التفاصيل
الاستجواب الجنائي والانتظار المقلق

الاستجواب الجنائي والانتظار المقلق

القاضي اريج خليل

2020-05-17 09:25:00

الاستجواب الجنائي هو مناقشة المتهم من قبل الجهة المختصة بالتحقيق مناقشة تفصيلية عن التهمة المنسوبة اليه ومجابهته بالأدلة القائمة ضده ومطالبته بالرد عليها بغية الوقوف على وقائع الجريمة المرتكبة وكشف الحقيقة.

المشرع العراقي كفل ضمانات للمتهم اثناء مرحلة الاستجواب في الدستور والقانون حيث نصت المادة ١٩ / ثالث عشر من الدستور " تعرض اوراق التحقيق الابتدائي على القاضي المختص خلال مدة لا تتجاوز اربع وعشرين ساعة من حين القبض على المتهم ولا يجوز تمديدها الا لمرة واحدة "، كما اشارت الفقرة سادسا من المادة الدستورية اعلاه " لكل فرد الحق في ان يعامل معاملة عادلة في الاجراءات القضائية والادارية "، اما قانون اصول المحاكمات العراقي رقم ٢٣ لسنة ١٩٧١ فقد نص في المادة ١٢٣ على ذات المفهوم اعلاه حيث جاء فيها " على قاضي التحقيق او المحقق ان يستجوب المتهم خلال ٢٤ ساعة من حضوره بعد التثبت من شخصيته واحاطته علما بالجريمة المنسوبة اليه... " اي انه وفقا للقانون العراقي فان من يستجوب المتهم هو المحقق وقاضي التحقيق حيث يتم تدوين اقوال المتهم ابتدائيا ومن ثم تسييره لغرض تصديقها امام قاضي التحقيق واوجب المشرع العراقي عند اجراء الاستجواب توفير عدة ضمانات قانونية للمتهم والتي نص عليها القانون كحقه بالصمت وحقه في الدفاع عن نفسه وعدم قبول استجوابه الا بحضور محام للدفاع عنه وحقه بالاستماع الى اقواله وعدم تحليفه اليمين القانونية وعرض العفو عليه اثناء استجوابه اذا ساهم في كشف الجريمة والتوصل الى الجناة الآخرين.

وان الاستجواب هو دليل من الادلة المعتبرة في الاثبات الجنائي ولغرض اعتباره دليلا مقنعا وصحيحا يجب عند اجرائه عدم التأثير على إرادة المتهم باي اسلوب من الاساليب غير المشروعة وقد نصت المادة ١٢٧ من قانون اصول المحاكمات الجزائية على ذلك وجاء فيها "لا يجوز استعمال اي وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على اقراره ويعتبر من الوسائل غير المشروعة اساءة المعاملة والتهديد والايذاء والأغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير".

احيانا قد يحصل ان يكون الاستجواب قد تم وفق القانون اي انه تم خلال مدة الاربعة وعشرين ساعة المحددة دستورا وقانونا وبتوفر كافة الضمانات القانونية الا ان الجهة التحقيقية تستعمل بعض الاساليب غير المشروعة والتي اجدها من ضمن الاساليب التي نصت عليها المادة ١٢٧ الأصولية كأسلوب الانتظار المقلق والمرهق ذهنيا ونفسيا للمتهم، حيث ان هذا الاسلوب نجده كثيرا ما يستخدم في الاستجوابات الجنائية حيث يتم وضع المتهم في مكان لانتظار دوره في الاستجواب ولمدة ساعات وفي مكان قريب عن غرفة الاستجواب او احيانا وضعه في مكان مهين او ضيق لغرض ايصاله الى ذروة القلق والتوتر النفسي والعصبي والتي تؤدي احيانا الى ادلاء المتهم بمعلومات تكون نتيجة مباشرة لما تعرض له من تأثير نفسي وعصبي، ولاعتبار الانتظار المقلق من الطرق غير المشروعة التي تستخدم في الاستجواب يدخل في ذلك عدة عوامل منها قدرته على التعايش مع هكذا وضع نفسي واعتياده على ارتكاب الجريمة وكذلك درجة تعلمه ومركزه الاجتماعي فالمتهم المتعلم او الذي لديه مركز اجتماعي مهم او مؤهل ثقافي قد يكون استعداده للانهيار النفسي اسرع من غير المتعلم او قليل التعلم الذي لا يتأثر بالعوامل النفسية او يتأثر بها ومن الممكن ان ينهار ولكن بشكل بطيء وكذلك اصحاب السوابق المعتادين على الاجرام لا تؤثر فيهم هذه الاساليب اما المتهم الذي لم يسبق له ممارسة الافعال الجرمية فيكون اكثر سرعة في الوصول الى ذروة الانهيار النفسي والعصبي.

قد يكون هناك من يجد ان طريقة الانتظار المقلق هي من الطرق الفعالة في الاستجواب والتي لها تأثير على المتهم المستجوب كونها تجعله يفقد تركيزه بشكل يصعب معه السيطرة على الاقوال الكاذبة التي ينوي الادلاء بها، الا انه يبقى اسلوبا غير مشروع وذات تأثير نفسي سلبي على المتهم.

 ويؤدي الى اعتبار الاجراء التحقيقي باطل لان الاعتراف يجب ان يؤخذ بطرق مشروعة وان يكون عن ارادة حرة وسليمة وليس نتيجة ضغوط نفسية وعصبية، ونجد ان الأذى النفسي الذي يلحق بالمتهم نتيجة انتظاره لساعات طويلة قبل الاستجواب يؤدي الى ان يفقد المتهم سيطرته على اعصابه وتضعف ارادته مما يسهل اعترافه للتخلص من هذا الظرف النفسي فان ذلك يعد اعتداءا على ارادته التي يفترض ان تكون حرة وسليمة.

ان المشرع العراقي وان لم ينص على هذه الحالة صراحة الا انها تعتبر من الاساليب التي تندرج تحت مفهوم التأثير النفسي الواردة في المادة ١٢٧ من قانون اصوال المحاكمات الجزائية العراقي خاصة وان هذه المادة ذكرت عددا من الطرق غير المشروعة المؤثرة في المتهم المستجوب والتي تنقص من ارادته او تعدمها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر كونها وسيله ذات اثر نفسي غير مشروع على ارادة المتهم اما الاثر القانوني فانه يترتب على استعمال الطرق غير المشروعة عند استجواب المتهم عدم صحة الاجراء التحقيقي وبطلانه وعدم الأخذ بالاقوال المنتزعة بهذه الطرق خلال الاستجواب خاصة وان القواعد المقررة للاستجواب متعلقة بالنظام العام وان مخالفتها يؤدي الى بطلان الاستجواب كدليل في الدعوى الجزائية.