التفاصيل
الآراء السياسية للقاضي ‏

الآراء السياسية للقاضي ‏

القاضي ناصر عمران

2020-06-30 08:25:00

يشكل الحظر الدستوري الوارد في  المادة (98) من الدستور العراقي  والذي ينص ( يحظر ‏على القاضي وعضو الادعاء العام في الفقرة ثانيا منها : الانتماء إلى أي حزبٍ أو منظمةٍ ‏سياسية، أو العمل في أي نشاط سياسي) والحظر لغة يعني المنع، والمادة المذكورة جاءت ‏متسقة مع المواد الدستورية الخاصة بتنظيم السلطة القضائية والعمل القضائي وتتمة  لرؤية ‏المشرع الدستوري في المحافظة على استقلالية القضاء وروح العدالة باعتباره  المرجع والملاذ ‏في حسم النزاعات التي تحدث والتي قد يكون النظام السياسي طرفا فيها والعمل السياسي وقبله ‏العمل التجاري  لا يستقيم مع الاستقلالية والحياد التي تتمتع بها السلطة القضائية والقضاة  ‏فالقضاة مستقلون في قراراتهم لا سلطان عليهم في احكامهم لغير القانون.‏

وعلى ضوء الحظر الدستوري  تضمن  قانون الاحزاب السياسية رقم 36 لسنة 2015 في ‏شرائطه القانونية منعاً  لعضو السلطة القضائية من تأسيس حزب سياسي او الانتماء اليه في ‏المواد 9 / خامساً و10 /ثالثاً منه ، وقد بين قانون الاحزاب المذكور المقصود بالحزب او ‏التنظيم السياسي فنص في المادة 2 / اولا ً  ( هو مجموعة من المواطنين منضمة تحت اي ‏مسمى على اساس مبادئ واهداف ورؤى مشتركة تسعى للوصول الى السلطة لتحقيق اهدافها ‏بطرق ديمقراطية بما لا يتعارض مع احكام الدستور والقوانين النافذة) والنظام السياسي واحد ‏من انظمة المجتمع الاخرى كالنظام الاقتصادي والقانوني والثقافي ويتكون من مجموعة من ‏العناصر تديره سلطة سياسية ، والدولة في  لغة السياسة لها معنيين : ففي المعنى الضيق تعتبر ‏مؤسسة سياسية تملك وسائل قسر لإطاعة اوامرها وبالمعنى الواسع : هي التعبير الرسمي عن ‏المجتمع ، وكثيراً  ما استخدم مفهوم الدولة مرادفا ًللنظام السياسي ولا نغالي ان قلنا  ان ‏النظام السياسي في الكثير من بلدان العالم يبتلع الدولة ،وبالنتيجة يمكننا طرح السؤال التالي : ‏هل ان ابداء القاضي للرأي سياسي يدخل ضمن المحظورات الواردة في الدستور والقانون ‏ويعتبر نشاطا ً سياسيا ام ان هذا الرأي يدخل في باب حرية التعبير عن الرأي والحق في ‏الخصوصية ومن عناصر هذه الخصوصية الآراء السياسية للشخص والتي كفلها الدستور ..؟ ‏

