التفاصيل
تعليق على قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية رقم 4/ 5/الهيئة العامة/2020 الصادر في 17 /3 /2020

تعليق على قرار الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية رقم 4/ 5/الهيئة العامة/2020 الصادر في 17 /3 /2020

2020-04-04 01:51:00

 د. مصدق عادل

أستاذ القانون الدستوري / كلية القانون- جامعة بغداد

صادقت الهيئة العامة لمحكمة التمييز الاتحادية على حكم محكمة البداءة بالعدد 568/ب/2020 في 9 /2 /2020المتضمن الغاء المرسوم الجمهوري رقم (4) في 20 كانون الثاني 2020 والامر القضائي الصادر من المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 39/ت/2020 في 20 /1 /2020

ومن امعان النظر في حيثيات وأسباب هذا القرار نجد أنه يُعد من السوابق القضائية الحديثة في العراق، والتي تؤسس لاجتهادات قضائية تكفل جعل مبدأ استقلال القضاء من الناحية العملية مرآة حقيقية وتطبيقاً سليماً لأحكام المادة (88) من دستور جهورية العراق لسنة 2005 التي تنص على أنَّ (القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة)، وتؤكد على الولاية العام للقضاء المستمدة من المادتين (100) و(91/اولاً) من الدستور، والمادة (29) من قانون المرافعات المدنية.

كما وضعت محكمة التمييز الاتحادية امام نصب عينيها عدم انتهاك احكام الدستور أو التطرق إلى الاختصاصات النوعية الممنوحة للمحكمة الاتحادية العليا بموجب المادة (93) من الدستور، أو التعرض لانتهاك الاستقلال المالي والاداري الذي تتمتع به المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (92/اولاً) من الدستور.

ولعلنا لا نغالي في القول إذا ما قلنا بأنَّ الاجتهاد القضائي العراقي لمحكمة التمييز الاتحادية باعتبارها تتربع على قمة المحاكم كان وما يزال مستمراً في سد النقص الموجود في نصوص الدستور والقانون، ومن بين اهم هذه المسائل هو مناقشة مبدأ (تحول صفة القاضي الاحتياط الى صفة القاضي الأصلي) دون وجود سند دستوري أو قانوني يجيز ذلك لرئيس المحكمة الاتحادية العليا القيام بذلك، اذ حصرت محكمة التمييز ولايتها في مدى دستورية اصدار المرسوم الجمهوري بتعيين أعضاء المحكمة الاتحادية وتحويل صفته الاحتياطية الى صفة اصلية.

ولهذا فان محكمة التمييز عندما ناقشت عدم جواز إضفاء الصفة الاصلية او الاحتياطية على عضو المحكمة الاتحادية المتقاعد محمد رجب الكبيسي فإنها اصابت الحقيقة، والتزمت بالتطبيق السليم لنصوص الدستور والقوانين النافذة، فمن جهة يُلاحظ خلو دستور جمهورية العراق من نص صريح أو ضمني يجيز لرئيس المحكمة الاتحادية العليا ترشيح أي قاضي لعضوية المحكمة الاتحادية العليا، يستوي في ذلك أنْ يكون بصفة أصلية أو احتياطية، وبالأخص بعد اصدار القرار رقم (38) في 21 /5 /2019، ومن جهة أخرى يلاحظ خلو قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (30) لسنة 2005 من أي نص يجيز لرئيس المحكمة تعيين أو تسمية عضو احتياط في المحكمة، بل على العكس نجد تبني كتاب المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 232/ت/2014 في 30 /6 /2014 الموجه الى رئاسة الجمهورية نفس المبدأ الذي تتبناه محكمة التمييز.

