التفاصيل
دور المحكمة الاتحادية العليا في العراق بتعزيز وحماية الحقوق والحريات بقلم : مكي ناجي

دور المحكمة الاتحادية العليا في العراق بتعزيز وحماية الحقوق والحريات بقلم : مكي ناجي

2010-11-08 01:00:00

 

 

لم يشهد العراق منذ قيام الدولة العراقية عام 1921 وصدور القانون الأساسي عام 1925 وجود مؤسسة رقابية قضائية تمارس رقابة دستورية حقيقة تحمي الحقوق والحريات .

بل مر العراق بفترات مظلمة ولاسيما فترة النظام السابق فلقد كانت الحقوق والحريات تنتهك تحت مظلة المادة (42) من الدستور المؤقت . فكان ما يسمى مجلس قيادة الثورة المنحل يصدر القوانين والقرارات التي تبيح الانتهاك الخطير لحقوق الانسان . والكل عرف او سمع بقرارات قطع اليد والاذن وجدع الأنف ووشم الجبهة وما إلى ذلك من قوانين تنتهك الحقوق والحريات .

  بعد التغير الذي حصل عام 2003 وتبني النظام الديمقراطي التعددي فقد صوت الشعب العراقي على دستوره الذي كفل في مبادئه حقوقه وحرياته .

وكان لابد من أجل ضمان عدم تجاوز عدوانية السلطتين التنفيذية والتشريعية على تلك الحقوق لابد من وجود جهة تتولى الرقابة لتحول دون انتهاكها .

لأن الرقابة على دستورية القوانين تهدف إلى حمل المشرع على احترام الحقوق والحريات التي كفلها الدستور .

وبذلك أسس للقضاء الدستوري في العراق ليمارس الرقابة وليكون ضماناً لحماية الحقوق والحريات فقد شكلت المحكمة الاتحادية العليا بموجب الأمر 30 لسنة 2005 لتمارس أهم اختصاص من اختصاصاتها وهو الرقابة على دستورية القوانين ومنذ تشكيل المحكمة الاتحادية العليا عام 2005 لعبت دوراً حقيقاً وهاماً كحارس طبيعي في حماية الحقوق والحريات من تجاوز السلطتين التشريعية والتنفيذية لان حماية تلك الحقوق هي الهدف الاسمى من الرقابة الدستورية واذا استقرأنا التنظيم الإجرائي للرقابة الدستورية لوجدنا ان هدفه يتجلى بوضوح لحماية الحقوق والحريات .

فالتنظيم الإجرائي للمحكمة الاتحادية العليا المتمثل في النظام الداخلي رقم 1 لسنة 2005 . أعطى الحق للأفراد بإقامة الدعوى الدستورية المباشرة عند انتهاك حق من حقوق الانسان وهذا مشابه لما معمول به في القانون الأساسي الألماني في المادة (93 فقرة 4/أ) وكذلك اسبانيا . ودون ان يتعلق الامر بنزاع معروض أمام القضاء العادي واذا كان الطعن الدستوري في حقيقته منصباً على القانون بطريقة مجردة .

  فلا يجوز ان ننسى ان القانون ما هو الا أداة لحماية الحقوق والحريات , ويتجلى هذا الهدف في الرقابة الدستورية التي تمارسها المحكمة الاتحادية العليا بمناسبة نزاع معروض على القضاء العادي . تثير قضية دستورية بمناسبة الادعاء بان التشريع المطعون عليه يحول دون حماية الحقوق والحريات التي اعلنها الدستور . وهذا ما نصت عليه إجراءات النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا في المادة (4) منه . وسنركز على دور المحكمة الاتحادية العليا في حماية وضمان حقوق الانسان وحرياته في ممارستها الرقابة الدستورية بالمقارنة بين نصوص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في مواده من (1ـ27) ونصوص الدستور العراقي التي تنظم ذات الموضوعات وأحكام المحكمة الاتحادية العليا في ذات الصدد . ولايسمح في هذه العجالة ان نتطرق لجميع ما أصدرته المحكمة الاتحادية العليا من أحكام وقرارات عند ممارستها لدورها في حماية الحقوق والحريات ولكن سنذكر بعض الأمثلة .

المثال الأول / نصت المادة (الخامسة عشر) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان بان لكل فرد حق التمتع بجنسية ما وفي هذا الصدد نص الدستور العراقي في المادة (18) اولاً  / الجنسية العراقية حق لكل عراقي وهي أساس مواطنته . وثانياً/ يعد عراقياً كل من ولد لاب عراقي او لام عراقية وينظم ذلك بقانون .

