التفاصيل
السلطة القضائية استقلالها في وحدتها/القاضي سالم روضان الموسوي

السلطة القضائية استقلالها في وحدتها/القاضي سالم روضان الموسوي

2010-11-22 01:00:00

ان للقضاء مهمة عظيمة وجليلة ذكرتها الشرائع السماوية قبل القوانين الوضعية واهتم فقهاء الشريعة الاسلامية في القضاء اهتمام فاق اي امر اخر , وجعل البعض من القاضي بمنزلة الانبياء حيث قال الامام علي ( ع ) لشريح القاضي ( يا شريح قد جلست مجلساً ما جلسه الا نبي او وصي نبي ) (1) كما قدموا للقاضي اموراً لم تكن تعطى لخليفة المسلمين الذي كان يمثل رئيس اكبر دولة في العالم في حينه , فتكفل المشرع الاسلامي بشؤون القاضي وقدمها على كل المواقع والمناصب الدينية والدنيوية واسبغ عليه نعم الله التي اجراها الخالق عز وجل لعباده المؤمنين فترى القاضي في صدر الخلافة الاسلامية يتقاضى راتباً اعلى من راتب الخليفة الذي كان يمثل الرأس الاعلى للسلطة في الدولة الاسلامية كما تكفل بتأمين مسكنه وقوت عياله وخدمه , والزم القائم بالامر بتوفير وسائط النقل المتيسرة في حينه . وذلك من اجل ضمان حيادية ونزاهة القاضي من الميل تجاه الشهوات او الميل تجاه ضغط الحاجة عليه , واولى العرب قبل الاسلام القضاء منزلة سامية وخصوا بها الكهنة والعراقيين كسطيح الذئبي المعروف بسطيح الكاهن وشق انمار كما عهدوا القضاء الى شيوخ القبائل وحكمائها فكان الرجل اذا نبغ في قبيلته تولى حكمها والقضاء فيها , وفي قبيلة قريش كان هاشم بن عبد مناف وابنه عبد الله وعبد المطلب وولده ابو طالب يتولون القضاء في قبيلتهم ويتولون التحكيم بين القبائل في نزاعاتها , كما تولاه اكثم الصيفي الذي اعتبر افضل حاكم في عصره فهذه منزلة القضاء قبل الاسلام (2) . لذلك نجد ان الاهتمام بالقاضي لا يكون لشخص القاضي بل للدور العظيم الذي يقوم به القضاء والهدف النبيل الذي يسعى لتحقيقه وكذلك فعلت كل التشريعات الوضعية في العالم القديم والمعاصر اذ كان عند السومريون والاشوريون القاضي هو الحاكم وفي العصور الحديثة في البلدان المتقدمة والمتحضرة نجد ان القاضي له امتيازات مادية ومعنوية تفوق ما لرئيس البلاد وكذلك في بعض الدول العربية وفي العراق كان للقضاء دور في نهوض هذا البلد منذ تأسيسه ولحد الان على الرغم مما عانى هذا الجهاز من ظلم واعتداء وجور السلطات الحاكمة التي كانت تتصف بالشمولية والديكتاتورية فوقف لها القضاء موقف مشرف تمثل بالعديد من القرارات الجريئة التي قدم ثمنها القضاة حياتهم وتعرضوا للسجن والاذى ( وبقيت في ضمير كل قاض جذوة الانتصار للحق بوسيلة او باخرى , ورغبة جامحة في ابعاد اصابع السلطة التنفيذية من التدخل في شؤون القضاء وعملت قدر المستطاع على ابقاء القضاء مستقلا في اداء مهامه وكافح القضاة في سبيل ذلك بشكل منظور وغير منظور حتى لحظة سقوط النظام في 9/4/2003 .. ارتفع الصوت عالياً باستقلال القضاء ليأخذ دوره في ترسيخ سلطة القانون وحماية حقوق الانسان والحريات العامة وقد كان للقضاة ذلك ) (3) الا بعض الذين حسبوا على القضاء ظلماً وعدواناً وهم ليسوا الا ادوات لهذه الانظمة الطاغية وهؤلاء ليسوا بقضاة حيث يقول القاضي الاستاذ مدحت المحمود رئيس مجلس القضاء الاعلى : (( خلال تلك الفترة ايضا فتح الباب واسعا امام عناصر غير مؤهلة للدخول الى سلك القضاء لانها تحمل هوية الحكم وافكاره وانتماءاته .. )(4) وهم مشخصون ومعروفون لدى الجميع بما فيهم ابناء الشعب وبعضهم ولى والاخر سوف يجد نفسه خارج نهج العراق الجديد عاجلاً ام اجلاً . وكانت جميع التشريعات التي تنظم عمل القضاء تؤكد على استقلال القضاء باعتباره سلطة مستقلة حتى وان كان يدمج ضمن الاجهزة التنفيذية للحكومة وذلك بسبب عدم ايمان السلطات السابقة بمبدأ الفصل بين السلطات . وفي مرحلة ما بعد عام 2002 وكتابة الدستور العراقي النافذ اعتبر القضاء سلطة ثالثة مستقلة لا سلطان عليها وفق ما جاء بالمدة _19) والتي بينت (القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون ) وافرد لها الباب الثالث في المواد (84 – 98) واشار الى ان السلطة القضائية الاتحادية تتكون من (مجلس القضاء الاعلى , والمحكمة الاتحادية العليا , ومحكمة التمييز الاتحادية , وجهاز الادعاء العام وهيئة الاشراف القضائي , والمحاكم الاتحادية الاخرى تنظم وفقاً للقانون) وعلى وفق ما جاء بالمواد (86) كما افرد مواد خاصة للمحكمة الاتحادية العليا التي تكون بمثابة المحكمة الدستورية على وفق احكام المواد (90 – 93) وانها جزء من السلطة القضائية الاتحادية .

