيجابية تخدم الشرائح المستهدفة من التشريع كما أسلفنا، وباتجاه خفض الحد الأدنى لإفراز الوحدة السكنية في مراكز المدن بما يتلاءم مع الزحف السكاني المتزايد ، بل ان ما يثير الاستغراب ، هو ان سياسة الدولة تدفع باتجاه التوسع في المشاريع الاستثمارية ومنها الاستثمار في مجال بناء الوحدات السكنية واطئة الكلفة لتخدم اكبر شريحة في المجتمع ، وعلى هذا الأساس شرع قانون الاستثمار رقم ١٣ لسنة ٢٠٠٦ الا انها مازالت عاجزة عن إيجاد حل تشريعي في مواجهة قرار الحدود الدنيا للأفراد آنفي الذكر حيث يقف هذا القرار حائلا دون المضي باي مشروع استثماري حقيقي يخدم هذه الفئات من المجتمع، ناهيك عن المشكلات اليومية التي تعج بها المحاكم الناتجة عن الملكية الشائعة وما ينتج عنها من نزاعات لها اول وليس لها آخر سببها اشتراك أكثر من شخص في ملكية الوحدة السكنية التي تم إحداث الدور عليها خلافا لمنطوق اجازة البناء او بدون الاستحصال على اجازة البناء اصلا لامتناع دائرة البلدية المختصة من منحها لعدم توفر شروطها ومنها كون مساحة الوحدة السكنية دون الحد الأدنى المقرر قانونا وكذلك تعذر الحصول على موافقة الشريك الآخر على الشيوع في منح الإجازة.. إنها دعوة جادة لإعادة النظر في هذا التشريع.