التفاصيل
المخبر والمركز القانوني المتأرجح بين الشهادة والاتهام في الدعوى الجزائية

المخبر والمركز القانوني المتأرجح بين الشهادة والاتهام في الدعوى الجزائية

القاضي ناصر عمران

2019-04-29 11:56:00

يشكل اصل الاخبار الخطوة الاولى في رحلة القائم بالتحقيق للوصول الى الحقيقة والاخبار لغة خبَرُ وهو ما يُنقَلُ ويُحدَّث به قولا أَو كتِابةً ومُخْبِر (اسم ): تَحَرّ ومُخْبِر  (اسم): مُبَلّغ ومُخْبِر (اسم ): واشٍ.

 وأياً يكن المفهوم اللغوي للتسمية فانه يصب بذات المعنى العام فهو (الشكوى والعلم والإخبار) وهو ما نص عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل في (المادة الأولى/  ا) على ما يلي:  تحرك الدعوى الجزائية بشكوى شفوية او تحريرية تقدم الى قاضي التحقيق او المحقق او اي مسؤول في مركز الشرطة او اي من اعضاء الضبط القضائي من المتضرر من الجريمة او من يقوم مقامه قانونا او اي شخص علم بوقوعها او بأخبار يقدم الى اي منهم من الادعاء العام ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

ويجوز تقديم الشكوى في حالة الجرم المشهود الى من يكون حاضرا من ضباط الشرطة ومفوضيها.) ولان الثالوث اللغوي الذي ذكرناه (الشكوى والعلم والاخبار ) هو المنتج الفعلي والمحرك الرئيس للدعوى الجزائية فانه لا يكتفي بذلك بل يضع اسساً مهمة لها دور فاعل في مصير الدعوى الجزائية وهي المراكز القانونية لشخوص الدعوى اضافة الى الآليات الفعلية التي على اساسها تتشكل العملية التحقيقية ويتم المباشرة بإجراءات التحقيق وبالتالي صورة الحقيقة وكلما كان اتخاذ الإجراءات القانونية سليما وسريعا كلما كانت الحقيقة اقرب الى نتائج التحقيق فالحقيقة تدور وجودا وعدما مع سرعة الإجراءات القانونية فالدقائق التي تمر هي الحقيقة التي تفر كما يقول المحقق الألماني.

 وفي رحلة البحث عن الحقيقة هناك مرتكزات اساسية  في العمل التحقيقي فكل دعوى لها من يحركها فالشكوى تحريك من قبل المشتكي وهو المركز القانوني الاساس في الدعوى الجزائية وقد يتسع ليكون المشتكي والمخبر عن واقعة الجريمة لكنه يحتفظ بتسميته كمشتك في الدعوى الجزائية والذي على اساسه سيجني ثمار نتائجها، فالشكوى هي طلبه للحصول على حقه الذي تم انتهاكه وذلك  بالاعتداء عليه سواء اكان الاعتداء وقع عليه او على الاشخاص الذين يمثلهم قانونا ويروم من خلال الطلب اتخاذ الاجراءات القانونية بحق المعتدي والحكم له بذلك ويبذل قصارى جهده  للحصول على ذلك اما (المخبر)  فهو الشخص الذي علم بوقوع الجريمة واخبر عنها دون ان يكون هناك اعتداء قد وقع عليه ولم يكن مجنى عليه وينطلق بإخباره عن الجريمة التي وقعت من دوافع متعددة بعضها قانوني: وهو الزام عام بالإخبار عن الجرائم وبخلافه سيكون متهما بتهمة الاحجام عن الاخبار وهو السلوك السلبي في ارتكاب الجريمة فالمخبر ملزم قانونا بالإخبار وعند قيامه بذلك ستدون اقواله بصفة مخبر علم بوقوع الجريمة لكنه بالجانب الاخر سيكون في مركز المتهم عند عدم اخباره عن الجريمة وهذا التأرجح بين المركزين والمنطلق من موقفين يراهما من علم بوقوع الجريمة وعلى ضوء سلوكه سيتم تحديد موقفه القانوني في الدعوى  او قد يكون الدافع للقيام بالاخبار هو شخصي يلجأ اليه المتهم ليجد له مكانا او ملاذا امنا من العقاب فيبادر الى الاخبار عن الجريمة التي قام هو بارتكابها وعند ذلك فان التحول في المركز القانوني من المخبر الى المتهم مرتهن بنجاح العملية التحقيقية وادارتها بشكل جيد.

