التفاصيل
أمر القبض بين الإصدار والتنفيذ

أمر القبض بين الإصدار والتنفيذ

القاضي علي محمد سليم الدراجي

2020-06-17 09:21:00

أمر القبض هو طريق من طرق أجبار المتهم على الحضور بالإضافة إلى الطريق الأخر وهو التكليف بالحضور أو ما يسمى قضائيا بالاستقدام.

وأمر القبض يعني :- الامساك بالمتهم من قبل المكلف بألقاء القبض عليه ووضعه تحت تصرفه لفترة قصيرة من الوقت من أجل أحضاره امام السلطة التحقيقية لغرض استجوابه والتصرف بشأنه وتقرير مصيره حول الفعل الجرمي المرتكب من قبله والذي على اساسه تم اصدار امرالقبض بحقه.

وامر القبض هو من القرارات الخطيرة التي تتخذ في مرحلة التحقيق القضائي وهي المرحلة التي تسبق مرحلة المحاكمة التي تتولاها المحكمة المختصة (الجنايات والجنح) حسب الوصف القانوني للجريمة المحال عنها المنهم ,, لانه يمس حرية الانسان الشخصية لذلك نجد ان التشريعات الدستورية او القانونية لا تبيحه الا في الحدود المقررة قانونا وهذا ما جاء في دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة (15) حيث نصت (( لكل فرد الحق في الحياة والامن والحرية, ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون وبناءا على قرار صادر من جهة قضائية مختصة )) أي عدم جواز إصدار أمر القبض إلا من القضاء المتمثل في المحاكم المختصة وهي محاكم الجزاء سواء صدر من محكمة التحقيق أو محكمة الجنايات او الجنح.

أحكام القبض في القانون العراقي

ورد أحكام أمر القبض في قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل في الباب الخامس الفصل الثاني منه في المواد (92- 108) حيث بينت هذه المواد الجهة المختصة بأصدار امر القبض والبيانات التي يشتمل عليها ونفاذ مفعوله ونطاق تطبيقه وما هي الجرائم التي يكون فيها اصدار امر القبض وجوبا و التي يصدر فيها جوازا وكيفية تنفيذه داخل وخارج منطقة اختصاص القاضي الذي اصدره ومن هي الجهات والاشخاص الذين يقع على عاتقه واجب تنفيذه ,,وحيث اننا  في صدد بيان الجهة التي تصدر امر القبض والجهة التي تقوم بتنفيذه فسوف نشير الى النصوص القانونية التي تضمنت هذه الحالتين:-

نصت المادة (92) من قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل على ((لا يجوز القبض على أي شخص أو توقيفه الا بمقتضى أمر صادر من قاضي أو محكمة  مختصة وفي الاحوال التي يجيز فيها القانون ذلك)) ويفهم من النص المتقدم بأن من يصدر امر القبض هم القاضي والمقصود به قاضي التحقيق وهو من ينظر القضية في دور التحقيق قبل احالتها الى المحكمة المختصة والمحكمة المختصة هي اما محكمة محكمة الجنايات وهي تنعقد من ثلاثة قضاة رئيس وعضوين او محكمة الجنح والتي تنعقد من قاضي واحد منفرد او محكمة الاحداث في قضايا الاحداث وهي تنعقد برئاسة قاضي وعضوين من المختصين في العلوم الجنائية او العلوم الاخرى وهذا ما نصت عليه المادة (54) من قانون رعاية الاحداث رقم (76) لسنة1983 أي ان امر القبض لا يصدر الا من جهة قضائية مختصة وخلاف ذلك فان أي امر بالقبض يصدر من جهات اخرى غير قضائية يعتبر معدوما وباطلال ولا ينتج أي اثر قانوني له ويضع الشخص او الجهة التي تصدره نفسه امام المسائلة القانونية.

والسؤال الواجب طرحه هنا من هي الجهة والافراد المكلفين بتنفيذ امر القبض الصادر من الجهة القضائية المختصة التي اشرنا اليها في الفقرة السابقة؟

الجواب نجده في نص المادة (93) الاصولية حيث جاء فيها ((....يشتمل امر القبض على تكليف اعضاء الضبط القضائي وافراد الشرطة بالقبض على المتهم وارغامه على الحضور في الحال اذا رفض ذلك طوعا)) وكذلك ما جاء في نص المادة (103) الاصولية (( على كل فرد من افراد الشرطة او عضو من اعضاء الضبط القضائي ان يقبض على الاشخاص الاتي بيانهم :- 1/ كل شخص صدر بحقه امر بالقبض  من سلطة مختصة ....)) واعضاء الضبط القضائي هم من نصت عليهم المادة (39) الاصولية على سبيل الحصر ومنهم ضباط الشرطة ومأموروا المراكز والمفوضون ... )) حيث يقع عليهم مسؤولية تنفيذ اوامر القبض الصادر من القاضي او المحاكم المختصة والتي اشرنا اليها انفا.          