لذلك فأن الجسم القضائي جسم واحد يتكون من عدة مفاصل منه المحكمة الاتحادية ومحكمة التمييز ومجلس القضاء وسواها من المفاصل القضائية , الا ان الاوضاع السياسية في العراق دعت الى تشكيل لجنة لاعادة النظر في بعض مواد الدستور التي كان عليها خلاف بين الكتل السياسية والتي ادرجت ضمن بنود الدستور في نص المادة (142) وهذه اللجنة لا زالت منذ تشكيلها تعمل على اعادة النظر في المسائل الخلافية من اجل اعادة كتابة والغاء بعض بنود الدستور ومن خلال ما تسرب من اللجنة من انها تسعى الى ان التطرق الى موضوع السلطة القضائية وتجعل الجسم القضائي ينقسم الى عدة كيانات منفصلة عن بعضها البعض اي جعل المحكمة الاتحادية كيان مستقل لا علاقة له بمجلس القضاء ومحكمة التمييز كيان مستقل ولا علاقة لها بمجلس القضاء ومجلس القضاء مجلس منعزل عن هاتين المحكمتين . وهذا الامر فيه خطورة كبيرة لانه سوف يؤدي الى تشظي الجسم القضائي وتقسيمه الى وحدات لا ترابط وظيفي بينهم وهذا بدوره يؤدي الى تعدد مراكز القرار في الجسم القضائي مما ينتج عنه انحراف عن خط الحياد والخضوع الى الضغوط السياسية والظرفية كما ان تشكيل الجسم القضائي بثلاث كيانات سيكون خطورة اولى نحو زرع  المحاصصة الطائفية التي لحد الان  لم تصل الى هذه المنظومة الحيوية والتي تمثل  الضمانة الوحيدة للمواطن العراقي بعيداً عن الطائفية والسياسة المقيتة التي قادت العراق الى ما هو عليه الان , ولابد من الاشارة الى ان خطورة هذا التعديل لاتكمن في كونها تلحق الاذي بالقضاء والشعب وانما تمثل خروج على الاعراف القانونية والقضائية المعمول بها في الدول المتحضرة وحتى الدول العربية والاسلامية ومنها الدول المجاورة للعراق .

لذلك ادعوا لجنة التعديلات الدستورية الى اعادة النظر في هذا المبدأ الخطير والنظر الى الموضوع في اطار الوحدة الوطنية والمحافظة على استقلال القضاء الذي لن يكون الا بوحدته جسماً ووظيفة وكذلك عليهم الاسترشاد بالشريعة الاسلامية السمحاء التي لم تكن تعرف التعدد في تشكيلات القضاء لحرصها على احقاق الحق وجعله بيد جهة واحدة تعمل على وفق مقتضيات العدل والعدالة كما ادعوا مجلس النواب الى التصدي الى مثل هذه المحاولة ومنع وقوع اضرار جسيمة بالشعب وان يقف المجلس الى جانب استقلال القضاء ودعم وحدته بعدما تخلى عن دعم القضاة ومنحهم ما يستحقون من عطاء مقابل ما يقدمون من تضحيات جسيمة وكذلك على كل الباحثين في القانون والقضاء التصدي من خلال افهام ذوي الشأن بخطورة العمل الذي يقدمون عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- المقنع – الشيخ الصدوق ص 395 .

2- استقلال القضاء في العراق ودور الدستور الدائم في حماية استقلال القضاء – القاضي مدحت المحمود .

3- استقلال القضاء في العراق ودور الدستور الدائم في حماية استقلال القضاء – القاضي مدحت المحمود .

4- نفس المصدر السابق .