 والوصول الى الحقيقة يقتضي تحول المركز القانوني للمخبر الى متهم  والتجارب كثيرة واقربها مثالاً : جرائم القتل بدافع غسل العار فقد يبادر القاتل وبالاتفاق مع شقيق المجنى عليها الحدث على ان يقوم بالإخبار عن الجريمة ومن قام بارتكابها باعتبار الاجراءات القانونية والعقوبة التي ستطبق على المتهم الحدث أخف من تلك التي تطبق على المتهم البالغ اضافة الى القصد والباعث على ارتكاب الجريمة والنظرة القضائية التطبيقية بذلك وفي هذه الحال يرتبط المركز القانوني أيضاً للمخبر بنتائج التحقيق فتحول المخبر الى متهم مرتبط بكشف الحقيقة وكثيرا ما نرى في التطبيق العملي ان هناك أقوالا للمتهم تم تدوينه فيها بصفة مخبر عند البدء باتخاذ الاجراءات القانونية  قبل تحوله الى متهم.

 واذا كان التحول في المراكز القانونية بين المخبر والمتهم فان هناك تأرجحا اخر للمخبر في المركز القانوني فقد يكون مخبرا وشاهداً عن الجريمة التي اخبر عنها وبخاصة إفادة المخبر السري والتي قادت الى كشف الكثير من الجرائم والوصول الى الحقيقة ومعرفة الجناة وتقديمهم للعدالة وبعضهم قدم نفسه ضحية على ما قام به من اخبار وشاهد عيان على واقعة الجريمة وشهادته مؤثرة ومهمة في الوصول الى الحقيقة وبالمقابل فان هناك افادات للمخبر السري راح ضحيتها الكثير من الابرياء عن طريق اخبار كاذب بسوء نية بارتكاب شخص جريمة مع علمه بكذب اخباره وهو ما ينطبق عليه النص العقابي الوارد في المادة (243 ) قانون العقوبات وهو ما يعرف بالدعاوى الكيدية وقد عدلت –  المادة (243) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969بموجب القانون رقم 15 لسنة 2009  لتقرأ كالآتي:- كل من أخبر كذبا إحدى السلطات القضائية أو الإدارية عن جريمة يعلم أنها لم تقع أو أخبر إحدى السلطات المذكورة بسوء نية بارتكاب شخص جريمة مع علمه بكذب إخباره أو اختلق أدلة مادية على ارتكاب شخص ما جريمة خلاف الواقع أو تسبب باتخاذ إجراءات قانونية ضد شخص يعلم براءته وكل من أخبر السلطات المُختصة بأمور يعلم أنها كاذبة عن جريمة وقعت: يُعاقب بالحد الأقصى لعقوبة الجريمة التي أتهم بها المُخبر عنه إذا ثبت كذب أخباره وفي كل الأحوال أن لا تزيد العقوبة بالسجن عشر سنوات. ومن خلال ذلك يتحول المركز القانوني للمخبر والشاهد  الى متهم بدعوى كيدية.

ان المراكز القانوني لشخوص الدعوى الجزائية وهم (المشتكي والشاهد والمتهم ) وعلى ضوء ذلك  يتم التقسيم التقليدي للحقوق وضمانات والالتزامات القانونية لكل مركز قانوني فالمشتكي هو مقدم الطلب ضد المشكو منه الذي سيتحول الى متهم بعد تدوين أقواله  الذي يروم فيها اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتهم والمطالبة بالتعويض والشاهد هو الشخص الذي ستتحدد تسميته وفق مجريات التحقيق فقد يكون شاهد اثبات للمشتكي يطلب من المحكمة تدوين اقواله تعزيزا لشكواه او قد يكون شاهد دفاع ذكره المتهم بإفادته وطلب تدوين اقواله كشاهد دفاع لنفي التهمة عنه والشاهد ليس بعيدا عن التحول من شاهد الى متهم عندما تكون شهادته غير حقيقية (شهادة زور).

 وقد يتحول المتهم الى شاهد اذا كانت شهادته عيانيه على متهمين اخرين اشتركوا معه بارتكاب الجريمة وعلى ضوء اعترافاته تدون اقواله بصفة شاهد على المتهمين الاخرين على ان تفرد اوراقه بصفة شاهد عن الأوراق التحقيقية الاصلية  بصفة متهم فلا يجوز قانونا ان يكون المتهم شاهد ومتهما بذات الاوراق التحقيقية  المادة (125 ) الاصولية ، ان التحولات والتأرجح بين المراكز القانونية لشخوص الدعوى الجزائية هي رهن الرؤية والتجربة والخبرة الميدانية  للعاملين في التحقيق الجنائي والتطبيق القضائي السليم للقانون وهذه الاليات هي الاداة المهمة في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة.