التفاصيل
ظرف اسود

ظرف اسود

القاضي إياد محسن ضمد

2018-10-21 10:34:00

في المسلسل المصري "ظرف اسود" والذي يؤدي فيه الفنان صلاح عبد الله دور محام جنائي يحمل اسم سليم دربالة، يظهر في احد المشاهد وهو يعطي محاضر تدريسية لمجموعة طلبة في إحدى كليات القانون ويركز المشهد على عبارة يقولها لهم "اذا اردت ان تكون محاميا جنائيا يجب ان تكون صايعا وان تشكك القاضي في كل الادلة المقدمة ضد موكلك" وهنا ينبري احد الطلبة بطرح سؤال مفاده ان كان المتهم مذنبا هل ادافع عنه فيجيبه سليم دربالة: نعم تدافع عنه... فيرد الطالب بانه في هذه الحالة سيخالف ضميره فيرد عليه سليم انه اذا عمل بهذا النمط من التفكير فلن ينجح في حياته المهنية.

هذا المشهد يثير سؤالا جدليا لطالما كان ملازما لكل من مارس مهنة المحاماة ومن كان قريبا من أجوائها.. هل يجوز للمحامي التوكل في اي قضية حتى وان كان يعلم ان موكله ارتكب الفعل الجرمي المنسوب اليه كأن يكون إرهابيا او سارقا او انه ليس بصاحب حق في قضية مدنية او شرعية.

باعتقادي فان الموضوع منوط بأمرين هما ما تفرضه مهنة المحاماة من أخلاق على المحامي وما يفرضه ضمير المحامي عليه من أخلاقيات شخصية ربما يؤمن بها هو دون غيره فالاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الانسان واغلب دساتير الدول اوجبت ان يكون لكل متهم محام أكان وكيلا ام منتدبا على حساب خزينة الدولة وبغيابه تفقد الاجراءات الجزائية مشروعيتها ولا فرق في ذلك سواء اكان المتهم من ارباب السوابق وان الادلة تكفي لادانته ام كان شخصا سويا مستقيما، فهنا المنطق السليم واخلاق مهنة المحاماة لا يمنعان اي محام من التوكل عن المتهم.

 وتثور الاشكاليات في هذا الجانب مع المتهمين بجرائم ضد شعوبهم كصدام حسين ومن حوكم معه وحسني مبارك وأعضاء حكومته حيث ان التوكل للدفاع عنهم من قبل بعض المحامين أثار غضبا شعبيا ومهنيا كبيرا باعتبار ان المحامي يقف مع أعداء الشعب وهنا اود ان اشير إلى ان الامر منوط بالمحامي ذاته فليس هناك في قواعد السلوك المهني للمحامين ما يمنع التوكل عن متهم يحمل توجها سياسيا او فكريا معينا لكن يمكن للمحامي من تلقاء نفسه الاعتذار عن التوكل لمتهم يختلف معه سياسيا او فكريا انقيادا لما يحمله من ضوابط وأخلاقيات شخصية.

 وفي هذا السياق يقول الفقيه الدستوري نور فرحات إن المحاماة مهنة غوث وليست مهنة رأي وان من يطلب من محام ان يدافع عن فصيل او جهة دون غيرها كمن يطلب من طبيب ان يعالج مريض دون آخر، وفي اميركا فقد رسخت الاعراف المهنية للمحاماة مقولة ان المحامي لا يعرف في الكون سوى شخص واحد هو موكله ويجب عليه إنقاذه وان ادى ذلك للإضرار بباقي اطراف الدعوى وكل هذه الامثلة تبين ان الأخلاق المهنية التي رسختها مهنة المحاماة قد لا تطابق ما يؤمن به كل محام بصور شخصية وربما منحت اخلاقيات المهنة فضاءات ومساحات أوسع للعمل من تلك التي تمنحها الاعتقادات الشخصية للمحامين وهذا ما ظهر واضحا في الحوار الدائر في المشهد التمثيلي الذي ذكرته في مقدمة المقال بين سليم دربالة المحامي المتمرس الذي لا يؤمن الا بموكله وبين طالب القانون الذي ينقاد لضميره الشخصي وايماناته الذاتية. وايا كان الطريق الذي يسلكه المحامي في مهنته فحري به ان يكون بعيدا عن تزييف الحقائق والتلاعب بالادلة، هذه الممارسات التي لا تليق بهذه المهنة العريقة والتي دأبت كل نقابات العالم على رصدها ومعاقبة من يمارسها باعتباره يسيء الى المهنة ويحول دون ان تسير العدالة وفق منهجها الصحيح.