ربما نتفق على ان الرأي السياسي هو عماد العمل السياسي فلا يتصور ان يقوم شخص  ‏بتأسيس حزب او الانتماء اليه دون ان يكون له رأي سياسي تحول الى مبدأ سياسي والى ‏ايديولوجية سياسية لها اهدافها ومتبنياتها وانتهت الى تنظيم وقواعد وعلاقات سياسية تسعى ‏الى تحقيق اهدافها عبر الوصول الى السلطة وبالطرق القانونية ، ولكننا لا يمكن ان تصور ‏ايضاً ان كل رأي سياسي هو نشاط وعمل سياسي فالدستور وهو الهرم القانوني الذي تصطف ‏خلفه القوانين لتكسب مشروعيتها،: هو وثيقة سياسية قانونية والسلطة التشريعية والتنفيذية ‏تتضمن بجلها اشخاص يمارسون العمل السياسي بل ان البرنامج الوزاري والذي حدد السياسة ‏العامة للدولة والتي يضعها رئيس الوزراء في الدول الديمقراطية ومنها العراق  لابد ان يتم ‏اقرارها من قبل مجلس النواب والذي يتضمن  رؤيته في تعزيز عمل  مؤسسات الدولة ومنها ‏السلطة القضائية والمنهاج الوزاري المصادق عليها لابد ان يتناغم مع الرؤى السياسية ‏للأحزاب الحاكمة، فعليه لا يمكن اعتبار كل رأي سياسي هو عمل سياسي، فالدستور ضمن ‏للمواطنين كافة ممارسة الحقوق السياسية ومنها حق التصويت والترشح لمجلس النواب ‏العراقي وليس هناك نص قانوني يمنع القاضي او المحكمة من إبداء الرأي السياسي فهو لا ‏يعتبر بذاته اشتغالا بالسياسة كما يرى ذلك قانون السلطة القضائية المصري رقم (46) لسنة ‏‏1972 في المادة (73) والذي ينص في الفقرة الاولى (يحظر على المحاكم ابداء الآراء ‏السياسية ) وفي الفقرة الثانية (يحضر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي، ولا يجوز ‏لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب او الهيئات الاقليمية او التنظيمات السياسية الا بعد تقديم ‏استقالاتهم ) وعليه فقد اعتبر القضاء الفرنسي  ان اراء المواطن السياسية المحمية عن طريق ‏سرية التصويت تعتبر من امور الحياة الخاصة فلا يجوز الكشف عنها بغير اذنه لذلك قضى ‏بان نشر صورة شخص في اعلانات دعائية لاحد الاحزاب السياسية بصورة تثير الاعتقاد بان ‏الشخص ينضم الى هذا الحزب يعتبر مساسا بالحياة الخاصة ، وقد أصدر المجلس الأعلى ‏للقضاء الفرنسي سنة 2010 ميثاقا يتعلق بمدونة السلوك القضائي تضمن التأكيد على ‏الالتزامات الأخلاقية للقضاة مع التأكيد على حرية القاضي في ابداء رايه  جاء فيه، ( أن ‏القاضي ملزم بالحفاظ على صورة العدالة ويجب عليه دائما، أن يعطي المثال والقدوة على ‏الاحتراز، أثناء ممارسته لحقه في التعبير، وذلك من أجل عدم تعريض نزاهة و صورة العدالة ‏ومصداقيتها للثقة العامة، ويمنع عليه أيضا انتقاد الاحكام والقرارات التي يصدرها زملاؤه، ‏كما يتعين عليه استحضار هذه الضوابط والالتزامات أثناء إصداره لمذكراته الخاصة بمساره ‏المهني، ومنع الميثاق على القضاة إبداء أي مظاهر عدائية ضد الحكومة، أو القيام بتصرفات ‏ذات طبيعة سياسية تتعارض مع واجب التحفظ المفروض عليهم، لكنه من جهة أخرى، نص ‏على أن واجب التحفظ لا يشمل منع القضاة من المشاركة في إعداد النصوص القانونية وتحليل ‏مقتضياتها بكل حرية.‏

‏ فحرية التعبير الخاصة بالقضاة ليست مطلقة ، وأنه إذا كان للقاضي الحرية الكاملة لإبداء ‏رأيه، فإنه يتعين عليه دائما أن يستحضر مبدأ الحياد ، وأن يكون  حذرا أثناء التعبير عن رأيه ‏بشكل لا يظهر موقفه من القضايا التي تكون محل نزاع ، كما يتعين أن  يتحلى بواجب التحفظ ‏في تعامله مع وسائل الإعلام، ويمنع عليه التعليق على قراراته حتى و لو تم انتقادها من ‏طرف الصحافة أو تم إلغاؤها من طرف المحكمة الأعلى درجة . ان اخذ الامر على علاته ‏واطلاق المحظور الدستوري على ابداء الآراء السياسية يثير الكثير من الاشكاليات القانونية ‏وبخاصة ان قانون التنظيم القضائي العراقي النافذ رقم 160 لسنة 1979 المعدل لم يتضمن ‏الحظر الوارد في قانون السلطة القضائية المصري بل ان القانون وقبل التعديل وفي اسبابه ‏الموجبة واهداف القانون كان سياسيا بامتياز فقد ربط تحقيق العدل بروح تستوعب  التحولات ‏السياسية لمرحلة النظام السابق اضافة الى ان القضاء برمته خاضع لهيمنة السلطة التنفيذية  ‏والحقيقة ان القانون بحاجة الى تعديل او تشريع قانون جديد ينظم عمل القضاة في ظل ‏استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية ويكون معززا لقوانين السلطة القضائية النافذة.‏

