التفاصيل
العدالة القضائية

العدالة القضائية

القاضي ناصر عمران

2018-09-25 10:30:00

تختزل التصورات الرؤيوية الإطار العام لمفهوم العدالة في جدلية (الأساس والمتبنى) فمفهوم العدالة يراه البعض مرتبطا بالطبيعة الإنسانية الاولى وبالتالي هو:  مفهوم فطري عقائدي أكسبته الديمومة والاستمرار هدفه الأهم (الإنصاف والمساواة) ضمن البيئة المختلفة في التعدد والتنوع الفكري والاقتصادي والاجتماعي وبالتالي طبقا لهذه الرؤية يولد الانسان وفي ذاته الفطرية النزوع نحو تحقيق العدالة ونقلها من الفطرة الى الواقع.

 في حين يرى البعض الآخر ان العدالة معطى مكتسب ومنتج اجتماعي او جده السلوك الحريص على تطبيق رؤيته الفكرية الخارجة من مختبر التفاعل الاجتماعي فالعدالة سلوك اجتماعي نسبي، وهي  منظومة للإنصاف في التعاون الاجتماعي بين اشخاص احرار ومتساوين  حسبما يراه جون راولز الفيلسوف الامريكي  في كتابه (نظرية في العدالة).

 واياً تكن الرؤية والاتجاه فان العدالة مفهوم متعدد ومتسع فالعدالة الاجتماعية منظومة قيمية انسانية ذاتية للبشر وليس منة من الحكومات ومثلها العدالة الاقتصادية القائمة على اخلاقيات مهنية تتماهى مع الانظمة المالية والادارية الحاكمة لحركة رأس المال اما العدالة القضائية فهي ضمانة من ضمانات النظام الديمقراطي القائم في اساسه على حكم الشعب والتداول السلمي للسلطة الذي يعني المحافظة على حقوق الإنسان وحرياته وكل ذلك عن طريق ممثلين للشعب يصلون الى سدة الحكم بطريق الانتخابات الحرة النزيهة والتي وضع الياتها نظام قانوني استند الى الوثيقة الدستورية التي بينت الحقوق والحريات التي تمنح للإنسان وما التشكيل الحكومي التنفيذي وتحديد شكل ممارسة السلطة الا لضمان وصيانة  الحقوق والحريات، فلم يبتعد الدستور العراقي عن تحقيق ذلك بعد ان ازاح عن كاهله مراحل الاستبداد والدكتاتورية ليكون بمواجهة تقرير مصيره واختيار نظام الحكم المناسب عبر التطبيق الديمقراطي فخرج بمظاهرة الاستفتاء الخالدة يوم 15 /10 / 2015 ليعلن الخضوع لحكم الدستور والقانون الذي تضمن الباب الثاني منه النص على الحقوق في الفصل الاول الذي انقسم الى فرعين:

 الفرع الاول (الحقوق المدنية والسياسية) والفرع الثاني (الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) في حين جاء الفصل الثاني للنص على الحريات وكانت النصوص الدستورية للحقوق والحريات ترجمانا حقيقيا للإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 والعهدين الدوليين لعام 1966.

 ان الدستور وان وضع في صلب وثيقته الدستورية منظومة كبيرة من الحقوق والحريات المكفولة الا انه وضع بجانبها ضمانات دستورية اسست لعدالة قضائية اهمها ايجاد نظام قضائي مستقل ومحايد لا سلطان عليه لغير القانون وقضاة مستقلين في قراراتهم واحكامهم وبذلك يكون القضاء صمام امان الديمقراطية والقوة القانونية القادرة على حماية وضمان الحقوق والحريات، بل ان الدستور بالغ في الضمانات ليمنح العدالة القضائية بعدا دستوريا فاعتبر المثول امام القضاء وحق التقاضي حق مصان ومكفول للجميع وان لا جريمة و لا عقوبة إلا بنص ولا عقوبة الا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة ولا يجوز تطبيق عقوبة اشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة، وحق الدفاع مكفول ومقدس في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وقبلها اعتبر المتهم بريئا حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية مختصة وعادلة ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرة اخرى بعد الافراج عنه.

ولكل فرد الحق في المعاملة العادلة في الإجراءات القانونية والإدارية، وتكون جلسات المحاكمة علنية كمبدأ عام ما لم تقرر المحكمة جعلها سرية، كما ان العقوبة شخصية مرتبطة بشخص مرتكبها ومنصوص عليها قانوناً والزم المشرع الدستوري المحكمة قبل المحاكمة بانتداب محام للدفاع عن المتهم بجناية او جنحة لمن ليس له محام وعلى نفقة الدولة، ولم يُترك امر التوقيف وحجز الافراد كيفياً بل نظمه دستوريا لأهميته كونه إجراء ينتهك حرية الانسان فربط امر التوقيف حصريا بالقضاء ومنع حجز اي انسان من قبل اي جهة وعد ذلك جريمة خطف، فنص الدستور على منع الحجز ولم يكتف الدستور بذلك بل نص على ان تكون الأماكن المخصصة للحجز والتوقيف خاضعة للدولة ومشمولة بالرعاية الصحية والاجتماعية وزيادة في حرص المشرع على تحقيق العدالة نص على عرض الاوراق التحقيقية على القاضي المختص خلال مدة لا تتجاوز اربعا وعشرين ساعة من حين القبض عليه ولا يجوز تمديدها الا مرة واحدة فقط.

ان ما تضمنه الدستور من اشارة الى التطبيق العام للعدالة القضائية المتمثل بالأجهزة القضائية واستقلاليتها لم يكن كافيا في نظر المشرع ليرتقي بالإجراءات القانونية المتخذة من قبل القضاء والمشار اليها في القوانين الإجرائية لتكون نصوصا دستورية لها علوية على القوانين والإجراءات الأخرى. ان العدالة القضائية الضامن الاهم للحقوق والحريات المنصوص عليها دستوريا من خلال القضاء العادي بتطبيق العقاب المناسب على السلوك المخالف للحماية القانونية للحقوق والحريات ومن خلال القضاء الدستوري عبر الطعن بعدم دستورية القوانين والقرارات والانظمة والتعليمات التي تنتقص او تخالف النص الدستوري الضامن للحقوق والحريات .