التفاصيل
اهمية القضاء في حياة الشعوب/ بقلم فتحي الجواري

اهمية القضاء في حياة الشعوب/ بقلم فتحي الجواري

2010-10-24 01:00:00

لم تتوصل الشعوب القديمة في فجر الحضارة الانسانية , لطريقة تعينها للتمييز بين الحق والباطل , فلجأت للالهة . او للمصارعة بين الخصمين , إذ يتصارع الخصمان فالغالب منهما هو صاحب الحق , ومن المؤكد ان الاقوى بنية هو الذي سيصرع خصمه , ولكن قد لا يكون الاقوى بنية هو صاحب الحق . او يلجأون لاختبار الماء , إذ يلقى بالخصم المشكوك بامره وهو مكتوف اليدين الى الماء , فأن غرق – ومن المؤكد انه سيغرق – فالدليل قد نهض امام الناس ان من ابتلعه اليوم هو الجاني . او قد يلقون به في نار تستعر وتتعالى السنة لهبها – وهو من المؤكد سيحترق – فيخسر حقه – ان كان صاحب حق – كما سيخسر حياته .

ولم يقلع الناس عن هذه الوسائل – العقيمة في الوصول الى الحقيقة – الا بعد اطوار مرت بها البشرية , والى وقت قريب كانت بعض قبائل البدو تلجأ الى تكليف المدعى ان يلحس بلسانه حديداًَ اضحى جمرة ملتهبة بفعل النار التي وضع فيها لكي يثبت انه على حق في دعواه . فاذا اجتاز هذه المحنة – ولست ادري كيف سيجتازها بدون ان يصبح لسانه قطعة لحم مشوية – ثبت الادعاء على خصمه .مرت دهوراً حتى ادرك الناس , ان حياتهم لن يستقيم امرها , الا اذا لجأوا لنظام يمكن لهم عن طريقه حسم خلافاتهم وانتزاع حقوق من سلبت حقوقه من بين يدي من غصبها فكان ( نظام القضاء) الذي لم يصل لصورته الراهنة , الا بعد محن وتجارب مرت بها شعوب الارض ,واصبح القضاء هو النظام الذي يلجأ له الناس . حين ادركوا ان الحق لا يمكن ان يسود , فحرصوا على احاطة القضاء بسياج يحميه من الزلل ومجافاة الحق .

فكانت القواعد التي وضعت لتحديد اسلوب التقاضي , ووسائل اثبات الحق . بعد ان وضعوا الجزاء على من يخرق القيم والاعراف قبل ان تقنن بقوانين مدنية وجزائية . فلم تكتف المجتمعات بتحديد العقوبات التي يستحقها القاتل , او السارق , او المحتال . وانما عملت تلك المجتمعات على تحديد السبل الواجب اتباعها من اجل انزال العقوبة بمرتكب الجريمة . وقل مثل ذلك بشأن منتهكي احكام العقود والمعاملات التجارية , والبيع , والايجار , والرهن, والحوالة , والكفالة , والوكالة , والوصية , والشركة . فلم يحدد المشرعون احكاماً لتلك المعاملات فقط , بل حددوا للناس السبل التي عليهم سلوكها , لاستعادة حقوقهم .

هكذا وجد القضاء , وكان للقضاء رجال هم القضاة . فلولا القضاء لظلت كل القوانين التي تشرع , حبراً على ورق , عقيمة , تطاع او تنتهك , على وفق الرغبات , والمصالح والاهواء . وبالتالي تضيع الحقوق , اذ1 تحل شريعة الغاب , وتهضم حقوق الضعفاء من الناس , حيث يستقوي الظالم , فلا يجد من يردعه .

ومع ادراك الناس لاهمية القضاء , فقد ادركوا ضرورة ان يكون تطبيق القانون بين ايدي القضاة ممن عرفوا بالعدل ورجاحة العقل وسعة العلم . فبهم تستقيم الامور , ويسود العدل والانصاف . فبالقاضي العادل يعم السلام بين الناس . فإن ابتلوا بقاض ظالم ساد الجور والفساد .

لكل هذا اهتمت الامم بتشريف القضاء . ضماناً لحرمة الحقوق , وبما يضمن ان يبتعد القضاة عما يدخل الريبة في احكامهم او الشبهة في انحرافها عن جادة الحق . ان هذا الاهتمام بالقضاء , وابعاده عن مضان الشك والريبة , يمنع من خسر دعواه ان يفتري كذباً على القضاء , الذي تمنعه منزلته العالية – التي انزل فيها – من ان تتأثر قراراته واحكامه , بغايات شخصية . او هفوات علمية .

