التفاصيل
القضاء اخر رهان لاستنهاض الدولة في العراق

القضاء اخر رهان لاستنهاض الدولة في العراق

2020-05-04 08:15:00

د.احمد الميالي : استاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد.

بعد ان تداعت معظم التدابير التي يعول عليها في قيام الدولة العراقية تبقى السلطة القضائية الدعامة الاساسية المحورية للحفاظ على مقوماتها واركانها واعادة قوتها وحماية مواطنيها، من خلال فرض سيادة القانون واعطاء بعد قوي للمؤسسات، ولا شك ان السلطة القضائية تحتاج بشكل ضروري الى فضاء وطني ايجابي داعم يعترف لهذه السلطة بإحلال سيادة القانون بما يعزز استقلاليتها ويمنحها الشفافية والقوة لتطبيق العدالة وحماية الحقوق العامة والخاصة، فالدولة الديمقراطية تبقى بحاجة ملحة الى قضاء قوي مستقل قادر على حسم القضايا والملفات المختلفة بجرأة وموضوعية ونزاهة بعيداً عن تدخل الجهات السياسية ، كما ان القضاء يحتاج الى شروط موضوعية وبيئة سليمة تسمح له بتحقيق مقتضيات العدالة بدون تأثير او تدخل ، فالقضاء سلطة حقيقية مستقلة تتمتع بالقوة المتاحة للسلطات الاخرى التنفيذية والتشريعية .
ولهذا يقع على عاتق تلك السلطات والفاعلين السياسيين عدم منازعة القضاء في اختصاصاته المخولة له او التطاول عليه والمساس بسمعته ومحاولة هدر هيبته .
استطاعت السلطة القضائية في العراق الحفاظ على استقلاليتها واحترام قراراتها وعملت مؤخرا على خلق قناة اتصال شفافة للتواصل مع الرأي العام فيما يخص مبارزة الفساد السياسي والمالي والاداري ، كما ان هذه السلطة خلقت اجواء ايجابية مثمرة في تطوير سمعة القضاء في المحافل الدولية عبر ضمان تطبيق المعايير الدولية في المحاكم العراقية واصول التقاضي بعدالة للجميع.
لكن نشهد بين الحين والاخر محاولات لاطراف سياسية متضررة من اجراءات مجلس القضاء الاعلى فيما يخص متابعة وملاحقة بعض الفاعليين من ذوي النفوذ السياسي والاقتصادي والمطلوبين له : التشويش على الانجازات التي حققها في الاونة الاخيرة بهذا المجال. عبر الترويج بان إجراءات مجلس القضاء الأعلى في ملاحقة ومتابعة ملفات الفاسدين مرتبطة بتداعيات المشهد السياسي وخاضعة للحسابات السياسية وتأثيراتها، معتقدين ان وضع الضغوطات على القضاء اعلاميا او محاولة إتهام قراراته وإجراءاته بالتسيّيس وعدم الاحتكام للمبادئ القانونية سيعمل على غلق هذه الملفات والقضايا او تناسيها، لكن لايمكن اعتبار مثل هذه السلوكيات الا خطوات متعثرة تأتي بارتدادات عكسية لأنها تعزز موقف القضاء وتدفع به الى مواصلة ومتابعة تلك الملفات وفق اجراءات قانونية صرفة ومجردة وشفافة.
هذه الحملات الضاغطة ضد القضاء في هذا التوقيت تعكس حالة تصاعد الصراع السياسي في ملف تشكيل الحكومة، من جهة، واعادة انتاج وجودها السياسي في المرحلة القادمة من جهة اخرى، وخاصة ان هنالك اقطاب سياسية متهمة بالفساد وعليها ملفات ومطالبات قضائية برفع الحصانة البرلمانية، في وقت تتدافع هذه الاقطاب من اجل الضغط باتجاه الحصول على مواقع ومناصب في الحكومة المرتقبة وتشعر ان متابعة هذه الملفات والاحكام يسحب البساط من تحتها في الحصول على تلك المكاسب، وايضا مثل هكذا قضايا وملفات تجعلهم في طائلة المطلوبية للقضاء وبالتالي انحسار مستقبلهم السياسي، كما انها تفسر بلا شك ان هنالك دفع سياسي مضاد وموجه ضد القضاء من قبل اقطاب سياسية لها طموحات في العودة الى واجهة السلطة عبر توسيع دائرة التحالف السياسي الذي يشمل ويتضمن من عليهم ملفات وقضايا قضائية، مما يستلزم ايقاف تلك القضايا والملاحقات؛ لانها تعمل على تشويه واضعاف موقف هذا القطب السياسي او ذاك فيما لو تحالف مع هؤلاء. ولهذا حاولوا تعويم تلك القضايا للرأي العام على انها نتاج ضغوطات سياسية موجهة عبر القضاء اليها، محاولين جعل القضاء اشبه بالسلطة الادارية المسلوبة لمقومات الاستقلالية.
بعد هذه الحملة الممنهجة ضد القضاء سينتظر العراقيين الاجراءات في ملاحقة ملفات الفساد السياسي والمالي لهؤلاء، كما ان توضيح مجلس القضاء الاعلى لمحاولات الضغط السياسي الممارس عليه ارسل اشارة رادعة وقوية للاطراف السياسية المراهنة على اسلوب خلط الاوراق ومحاولة القفز فوق القانون عبر هذه الوسائل كما انه اعطى انطباعا للمواطنين عن جدية مبدأ المساءلة والمحاسبة.
اخيرا ينبغي الكف عن مثل هذه الحملات الضاغطة على القضاء؛ لانه لا يمثل حجر الزاوية الذي يحفظ نزاهة الحياة السياسية فحسب، لكنه الركن الاخير المتبقي لاستنهاض الدولة وقيامها في العراق.