التفاصيل
أثر الغش والتدليس على قرارات الادارة (المرسوم الجمهوري نموذج ا )

أثر الغش والتدليس على قرارات الادارة (المرسوم الجمهوري نموذج ا )

2020-06-26 12:03:00

القاضي غالب عامر الغريباوي

رئيس محكمة استئناف واسط الاتحادية / رئيس جمعية القضاء العراقي

 بتاريخ  9/2/2020  أصدرت  محكمة  بداءة الكرخ قراره المرقم 568  /ب / 2020  القاضي بإلغاء  المرسوم  الجمهوري  المرقم 4  في 20  / كانون  الثاني  2020  المتضمن  تعيين  القاضي المتقاعد محمد  رجب الكبيسي عضوا  اصليا  في المحكمة الاتحادية  العليا.

 وقد أثار البعض اللغط حول اختصاص محكمة البداءة بالنظر في تلك الدعوى ، و ذهب البعض الآخر إلى السؤال عن كيفية قيام محكمة البداءة بإلغاء قرار صادر عن المحكمة الاتحادية  العليا ، فأما بالنسبة  للسؤال عن  كيفية تصدي محكمة  البداءة لإلغاء قرار للمحكمة الاتحادية  فلا شك أن من أثار ذلك السؤال لم يقرأ قرار محكمة البداءة مطلقا إذ ان القرار المذكور لم يتطرق لأي قرار من قرارات المحكمة الاتحادية وإنما كان موضوعه إلغاء المرسوم الجمهوري  الصادر عن  رئاسة  الجمهورية  ، وعلى من أثار هذا السؤال ان يرجع الى القرار ويتأكد من ذلك .

 أما بخصوص  الإشكالية  الأخرى المطروحة  وهي  الأكثر ترديدا  بين  المنتفعين من استمرار عمل المحكمة رغم بطلان تشكيلها وهي الطعن في اختصاص محكمة البداءة بالنظر في إلغاء المرسوم  الجمهوري  باعتباره  عملا  من أعمال  الإدارة، فعلى الرغم  من  أن قرار الهيئة العامة  لمحكمة  التمييز الاتحادية  قد  ناقش وبإسهاب  وبشكل  علمي  وقانوني  ما  يثبت أن  النظر في إلغاء هذا المرسوم  يدخل ضمن اختصاص  القضاء العادي إلا إنني سأناقشه  من  جوانب أخرى لأصل إلى النتيجة ذاتها.

 لا شك أن الطعن في القرارات الإدارية يدخل في اختصاص القضاء الإداري، وهذا هو المبدأ العام. ولكن صدور القرارات الإدارية ومنها المراسيم الجمهورية بناء على الغش والتدليس يعتبر سببا في بطلانها بل في انعدامها وفقا للفقه القانوني والقضائي ، اذ أجمع فقهاء القانون الإداري على ان صدور القرار الإداري بناء على الغش والتدليس وانعدام حسن النية يكون سببا لانعدامه و يعطي الحق للإدارة في سحبه في أي وقت دون التقيد بمدد  الطعن  المحددة  لذلك  القرار لأنه  يكون  معيبا   بهذا  العيب الذي يجعله  غير  جدير  بالحماية  ويحرمه  من الحصانة  ولهذا  يستعمل طريق  سحب  القرار الإداري معه  باعتباره  أحد الطرق المقررة قانونا  لانقضاء القرارات الإدارية  ، وهذا ما  التفت إليه  مجلس القضاء الأعلى وبناء عليه طلب من رئاسة الجمهورية سحب المرسوم الجمهوري المذكور باعتبار أنه مجلس القضاء الأعلى هو من يتولى إدارة شؤون  الهيئات القضائية كافة وفقا إلى نص المادة 90 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005، الا أن رئاسة الجمهورية لم تستجيب للطلب  المذكور في حينه .