ان الضمانات التي احيط بها القضاء , لم تكن عبثاً او ترفاً او للترفيه عن شخص القاضي بهدف الترفيه المجرد من الغايات العامة , بل ان تلك الضمانات , لم تكن الا ليصفوا ذهن القاضي ويسموا بوجدانه , لتعزيز اخلاصه لمهنته السامية وفي ذلك منع له من الجور والتعسف والاهمال وقد شاء واضعوا الدساتير الحديثة , ثأثراً منهم بافكار التنوير , التي دعت لمنع استئثار سلطة واحدة بجميع وظائف الدولة فتسن وتشرع وتنفذ ما سنته وشرعته . لان ذلك سيكون مدعاة للظلم والجور لامحالة اذ لا شيء يحول دون ذلك فكان ان وضعوا القضاء مع سلطتين , احداهما تشرع وتسن القوانين والاخرى تدير البلاد بمقتضى التشريعات التي يسنها ممثلو الامة المنتخبين فكان القضاء سلطة ثالثة , بل قوة ثالثة من قوى الدولة . وبهذا ضمن الناس استقلال القضاء . كما ضمنوا رقابته على تنفيذ الادارة للقوانين . فحققوا بذلك التطبيق السليم والعادل للقانون , كما ضمنوا الرقابة القضائية على دستورية القوانين التي تسنها البرلمانات , فلن يشرع قانون يخالف الدستور فان شرع قانون كهذا سيجد امامه القضاء ليقول فيه كلمته ليبطله , او ليعطل تنفيذه على اقل تقدير . ان استقلال اتلقضاء هو الذي يحقق ذلك فلا يأتمر بامر الا بامر القانون ويامر ضميره الحي اليقظ , ووجدانه الحر النزيه . وبهذا فقط يصبح القضاء الضامن لحريات الناس وبه يمكنهم الاطمئنان على حياتهم واموالهم وكرامتهم , من خلال حرصه على قيم الخير . ولم يتأتى ذلك الا اذا اتجهنا للاهتمام باختيار الاشخاص الذين يرتضون لانفسهم قبول هذه المسؤولية العظيمة والخطيرة , فمنصب القضاء له من خطورة الشأن , وعلو المكانة , ما تنوء له الجيال لثقل المهمة وجسامتها واهمية ان يصغي القاضي لصوت ضميره فقط .

فالقاضي ليس كغيره من موظفي الدولة , فهو المرجع الاعلي الجالس على منصة الحكم السامية الشريفة , يستغيث به المظلوم من ظالمه , ويقف امام اعزاء القوم ةواذلاؤهم غنيهم وفقيرهم . كل هؤلاء يقفون اما منصه القضاة سواسية , صاغرين مرهفي الاذان لسماع كلمة القضاء

اليست هذه المكانة التي وجد القاضي نفسه فيها ، هي العز الذي ليس بعده مطمح او مطمع ؟ فجدير بمن كانت هذه منزلته ان يقدرها حق قدرها ويدرك شرف المنزلة التي أنزلته فيها امته فيقابلها بما يوازيها بعلو همته وشرف نفسه وابائها ولهذا حرص المشرعون على وضع القيود والشروط التي تكفل ان لا يتقلد القضاء الا من كان له كافياً وبه اهلاً كما وضعوا الوسائل لإقصاء من يتأكد انعدام الاهلية والجدارة فيه للتشرف بمثل هذا المنصب . لقد انصبت الشروط التي اشترطوها في من يكون مؤهلاً للقضاء على الظاهر دون الباطن فالبشر يأخذون بالظاهر اما السرائر فعلمها عند الله فلا يمكن ادراك  سريرة الانسان الا بما يظهر من اعماله الى العيان . لقد اختلفت الانظمة في سبل اختيار الاشخاص الذين تجدهم مؤهلين للقضاء كما اختلفت في تحديد الضمانات التي تحيطهم فالهدف في كل الانظمة – وخاصة تلك التي تحرص على الكرامة الانسانية – ان يعمل القاضي بشجاعة لإحقاق الحق دون خشية الا من الله وضميره . ويمكن لنا ان نوجز تلك الضمانات -  وهي التي تمثل الحد الادنى في مختلف الانظمة القضائية في العالم بما يأتي : -

-         ان لا يباشر القاضي عمله ما لم يؤد يمين الاخلاص للقانون .