وفضلاً عن ذلك فإنه لا يجوز للمحكمة الاتحادية العليا أنْ تقيس على الاعراف القضائية التي تسير عليها محاكم الدرجة الأولى والثانية فيما يتعلق بتسمية القضاة الاحتياط، وذلك لأنَّ هذا الاجتهاد جاء بصورة استثنائية وبناءً على الضرورات العملية، فضلاً عن اختلاف طبيعة القرارات والاحكام التي تصدرها المحكمة الاتحادية العليا - التي توصف بالبتات والنهائية - عن طبيعة القرارات التي تصدرها المحاكم الأخرى التي تكون قابلة للطعن فيها، ومن ثم فلا يجوز لمحكمة حماية الدستور والمناط بها اخطر الاختصاصات المتعلق بالقضاء الدستوري أنْ تستند إلى أعراف قضائية ونصوص غير مدونة فيما يتعلق بتعيين قضاة احتياط في عضوية المحكمة الاتحادية العليا دون وجود سند دستوري أو قانوني.

وما يدلل على عدم دستورية وقانونية تحول صفة القاضي محمد رجب الكبيسي الى صفة عضواً اصلياً في المحكمة الاتحادية هو انتحال رئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية العليا السلطة الحصرية المناطة بمجلس الرئاسة والتي انيطت حالياً برئيس الجمهورية وفق المادة (138) من الدستور في وجوب أداء اليمين من عضو المحكمة بعد صدور مرسوم تعيينه أمام رئيس الجمهورية، خلافاً لما اشترطته المادة (7) من قانون المحكمة الاتحادية العليا، وهو الامر الذي ينفي صفة العضوية. 

وبهذا فان محكمة التمييز انتهت إلى اعتناق المبدأ القضائي المستحدث وهو أنَّ الصفة الاحتياطية للقاضي تدور وجوداً وعدماً مع الصفة الاصلية، وبانتفاء صفة العضوية الاصلية في محكمة التمييز بالنسبة لعضو المحكمة الاتحادية العليا الاحتياط فإنه يتوجب معها الحكم بانتفاء صفة العضوية الاحتياطية بحكم المنطق الدستوري والقانوني السليم.

ويؤيد الفقه الدستوري العراقي هذا الاجتهاد والمبدأ الذي اعتنقته محكمة التمييز، إذ إنَّ لتحول صفة العضوية للقاضي المعين بمرسوم جمهوري شروطاً أساسية وهي عدم مخالفة نصوص الدستور والقوانين النافذة، وحيث أنَّ المحكمة الاتحادية العليا لم تراعِ التطبيق والتفسير السليم لانتفاء صفة القاضي محمد رجب الكبيسي، لذا فإنَّ الولاية العامة الممنوحة للقضاء وعلى قمتها محكمة التمييز الاتحادية يجعل من الواجب المُلقى عليها وعلى مجلس القضاء الأعلى وفق المادة (89) من الدستور وبدلالة المادة (91/اولاً) منه الإشراف على القضاء وتصحيح المسار غير الدستوري والقانوني لتحول صفة القاضي الاحتياطي إلى صفة قاضي اصلي في المحكمة الاتحادية العليا دون سند دستوري او قانوني صريح أو ضمني، والزام وإشعار رئيس الجمهورية بإلغاء مرسومه غير الدستوري باثر رجعي كونه معدوم لا ينتج أثر في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

وبهذا الدور الانشائي الرائد لمحكمة التمييز فإنها اثبتت لجميع المختصين في القانون عموماً والقانون الدستوري وللسلطات العامة (التشريعية والتنفيذية) انها الحامي الأمين على نصوص الدستور والقوانين النافذة، كما أظهرت لنا مدى التغول والانتهاكات الدستورية الجسيمة التي قامت بها المحكمة الاتحادية العليا، وهو الامر الذي يجعل من واجب مجلس النواب القيام بدوره الدستوري وإيقاف عمل المحكمة الاتحادية العليا لعدم دستورية التشكيل الحالي والإسراع في تشريع قانون جديد للمحكمة الاتحادية العليا في إطار استكمال تشكيل المؤسسات الدستورية في العراق.