التفاصيل
مجتمع المعرفة القضائي

مجتمع المعرفة القضائي

القاضي عامر حسن شنته

2020-06-30 08:21:00

مجتمع المعرفة حسب التعريف الوارد في البرنامج الانمائي للامم المتحدة لعام 2003 ،هو ‏‏"المجتمع الذي يقوم أساساً على إنتاج المعرفة،ونشرها،وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات ‏النشاط المجتمعي......". وقد يكون هذا المجتمع عاماً كما قد يكون مجتمعاً خاصاً بفئة معينة . ‏والذي يهمني في هذا المقال المختصر هو (المجتمع القضائي). بوصفه مجتمعاً خاصاً ‏بالمشتغلين فيه، من قضاة وادعاء عام ومحققين ومعاونين قانونين وباحثين اجتماعيين ‏وغيرهم.‏

إذ تجمع بين عناصر هذا المجتمع إهتمامات وأهداف مشتركة .تسعى في مجملها إلى تطوير ‏العمل القضائي والإداري في المحاكم، وصولاً إلى تحقيق العدالة الناجزة. والمعرفة في ابسط ‏تعريفاتها تمثل "حصيلة الامتزاج الخفي بين المعلومة والخبرة والمدركات الحسية ،والقدرة ‏على الحكم على المعلومات". وتكاد المعرفة أن تكون سلعة كاسدة ، في كثير من المجتمعات ، ‏ومنها مجتمعاتنا العربية مع شديد الأسف. إذ تظهر الدراسات المتخصصة إحصاءات مخيفة ‏تتعلق بإنتاج المعرفة في عالمنا العربي. فالعرب ينتجون  سنوياً كتاباً واحداً لكل (12000) ‏اثنى عشر الف مواطن، في حين أن انكلترا لوحدها تنتج كتاباً واحداً لكل (500) خمسمائة ‏مواطن فيها. فضلاً عن ضآلة الإنفاق الحكومي على البحث العلمي ومراكز الأبحاث.‏

وإذا  كان الأمر كذلك على المستوى العام . فما هو حظ المجتمع القضائي  في العراق من ‏إنتاج المعرفة القضائية؟ وما هي السبل التي يمكن من خلالها خلق مجتمع المعرفة القضائي؟ ‏ذلك المجتمع الذي يقوم على إنتاج المعرفة ،ونشرها،وتوظيفها في خدمة العمل القضائي.‏

‏ إن خلق مجتمع المعرفة كما يرى الكثيرون يقوم على عدة شروط منها، وجود البنى التحتية ‏المناسبة له، وتبادل المعلومات والمشاركة،والابتكار،وإشاعة ثقافة التعلم المستمر في أوساط ‏الناس. تلك الشروط تمثل في حدها الأدنى الأساس الذي يقوم عليه مجتمع المعرفة .والبنى ‏التحتية لإنتاج المعرفة تتمثل في  مراكز الأبحاث والدراسات، والوحدات البحثية في ‏المؤسسات التعليمية. وبخصوص ذلك تحوي المؤسسة القضائية، المعهد القضائي المعني ‏بإعداد القضاة، وأعضاء الادعاء العام مهنياً، قبل مباشرتهم في العمل القضائي. ومعهد ‏التطوير القضائي ،المعني بتأهيل القضاة وأعضاء الادعاء العام المستمرون في الخدمة ‏القضائية، والمحققون وبقية منتسبي السلطة القضائية. واللذان يمثلان أهم ركائز البنى البحثية ‏في المؤسسة القضائية، من خلال إقامة الدورات التدريبية وورش العمل .بالشكل الذي يحقق ‏مبدأ التعليم المستمر في أوساط المشتغلين في المؤسسة القضائية. كما تحرص تلك المؤسسة ‏على إتاحة الاطلاع على أهم القرارات الصادرة عن المحاكم العليا فيها (محكمة التمييز ‏الاتحادية ومحاكم الاستئناف بصفتها التمييزية) من خلال نشر الأحكام والقرارات الصادرة ‏عنها ،على المواقع الالكترونية. الأمر الذي يتيح مشاركة تلك القرارات مع الجميع .وإصدار ‏مطبوع الكتروني في إطار الصحافة القضائية هو صحيفة القضاء الالكترونية. ولكي تأتي تلك ‏الخطوات ثمارها في خلق مجتمع المعرفة القضائي. ينبغي أن يتم العمل على تحفيز العاملين ‏على المشاركة والابتكار من خلال خلق شبكة متماسكة، تنتظم فيها كل عناصر السلطة ‏القضائية، في تبادل المعلومة القانونية وتشاركها. وزيادة مشاركتهم في إعداد البحوث ‏والدراسات القانونية. ويتم ذلك من خلال إعلاء قيمة ثقافة البحث العلمي ،والتعلم المستمر، ‏وتقييم الباحثين. كأن يصار إلى إعلان مسابقة فصلية  مثلاً للبحث في موضوعات معينة ،أو ‏التعليق على مبدأ تمييزي. والعمل على إصدار مجلة قانونية محكمة تعنى بنشر البحوث ‏والدراسات .وأن تعتمد تلك البحوث معايير "التنبؤ، والاستقراء، والاستنتاج، والتحليل، ‏والتفسير، والعمومية". وهو نفس الأمر الذي يجب اعتماده في بحوث ترقية القضاة وأعضاء ‏الادعاء العام. بوصفها معايير عالمية لجودة البحث وقيمته العلمية.والتشجيع  على أنشاء ‏المدونات القانونية على مواقع التواصل الاجتماعي ،لما تمثله تلك المدونات من طريق سهل ‏تستقى منه المعلومة القانونية ،وتتبادل فيها المعلومات والخبرات بسهولة ويسر.إن إشاعة ثقافة ‏التعلم المستمر ،ومشاركة المعلومات وتبادلها .وتشجيع البحث وإعلاء قيمة العلم.هي السبل ‏الكفيلة بخلق مجتمع المعرفة القضائي.‏