ومن الناحية العملية فأن امر القبض بعد صدوره من القاضي او المحكمة المختصة يحرر بورقة تسمى (مذكرة امر القبض) والتي تشتمل على البيانات المشار اليها في المادة (93) الأصولية ومنها اسم المتهم الثلاثي ولقبه واسم الأم احيانا في حالة وجود نقص في اسم المتهم واوصافه وعمله ومحل اقامته والمادة القانونية ونوع الجريمة المسندة اليه وتتضمن مذكرة امر القبض ايضا تكليف اعضاء الضبط القضائي وافراد الشرطة بالقبض على المتهم واجباره على الحضور اذا رفض الحضور طوعا وللمكلفين بتنفيذ امر القبض التحري عن المتهم في محل اقامته واماكن تواجده لغرض تنفيذه بحق ويحرر محضرا بكافة الاجراءات التي تمت لغرض تنفيذ امر القبض سواء تم القبض على المتهم او تعذر تنفيذه حتى تكون المحكمة على اطلاع بكافة الأجراءات المتخذه بشأنه.

ولابد ان نشير هنا الى ان القبض على من يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون لا تقع على عاتق من تم ذكرهم سلفا بل لكل شخص ان يقبض على أي متهم بجريمة اذا كانت هذه الجريمة مشهودة او كان المتهم قد فر بعد القبض عليه من قبل الشرطة او كان قد حكم عليه غيابيا كما ان لكل شخص ان يقبض على أي احد وجد في محل عام وهو في حالة سكر بين واحدث شغبا فيه نتيجة لذلك وهذا ما نصت عليه المادة (102) الاصولية.

وللايضاح فان الجريمة المشهودة المشار اليها أنفا والتي اجازت المادة (102) الاصولية لكل شخص ان يقبض على مرتكبها ولو بغير امر صادر له من السلطة المختصة فقد نصت عليها المادة (1/ب) الاصولية وهي الجريمة التي شوهدت حال ارتكابها او بعد ارتكابها ببرهة يسيرة أي فترة زمنية قصيرة جدا او اذا تبع المجنى عليه أي (الشخص الذي وقعت عليه الجريمة) مرتكبها عند وقوعها او تبعه الناس او الجمهور الحاضرين لحظة ارتكابها وكان ذلك مصحوبا بالصياح على المتهم او اذا وجد من ارتكب الجريمة بعد وقوعها بفترة وهو يحمل ألات او اسلحة او امتعة او أي اغراض يستدل منها على انه هو من ارتكب الجريمة في هذه الحالات تسمى الجريمة بالجريمة المشهودة ويكون لكل شخص ان يقبض على مرتكبها دون حاجة الى ام قبض صادر من سلطة مختصة.

واخيرا لابد ان نشير الى بعض القوانين الخاصة التي تتطلب شكلية معينة لتنفيذ أوامر القبض الصادرة بحق المتهمين وتحديدا قانوني اصول المحاكمات العسكري واصول محاكمات قوى الامن الداخلي فيما يتعلق بمنتسبي هاتين المؤسستين الصادر بحقهم اوامر قبض او بصورة عامة العسكريين سواء أكانوا من الجيش او الشرطة.

فاذا كان من صدر عليه امر بالقبض من السلطة المختصة من منتسبي قوى الأمن الداخلي (الشرطة) فقد عالج قانون اصول المحاكمات الجزائية لقوى الأمن الداخلي رقم (17) لسنة2008 أجراءات تنفيذه حيث نصت المادة (111) منه ((لا يجوز تبليغ رجل الشرطة أو تكليفه بالحضور او القء القبض عليه إلا بناءا على موافقة الوزير المختص او من يخوله اذا كان الفعل قد ارتكب اثناء اداء واجبه )) أي ان لا ينفذ امر القبض الصادر من السلطات المختصة ضد منتسب الشرطة من الضباط فلا ينفذ ام القبض بحقه الا اذا اقترن ذلك بموافقة الوزير المختص (وزير الداخلية) او من يخوله بذلك كان يكون مدير الشرطة مثلا في المكان الذي يعمل فيه المنتسب هذا اذا كان ام القبض صادر من سلطة قضائية مدنية اما اذا كان صادر من سلطة قضائية عسكرية أي من محكمة قوى الامن الداخلي مثلا فانه لا حاجة لموافقة الوزير على تنفيذه مسبقا وهناك استثناء نصت عليه المادة (112) منه وهي فيما اذا كانت الجريمة المرتكبة من قبل ضابط الشرطة هي من الجرائم المشهودة التي اشرنا ايها انفا  يجوز القبض على المتهم دون موافقة الوزير او من يخوله وتسليمه الى اقرب مركز شرطة او دائرة تابعة لقوى الامن الداخلي ,اما رجل الشرطة من غير الضباط أي من المراتب فيجوز القبض عليه دون حاجة الى موافقة الوزير  ويتم توقيفه والاشعار الى المستشار القانوني في دائرته بالاجراءات المتخذة بشانه على ان لا يتجاوز مدة توقيفه على 30 يوما وهذا ما نصت عليه الفقرة( ثانيا ) من المادة (112) المشار اليها اعلاه.