-    ان يتفرغ القاضي لعمله فلا يجوز له ان يتولى عملاً أخر او يتقلد مهمة سياسية او دينية تحول بينه وبين القيام بعمله القضائي بإستقلال وحياد ونزاهة فلا يمكن ان يكون عضواً في مجلس النواب فإن اختار النيابة فقد عمله القضائي كما لا يمكن ان يكون شيخاً لطائفة دينية او محامياً او تاجراً ومن كان يفضل العمل بإحداها ترك القضاء واستغرب ان نبقي على ( البدعة.....) التي ابتدعتها الاحتلال حين اجاز المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة ( المنحلة ) للقضاة الذين اصبحوا وزراء او نواباً او رؤساء لهيئات ترتبط بسلطات أخرى غير السلطة القضائية أن يسبقوا ألقابهم بلقب القاضي فنجد قاضياً وزيراً وقاضياً نائباً وقاضياً رئيساً لهيئة انه لأمر عجيب لا يستسيغه عقل او منطق بل لا ينسجم وطبيعة المهمتين ! . ان هذا ان رفع من شأن من تمسك بلقب القضاء بعد ان ابتعد عن منصة القضاء قد يشوه صورة القضاء الصافية النقية بسبب استقلاليته ويجعله في موضع ريبة لدى الناس حين يجدوا اشخاصاً يستخدمون لقب القضاء قد تصدر عنهم – بحكم ارتباطهم بالسلطة التنفيذية او بسلطة غير سلطة القضاء – أعمالا أو أقوالاَ تخل بإستقلاليتهم بحكم طبيعة الأعمال التي يتولونها وهي اعمال تتطلب منهم اتباع ما تمليه عليهم ارتباطاتهم بسلطات وجهات يجب ان يأتمروا بأوامرها وهو ما لا يمكن ان يفعله القاضي الذي لا يأتمر إلا بحكم القانون وبما ثبت لديه من خلال عمله القضائي لذلك ادعوا :-

إلى إلغاء ( البدعة....) التي ابتدعها امر سلطة الاحتلال رقم (88) لسنة 2004 الذي أجاز للقاضي الذي يكلف بعمل غير قضائي ان يستمر بإستخدام لقبه القضائي ! فلا يجوز لمن لا يعمل في القضاء فعلاً ان يستخدم لقب قاض فلم يعرف القضاء العراقي مثل هذه (البدعة....) فقد عرفنا قضاة اصبحوا رؤساء وزارات او وزراء ولم نقرأ ان ( احمد مختار بابان ) كان يسبق لقبه كرئيس للوزراء بلقب قاض وقل ذلك عن صالح جبر او عبد الوهاب مرجان او مصطفى علي او كامل الخطيب او سواهم من اعلام القضاء الذين أصبحوا إعلاما في السياسة .

-    عدم جواز اجتماع قاضيين في درجة معينة من القرابة في محكمة واحدة ، تتشكل على شكل هيئة تضم اكثر من قاضيين ، كهيئات محاكم الجنايات او هيئات المحاكم الاستئنافية او التمييزية .

-    لا يجوز عزل القاضي او نقله الا بذات الاسلوب الذي عين عن طريقه لأن القاضي المهدد بالعزل او النقل قد يلجأ لمحاباة من بيدهم امر عزله او نقله فلا يعصي لهم امراً فمن كانت هذه حالة لن يكون للحق والعدل الى ضميره من سبيل الا ان  هذا الشرط لا يعني ان يبقى القاضي الفاسد سيفاً مسلطاً على رقاب الناس وحقوقهم فأجازت القوانين عزل القاضي على وفق شروط محددة سلفاً وعن طريق جهة قضائية قد تكون محكمة التمييز في اغلب الدول ، او مجالس القضاء في دول اخرى.

وقد ضمنت بعض الدول للقضاة ان لا يحاكموا عما ينسب لهم من جرائم ارتكبوها اثناء عملهم القضائي الا من قبل محكمة تمثل درجة قضائية أعلى مرتبة في سلم المراتب القضائية من المحكمة التي يعمل فيها القاضي المتهم لضمان عدم محاباة القاضي من قبل زملائه في المحكمة التي ستحاكمه ان كانت من نفس درجة المحكمة التي يعمل فيها .

- تضمن جميع الدول للقاضي راتباً كافياً لإعاشته وإعاشة عائلته عيشاً كريماً فهو ان ضمن لنفسه وأسرته عيشاً كريماً تجرد للخدمة المثلى وثابر ان يكون على جادة العدل والأنصاف . فالراتب المجزي لا يبقي في نفس القاضي – بل واي عامل في مجال الخدمة العامة – مطمعاً فلا تساور نفسه اية وساوس للمساومة على العدل والحق . ومع كل ذلك فإن شرف القضاء وعلو منزلته لا يضاهيه راتب او مال ، فيكفي ان القضاء مهنة الانبياء من داود وسليمان الى نبينا الكريم والى اعدل الخلفاء عمر وعلي . ويكفي القاضي شرفاً ان يقف امامه ، التاجر، العالم ، الامير ، المحامي ، الشريف والعزيز في قومه يصغون كلهم لكلمة القانون التي ينطقها القاضي ملتزمون بقراراته شاءوا أم أبوا .