في ضوء النص الدستوري شرع قانون الجنسية رقم 26 لسنة 2006 لكن في واقع التطبيق اتخذت وزارة الداخلية موقفاً مغايراًَ للنص الدستوري ولقانون الجنسية عندما رفضت منح الجنسية العراقية لمن ولد من ام عراقية واب غير عراقي . طعن بقرار وزير الداخلية أمام القضاء الإداري الذي أيد بدوره قرار وزارة الداخلية الا ان المحكمة الاتحادية العليا تصدت لذلك عند ممارسة اختصاصها للنظر في الطعون المقدمة على قرارات القضاء الإداري .            وأصدرت قراراً يقضي بمنح الجنسية العراقية للمولودين من ام عراقية تبعته العشرات من القرارات المماثلة ألزمت وزارة الداخلية بمنح الجنسية فانصاعت الوزارة والتزمت بما قررته المحكمة الاتحادية العليا لان قرارات وأحكام المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة بموجب المادة (94) من الدستور .

صحيح ان المحكمة الاتحادية العليا لم تمارس رقابتها بدعوى مباشرة وانما مارستها بمناسبة الطعن بقرار القضاء الإداري . الا انها قامت بدورها بحماية حق من حقوق الانسان .

المثال الثاني / نص الاعلان العالمي في المادة (17) بأن لكل فرد الحق في التملك بمفرده او بالاشتراك مع غيره ولا يجوز تجريد احد من ملكه تعسفاً . في ضوء ذلك نص الدستور العراقي في المادة 23/اولاً الملكية الخاصة مصونة ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها في حدود القانون .

وثانياً / لايجوز نزع الملكية الا لأغراض المنفعة مقابل تعويض عادل وينظم ذلك بقانون . أصدرت المحكمة الاتحادية العليا القرار رقم 60/2010 يقضي بان القرار الجمهوري الذي صدر عن النظام السابق الذي قضى بمصادرة عقار مملوك ملكية خاصة يخالف الشرعية الدستورية وللمادة (16) من الدستور المؤقت لعام 1970والمادة (23) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 والغي القرار وأعيد العقار الذي صودر إلى أصحابه الشرعيين . وحمت بذلك حق من حقوق الانسان وهو حق الملكية .

المثال الثالث / نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة (13) منه على (( لكل فرد حق مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده والعودة الى بلده)) وفي ضوء ذلك نص الدستور العراقي في المادة 44/أ اولاً (( للطرفين حق التنقل والسفر والسكن داخل العراق وخارجه)).

اصدرت المحكمة الاتحادية العليا قراراً بالدعوى المرقمة (34/2008) بان الدستور كفل الحرية للعراقي وبالسفر والتنقل داخل العراق وخارجه دون قيد اوشرط ولايجوز تقييد هذه الحرية بنص في قانون او نظام او تعليمات أستناداً لاحكام المادة (2ـاولاًـ ج) من الدستور وألغت المحكمة في قرارها منع السفر لاحد نواب مجلس النواب الذي سافر الى اسرائيل .

المثال الرابع / في ضوء مبادئ الاعلان العالمي لحقوق الانسان نص الدستور العراقي في المادة (37/اولاً/ب) لايجوز توقف احد او التحقيق معه الا بموجب قرار قضائي .

طلبت وزارة حقوق الانسان من مجلس القضاء الاعلى بيان الرأي في القرار الذي أصدره مدير عام الكمارك بتوقيف 37 موقوفاً وحسب صلاحيته الواردة  في  المادة (237/ثانياً/1) من قانون الكمارك وبما ان مدير عام الكمارك هو أحد رجال السلطة التنفيذية وأن نص المادة (237/ثانياً/1) من قانون الكمارك يخالف الشرعية الدستورية في المادة (37) من الدستور والتي نصت على عدم جواز توقيف احد والتحقيق معه الا بموجب قرار قضائي وان صلاحية التوقيف منوطة بالقضاء والقضاء مستقل بعد اقرار مبدأ الفصل بين السلطات الواردة في الدستور في المادة (47) منه .

أحال مجلس القضاء الاعلى المخاطبة بكافة اولياتها الى المحكمة الاتحادية العليا للنظر فيها حسب الاختصاص باعتبار ان هنالك منازعة بين وزارة حقوق الانسان والمديرية العامة للكمارك وفق المادة (5) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2005  .

فأشارت المحكمة الاتحادية العليا بوجوب التقدم بدعوى مباشرة حول المنازعة القائمة للبت في شرعية نص المادة (237/ثانياً/1) من قانون الكمارك . لكن الوزارة لم تتقدم بالدعوى .

ان المحكمة الاتحادية العليا لا يحق لها ممارسة الرقابة الدستورية من تلقاء نفسها بل ان الرقابة الدستورية تحرك بناء على طلب الغير والمحكمة عندما اشارت على وزارة حقوق الإنسان بالتقدم بدعوى مباشرة للنظر في شرعية النص المطعون فيه قامت بدورها من اجل ضمان الحقوق والحريات.