اما ما يتعلق بالعسكريين من منتسبي الجيش والاجهزة الامنية التابعه لها فقد عالج قانون اصول المحاكمات الجزائية العسكري رقم (22) لسنة 2016 في المادة (19/ثانيا) منه أجراءات تنفيذ امر القبض الصادربحق منتسبيها حيث نصت (( لا يجوز تنفيذ امر القبض على الضابط او توقيفه في غير حالة ارتكابه الجريمة المشهودة الا بعد استحصال موافقة القائد العام للقوات المسلحة او من يخوله )) والقائد العام للقوات المسلحة في العراق هو (رئيس مجلس الوزراء)ومن يخوله (وزير الدفاع)اما اذا كان العسكري من غير الضباط أي من المراتب فلا ينفذ امر القبض الصادر بحقه الا بعد استحصال موافقة وزير الدفاع او من يخوله الوزير وهذا ما نصت عليه المادة (112/ثالثا) من قانون اصول المحاكمات العسكري انف الذكر.

ونرى انه يجب الا يؤدي هذا الاستثناء الذي نصت عليه القوانين العسكرية فيما يتعلق بتنقيذ امر القبض الصادر بحق منتسبيها سواء كانوا من الشرطة او الجيش او الاجهزة الامنية التابعة لهما الى تعطيل تنفيذ قرارات القضاء لما له من اثر سلبي على تطبيق القانون وتحقيق العدالة وحتى لا تكون هذه الاجراءات والقيود هي وسيلة لأفلات مرتكب الجريمة من افراد الجيش او الشرطة من العقاب من خلال ممارسات قد تؤدي الى ذلك ومنها تأخير صدور موافقة الوزير المختص خصوصا اذا كان من صدر امر القبض بحقه من ذوي الرتب العسكرية العالية التي قد تبيح لحاملها ان يمارس اشكالا من التدخل الذي قد يؤثر او يمنع من تنفيذ ام القبض بحقه او حق من هم تحت مسؤوليته مما يفقد المؤسسة العسكرية او الامنية مصداقيتها امام الشب الذى حمايته هو من صميم واجبهم حتى من الجرائم المرتكبة من منتسبيها ضباط او مراتب ونعتقد انه يجب ان يتم تعديل المواد التي تمنع من تنفيذ امر القبض على أي مرتكب للجريمة حتى وان كان من العسكريين سواء اكان الشرطة او الجيش بحيث لا تقترن بموافقة القائد العام او الوزير المختص او من يخولوهم حتى نضمن حسن تطبيق القانون والقرارات الصادرة من السلطات القضائية.

بقي ان نبين بأن امر القبض الذي تصدره السلطة المختصة (القاضي او المحكمة المختصة) يبقى مرعيا ونافذ المفعول في جميع انحاء العراق وواجب التنفيذ من قبل من وجه اليه من الذين اشرنا اليهم انفا ولا يبطل او يلغى الا من قبل من اصد ره أو من سلطة اعلى منه قانونا ويجب ان يطلع الشخص الصادر بحقه امر القبض عليه ويفهم به قبل تنفيذه فاما ينفذه طواعية او جبرا اذا رفض ذلك (م/94) الاصولية ولا بأس ان نبين هنا ما هي الجرائم التي يوجب القانون فيها اصدار ام القبض بحق المتهم بها وماهي الجرائم التي يكون احضار المتهم فيها جوازيا.

فقد نصت المادة (99) الاصولية ((يحض المتهم باصدار امر القبض اذا كانت الجريمة معاقبا عليها بالحبس مدة تزيد على سنة الا اذا استصوب القاضي احضاره بورقة التكليف بالحضور, غير انه لا يجوز اصدار ورقة تكليف بالحضور اذا كانت الجريمة معاقبا عليها بالاعدام او السجن المؤبد)) يفهم من النص المتقدم بان اصدار امر القبض في الجرائم التي تكون عقوبتها الحبس مدة تزيد على سنة (جرائم الجنح )هي مسألة جوازية للقاضي تتعلق بوقائع الدعوى والادلة المتوفرة فيها ولكن لا يحضر هذا الجواز القانوني اذا ارتكب المتهم جريمة معاقبا عليها بالأعدام او السجن المؤبد(جرائم الجنايات) ومدة السجن المؤبد في قانون العقوبات العراقي رقم (111) 1969 المعدل هي (عشرين سنة) (م/87) لان هذه الجرائم من الخطورة على المجتمع بحيث أثر المشرع ان يكون اصدار امر القبض فيها وجوبيا.

((ومن الله التوفيق))