التفاصيل
القانون والعدالة باعتبارهما قيمة مطلقة لا مجرد نصوص‎ ‎

القانون والعدالة باعتبارهما قيمة مطلقة لا مجرد نصوص‎ ‎

القاضي صباح الداوودي/ عضو الإدعاء العام في اقليم كُردستان العراق – السليمانية

2020-05-19 11:05:00

هناك فرق شاسع بين القانون كروبوت مبرمج وبين روح القانون وهي الحكمة النهائية ‏من سنه وتشريعه, فالروبوت لا روح فيه والروح هي الحياة‎.‎

روح القانون تمثل غاية لا يمكن بلوغها من اي احد كان بل يبلغها المتمرسون بالعلم ‏والحكمة والمتمترسون بالدراسة الدقيقة لعلوم القانون والمتخبرون لمجالات الحياة وهذه ‏الشروط وإن وجدتها نظريا سهلة المنال إلا أنها صعبة الى حد عدم القدرة على ‏الحصول على واحد من الألف من بين البشر يستطيعون بلوغها او نيلها.‎

كثيرا ما يحدث أن يقع حادث إطلاق نار او شجار دموي بين عائلتين او شخصين او ‏فئتين يحدث أن تقع ضحايا قتلى نتيجة ذلك وفي الوقت الذي تحتم النصوص القانونية ‏العقابية إنزال عقوبة الموت بالجاني او من تثبت عليه تهمة جريمة القتل مع سبق ‏الإصرار والترصد إلا إننا رأينا في الكثير من الحالات إن العائلتين عائلة الجاني وعائلة ‏المجنى عليه يتصالحون وتدفع إحداهما لأخراهما دية تقررها العشائر والقبائل والوجهاء ‏الذين يتدخلون لرأب الصدع وقد يحدث أن تُفرض على قبيلة الجاني تزويج إحدى بناتها ‏من شقيق للمجنى عليه او قريب له !!,, كل هذا رأباً للصدع, وكل هذا والتحقيق في ‏الجريمة مستمرة !!,,تنتهي إجراءات التحقيق ويحال المتهم الى محكمة الجنايات وبينما ‏يتوقع رجل القانون المجرد من مفاهيم روح القوانين والمتمسك بشدة بروبوتية القانون ‏بأن الجاني سوف ينال عقوبة الموت نرى أن المحكمة قد تحكم على الجان بعقوبة أخف ‏من عقوبة الإعدام بأن تكون السجن المؤبد او السجن لمدة تتجاوز الخمسة عشرة سنة, ‏أو ربما قد تلجأ المحكمة المختصة الى تطبيق نصوص قانون صادر بالعفو العام وتشمل ‏بعض نصوصه المتهم او الجان بالإعفاء أو التخفيف عنه كما يحدث عادة في بعض ‏بلدان الشرق ومنها العراق أيضا.‎

من يعتقد بأن القانون هو عبارة عن نصوص مدونة مقننة ويجب تطبيقها حرفا دون اي ‏ميل للأخذ بنظر الإعتبار جانب الحكمة النهائية من وجود القانون في المجتمع وسيادته ‏وسمو القضاء به وهو الجانب الملامس لمفهوم روح القانون وروح العدالة أيضا كتلامس ‏الرأي الأول لنصوص العدل فإن ذلك الاعتقاد إنما هو نتاج التقيد المتزمت بالنصوص ‏الجافة دون الإسباغ عليها من بصمات روح القانون ورغم أن التطبيق الحرفي للنص لا ‏يؤاخذ عليه أحد إلا أن الإسباغ والاقتباس من روح القانون عند تطبيق النص العقابي ‏وتفعيل آليات الاستناد الى نصوص المواد الراسمة لمديات وحدود الاعذار المخففة بدل ‏التمسك بالظروف المشددة دون إيلاء أعباء الحياة في المجتمع والتي تعمل عملها في ‏الناس عموما وفي بعض شخوص الجرائم خصوصا كل هذا إنما هو من قبيل الاستنباط ‏السليم من منهل روح القانون ومن قيم العدالة واللتان تلتقيان في النهاية من حكمة وجود ‏القانون كما ذكرنا.‎

إن كنت مؤمنا بروبوتية القانون فالقرار المنطوي على السخاء في الرأفة بالمدانين هو ‏قرار خاطئ وإن كنت مؤمنا بأن المقصود بالقانون هو روح القانون وليس شكله ‏ونصوصه العصية فالقرار صحيح وعادل وموافق للقانون.‎

لا يمكن محاججة القاضي الذي قرر التوسع في منح الأعذار المخففة حجما اكبر من ‏حجمها الحقيقي المتحقق عند كل واقعة جرمية بتفاصيلها وبالتالي الرأفة بالمتهم الجان ‏والقول بأن اجتهاده خاطئ وفق حجج النصوص الجافة لأن القاضي والمحكمة ‏المختصة إنما كانا قد توخيا روح القانون وأراد القاضي تطبيق القانون روحاً ايضا, لا ‏فقط لأجل ذاته وإنما لأجل غاياته ايضا , فالغاية من وجود القانون ليست هي العقوبة ‏فقط وإنما الاستمرار في استتابة الأمن والاستقرار في المجتمع‎ .

العدل, العدالة, القانون العادل, القضاء العادل, تعبير عن عناوين تمثل العدل ‏باعتباره القيمة المطلقة لا مجرد قيمة معنوية مضافة الى بقية القيم ,,العدالة والعدل هي ‏دين أيضا كبقية الأديان فمن تحرى العدل ومن سن القانون العادل ومن طبقه بعدل ‏متوخيا العدالة فهو على دين, حتى لو لم يكن على اي دين آخر وهو فرض مطروح ‏كمثال‎ .

لو أمعنا النظر في الآية الكريمة (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) !! ,,فإننا سوف ‏نرى بأن يوسف (ع) لم يكن باستطاعته وهو قد كان بمثابة رئيس وزراء في تلك ‏المملكة ان يأخذ أخاه في دين الملك, ما هو دين الملك ؟! قانونه ,, نعم قانونه ,, قانون ‏ذلك الملك ومملكته كان يمنع تقييد حرية انسان من دون سبب او مسوغ قانوني وبغير ‏قرار من القضاء وهنا نرى أنه سبحانه وتعالى قد وصف قانون ذلك الملك بالـ(دين) ‏رغم أن غالبية التفاسير تذهب الى كون ذلك الملك غير موحد !!, أي إن الملك لم يكن ‏متديناً في أفضل حالاته ولكنه كان محباً للعدالة ومؤمنا بالعدل ولهذا جاءت قوانينه لتمنع ‏تقييد حرية إنسان ما من دون سبب قانوني ومن دون قرار قضائي‎.‎