 ولا يجوز  بهذه الحالة  استعمال  طريق  الالغاء ، أي استعمال  الادارة صلاحياتها  القانونية  في إلغاء القرارات الصادرة عنها ،  ذلك أن الفقه والقضاء قد اجمعا على أن سحب القرار يختلف عن الغاءه من حيث الآثار المترتبة على كل منهما ، لأن الالغاء يؤدي إلى تجريد القرار الإداري من آثاره  بالنسبة  للمستقبل فقط وتبقى الاثار  التي ترتبت  عليه قبل الالغاء  ، أما  سحب  القرار فإنه  يجرده  من  جميع  آثاره  من  تاريخ  صدوره  ، وأن  صدور  القرار الإداري بناء على الغش والتدليس يعتبر وكما ذكرت سببا  لبطلانه أو انعدامه ويحوله إلى مجرد عمل مادي  يختص القضاء العادي  بنظر الطعن  الخاص به وفقا للولاية العامة  لذلك القضاء ويخرجه عن اختصاص القضاء الإداري باعتباره أجراءاً  منعدما   ليست له أي مقوم من مقومات العمل او القرار الإداري ولا يحق للإدارة أن تقوم باستعمال طريق الالغاء معه كما اسلفنا وأنما  يتوجب عليها  استعمال طريق  سحب القرار لكي تمحو  كافة الأثار المترتبة عليه او أن تقام الدعوى به أمام القضاء العادي  لطلب سحبه  باعتباره  عملا   ماديا   صرفا .

 اما المقصود بالغش الذي يؤدي الى انعدام القرار الاداري، فهو عمل قصدي يتوافر عند استعمال صاحب الشأن طرق التضليل بغية الوصول إلى غرض غير مشروع قانونا  يدفع الادارة إلى إصدار قرارها لتحقيق ذلك الغرض، ويكون ذلك اما باستعمال طرق مادية كافية لإخفاء الحقيقة او عم لا  سلبيا محضا  يتمثل في كتمان صاحب الشأن عمدا بعض المعلومات الاساسية  التي تجهلها الجهة الإدارية  المختصة بإصدار ذلك القرار ولا تستطيع معرفتها ويؤثر ذلك تأثيرا جوهريا في إرادتها عند إصدارها للقرار المطلوب، على أن يثبت علم المستفيد بهذا التدليس او الغش أو أنه كان  من المفروض حتما  أن يعلم بذلك.

 ان  السيد  رئيس المحكمة  الاتحادية  عندما  طلب من  رئاسة  الجمهورية  تعيين  القاضي المتقاعد محمد رجب الكبيسي عضوا اصليا  فيها باعتبارها  عضوا احتياط  في تلك المحكمة وفقا لما جاء في الكتاب الصادر عنه، كان يعلم جيدا عدم وجود أعضاء احتياط فيها وفقا لقانونها كما يعلم انه هو من  أوجد منصب الأعضاء الاحتياط  ورغم  ذلك فأنه يقر بانتهاء  عضويتهم تلك عند  احالتهم على التقاعد في المحاكم التي كانوا  يعملون فيها.

 وننقل ادناه نص ما ورد  في الكتاب الصادر عن  رئيس المحكمة الاتحادية  بالعدد  232/  ت/  2014 في 30/6/2014 والموجه الى رئاسة الجمهورية (-لم يتضمن قانون المحكمة الاتحادية  نصا  بتعيين  عضوا  احتياط  أو أكثر يحل  عند غياب  أحد  أعضاء المحكمة  أو  وجود سبب قانوني يحول دون  اشتراكه في نظر  الدعوى.

 -سبق وان تم مفاتحة ديوانكم الموقر لتعيين القاضيين السيدين سامي حسين المعموري وخليل إبراهيم خليفة  القاضيين في محكمة  التمييز الاتحادية  أعضاء  احتياط  فيها اضافة الى أعمالهم  في محكمة  التمييز الاتحادية....  وحيث  انهما  أحيلا على التقاعد  من محكمة  التمييز لإكمالهما السن القانونية، نقترح تعيين السيدين عاد هاتف جبار ومحمد رجب الكبيسي العضوين  في محكمة  التمييز  الاتحادية  عضويين  احتياط  في  المحكمة  الاتحادية  العليا  اضافة الى عملهما  في محكمة  التمييز الاتحادية).

 مما  يعني أن  رئيس المحكمة  الاتحادية  يقر بعدم  جواز  استمرار  العضو الاحتياط  بصفته  تلك بعد إحالته على التقاعد من المحكمة التي كان يعمل فيها وليس ادل على ذلك من رفضه لطلب القاضي المتقاعد السيد  سامي حسين  المعموري  من  الاستمرار في عضويته  الاحتياط  بعد إحالته على التقاعد من محكمة التمييز الاتحادية،  وبالتالي ان رئيس المحكمة يجب ان يخضع نفسه أو تخضعه رئاسة الجمهورية الى حكم القاعدة القانونية والفقهية القائلة (من سعى في نقض ما تم من جهته فسعيه مردود  عليه).