‏ يضاف الى ذلك ان طبيعة عمل القضاء الدستوري  والقضاء الاداري كثيرا ما تتضمن ‏القرارات والاحكام الدستورية والادارية التي يصدرها القضاءان  اراء سياسية في مواضيع ‏سياسية تتعلق بالنزاع المعروض امامهما، لقد ضمنت المواثيق واللوائح القانونية الدولية ‏للقاضي الحرية في التعبير عن رأيه كأي مواطن آخر لكنها حرية مقيدة فقد نص الإعلان ‏العالمي لحقوق الإنسان في الفصل الثامن منه على أنه يحق لأعضاء السلطة القضائية، شأنهم ‏في ذلك شأن المواطنين الآخرين، التمتع بحرية التعبير والاعتقاد والانتساب والتجمع، شريطة ‏أن يتصرف القضاة دائماً في ممارستهم لهذه الحقوق على نحو يحافظ على هيبة ووقار ‏مناصبهم وعلى نزاهة واستقلال السلطة القضائية”، ولم يخرج الميثاق الأوروبي المتعلق ‏بالنظام الأساسي للقضاة الذي تم إقراره من طرف مجلس أوروبا على ذلك ، فقد نص على ‏وجوب امتناع القضاة عن أي فعل أو سلوك أو تعبير من شأنه ان يؤثر على الثقة في حيادهم ‏أو استقلالهم، كذلك  مبادئ (مجلس بيرغ) بشأن استقلال السلطة القضائية الدولية، فقد اكد أن ‏القضاة يتمتعون بحرية التعبير وتكوين الرابطات أثناء توليهم منصب القضاء بطريقة لا ‏تتعارض مع مهامهم الوظيفية أو تنال من حياد ونزاهة القضاء، وأنه يتعين عليهم أن يكونوا ‏متحفظين في التعليق على الاحكام أو أي مشاريع أو مقترحات أو موضوع متنازع عليه، ‏ويتخذون مسلكا يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء “، أما وثيقة مبادئ بنغالور ‏بشأن السلوك القضائي ، فقد نصت على أن للقاضي كأي مواطن عادي الحق في حرية التعبير ‏بما لا يتعارض مع أحكام القانون ومع واجباته الوظيفية وبطريقة يحافظ بها على هيبة الوظيفة ‏ونزاهة القضاء ولم يذهب الدستور العراقي بعيدا عن رؤى المفاهيم والمواثيق الدولية فقد نص ‏في باب الحقوق والحريات الفصل الاول (الحقوق ) وفي الفرع الاول _الحقوق المدنية ‏والسياسية _  المادة (14) التي نصت على ان (العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز ‏بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي ‏او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي ) وان لكل فرد الحق في الحياة والامن والحرية ولا يجوز ‏الحرمان منها او تقييدها الا وفقا للقانون او بناء على قرار جهة قضائية مختصة بحسب المادة ‏‏(15) من الدستور ولكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الاخرين ‏و الآداب العامة كما جاء في المادة (17)  ايضا ً ، وفي باب الحريات في الفصل الثاني ‏اعتبرت المادة (37/ اولا ً/أ ) من الدستور(حرية الانسان وكرامته مصونه ) وفي المادة ‏‏(38)  تكفلت الدولة بما لا يخل بالنظام العام والآداب حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل في ‏الفقرة (اولا ً) وحرية الصحافة والطباعة والاعلان والنشر في الفقرة (ثانيا ) في حين ضمنت ‏الفقرة (ثالثا ) من المادة المذكورة حرية الاجتماع والتظاهر السلمي ) وفي المادة (42) من ‏الدستور تم ضمان حرية الفكر والضمير والعقيدة ،وكل تلك هي حقوق وحريات مكفولة ‏للجميع لا تستثني احدا ولعل الضمانة المهمة لحرية القاضي في التعبير عن رأيه بشكل عام ‏تتمثل باستقلالية السلطة القضائية في المادة (87) من الدستور واستقلالية القاضي وعدم التدخل ‏في القضاء وشؤون العدالة  المادة (88 ) منه.‏