 كما  أن رئيس المحكمة الاتحادية  يعلم  جيدا  بطلان  حتى العضوية  الاحتياط  للقاضي المتقاعد محمد  رجب الكبيسي  (على  فرض ما  ذهب اليه من  ايجاد  منصب قضاة احتياط  ) وذلك  لعدم أداءه اليمين القانونية  المنصوص عليها في المادة ( 7 ) من قانون المحكمة التي توجب أن يقوم  العضو  في  المحكمة  بأداء  اليمين  أمام  هيئة  الرئاسة  (  الذي  حل  محلها  رئيس  الجمهورية)  قبل البدء بأعماله،  إذ ان  القاضي المذكور  لم يقم  بأداء  تلك اليمين أمام  الجهة المحددة  قانونا  وإنما قام بأدائها أمام رئيس المحكمة الاتحادية الذي اغتصب تلك السلطة المحدد حصريا إلى السيد رئيس الجمهورية.

 أي أن  رئيس المحكمة  قد  عمد  إلى اخفاء او  كتمان  كل  تلك المعلومات عن  رئاسة  الجمهورية  وهي الجهة المختصة بإصدار المرسوم  الجمهوري والتي أثرت تأثيرا جوهريا  في إرادتها بإصدار  ذلك المرسوم  وهو  على علم يقيني بذلك كون  كل تلك المخاطبات  كانت قد صدرت عنه، وهذا هو ما اصطلح عليه فقهاء القانون والقضاء الإداري من استعمال الغش أو التدليس في الحصول على القرار الإداري والذي كما قلنا يترتب عليه بطلان ذلك القرار أو  انعدامه  وتحوله  إلى مجرد  عمل  مادي  يختص  القضاء العادي  بالنظر  فيه،  ويبدو  ان  رئيس المحكمة  الاتحادية  كان  على دراية  ومعرفة  تامة  بذلك كونه  كان  يعمل رئيسا   لمجلس شورى الدولة قبل عام 2003  وهو  المختص في تفسير القرارات الإدارية لذا فقد طلب من رئاسة  الجمهورية  سحب ذلك  المرسوم  وليس إلغاءه  بعد ان  طلب منه  القاضي المتقاعد  محمد  رجب الكبيسي ذلك بعد ان تيقن ببطلان المرسوم الصادر له ، لكنه عادة وضمن كتابه الموجه إلى رئاسة الجمهورية  بسحب المرسوم الجمهوري مغالطة قانونية جديدة  بأن يكون سحب المرسوم اعتبارا من 16/3/2020  وهو أمر مخالف للنصوص القانونية وما استقر عليه الفقه والقضاء من ان سحب القرار الإداري يؤدي إلى إزالة كافة الأثار المترتبة عليه واعتباره  كان  لم يكن  ، ومن  المؤكد  أن الغاية  من  ذلك الطلب وتضمين  قرار سحب  المرسوم تاريخا  محددا  هو إيهام  غير  المختصين  في القانون  و المنتفعين من  القرارات التي أصدرتها المحكمة  الاتحادية  بعضوية  القاضي المتقاعد  محمد  رجب الكبيسي  بصحتها  ،  مع أن الامر اصبح  جليا  ولا  يحتاج  إلى توضيح  في ما يخص  بطلان  عضويته  من حيث  الأصل وبطلان المرسوم الجمهوري والأمر القضائي الصادرين  بتعيينه خاصة بعد القرار الصادر من محكمة  التمييز الاتحادية  بذلك  و أخيرا قرار رئاسة  الجمهورية  بسحب  المرسوم  الجمهوري والذي يعني كما اسلفنا انعدام الأثار المترتبة  عليه من يوم صدوره  ، ولا ينفي ذلك ما ورد من رئاسة الجمهورية من تحديد تاريخ معين لأثاره ، لان العبرة هنا لحكم القانون لا لما تورده الادارة او الجهة التي تصدر القرار من الفاظ ، كما هو الحال لو ان محكمة البداءة قد ضمنت قرارا لها بتخلية عقار عبارة  (قرارا قابلا للاستئناف  والتمييز)فأن ذلك حتما   لا يعطي الخصوم الحق في الاستئناف لان القول قول القانون في عدم خضوع القرارات الصادرة بالتخلية  لطريق  الطعن بالاستئناف.