التفاصيل
دقة المشرع القانوني في بلاد الرافدين ,,مبدأ (العين وبالعين والسن بالسن ) , مثالا

دقة المشرع القانوني في بلاد الرافدين ,,مبدأ (العين وبالعين والسن بالسن ) , مثالا

القاضي صباح الداوودي / عضو الإدعاء العام في اقليم كُردستان العراق – السليمانية

2020-07-26 12:11:00

ألاحظ سير الكثير من الأخوة والأخوات على الخطأ في تفسير معنى العبارة الشهيرة (السن بالسن والعين بالعين والبادي اظلم) ويكمن خطئهم تحديدا في عبارة (والباديء اظلم) , إذ يعتقد الكثيرون بأنها تعني إباحة الإمعان في الإقتصاص من المبتديء بالفعل الخاطيء او الفعل الجرمي المتعمد مما يدخل في تعريف الجريمة . وهذا خطأ .

فبالعودة الى الأساس التاريخي للعبارة فإننا إبتداءاً نرى بأنها وردت في متن نص من نصوص قانون حمورابي (منقوشةً على رقيم يُقال بأنه موجود حالياً في احدى متاحف المانيا ), وقد جاء النص ضمن التقنينات الخاصة بباب خطأ الأطباء عند مزاولة المهنة الطبية إذ ان النص خاص بالعقاب الذي قرره قانون حمورابي على الطبيب الذي يخطأ اثناء قلع سن مريض راجعه او حين صدور خطأ من طبيب عيون اثناء علاج أحد المرضى فتسبب بأذى او سمل او فقدان بصر المريض سواءا في عين واحدة او كلتيهما . فتكون عقوبة الطبيب في هذه الحالات هي الإقتصاص منه بقدر اثر خطئه الذي احدثه في سن المريض او عينه وبنفس قدر الضرر ,, قلع سناً خطئاً , تُقلع منه سن ! اي من الطبيب ,, سمل العين اليسرى للمريض او تسبب في ذلك ؟,, إذاً تُسمل العين اليسرى للطبيب !! ,,

عقوبة قاسية أليس كذلك ؟!,,

هنالك الكثيرون ممن يعتقدون خطئاً بأن تلك النصوص جائرة قياساً الى يومنا هذا بإعتبارها تنص على بتر الأعضاء أو تعييب عضو في جسم من أرتكب الفعل الجرمي إقتصاصا منه ,, لكن هذا غير صحيح ,

إذ إن ما يأتي في آخر العبارة وهي (والباديء أظلم) هي بمثابة الآلية والوسيلة الشارحة لعملية التحري والتحقيق في تفاصيل وقوع الجريمة ومنها الجريمتين المشار إليهما أعلاه على سبيل المثال,,

بمعنى أن على من يقوم بالتحقيق في الحادث او الجريمة الخاصة بخطأ الطبيب عليه ان يستبين ويتحرى اولاً عمن كان مبتدئاً بالخطأ ؟! ,, (وهنا تكمن المفاجأة ),, إذ إن الغوص عميقا في هاتين الكلمتين يجعل ايقاع عقوبة الإقتصاص المماثلة لجنس الجريمة مستحيلة التنفيذ إلا نادراً وفي حالات نادرة تتمثل في خطأ جسيم فاحش وواضح وفاضح من جانب الطبيب !! ,, كيف ؟!,,

على المحقق والقاضي واللجنة المختصة بالبحث عن عنصرالخطأ وطبعاً يدخل في عناصره (إهمال المريض لسنه او عينه سواءا قبل العملية او بعدها !! ,,و الأدوات التي استخدمها الطبيب ,, نوعية وطبيعة الأدوية ,, هل تؤدي حالة مريض مماثلة الى ذات النتيجة ؟ ,,, الخ ,, ) .

في المحصلة إذا ثبت ان الخطأ من المريض فلن تُطبق العقوبة (عقوبة الإقتصاص الجسدية) على الطبيب وعلى المريض في هذه الحالة دفع تعويض عادل الى الطبيب لقاء التشهير او التشكيك في قدراته ,,

أما إذا ثبت خطأ الطبيب فتُطبق العقوبة بحقه, وعليه فوق ذلك ان يدفع مالا او مبلغا ماليا كتعويض الى المريض .

وطبعاً التحقيق في جريمة ذات طابع علمي ومهني ليس سهلا,,

في النتيجة سترى أن قانون حمورابي هذا لا يختلف في شيء عن قوانين بلاد الرافدين التي تتسم بالمطاطية الى يومنا هذا بحيث ان كثيرا من النصوص التي تبدو للوهلة مخيفة مرعبة هي في حقيقتها نصوص حمالة لوجهين ولربما أوجه حتى لكنها تحمل الكثير من معاني الردع والتخويف والعدل والعدالة ايضا .

ونظراً لأن هذا النص قد جاء لاحقا في التوراة نصاً وبنفس العبارة تقريباً ومن ثم لاحقا جاء في القرآن الكريم وبذات العبارة تقريباً فأن كثيرا من المؤرخين قد عدَّ حمورابي ملكاً موحِدا ومنشئاً لتلك القوانين معتبرين نص الله في كتابه على عبارة من عبارات قانونه نوعا من التكريم له وكشفاً لمنشيء قديم .

بعد ذلك ومع مرور مئات السنين انحرف تفسير معنى العبارة القانونية تلك الى المفهوم الحالي لها وهو المفهوم الذي يشير ظاهر المعنى فيه الى اللوذ بأقصى درجات القسوة في العقوبة ضد من تثبت عليه جريمة ما وعلى أن تكون تلك العقوبة من ذات جنس الجريمة تلك ,بينما هي في الحقيقة عبارات تدل وتدعو وتشرح آليات الوصول الى الحقيقة التامة في ايةِ جريمة ومن ثم تقرير العقوبة في ضوءها ومن جنسها ,

إذاً فعبارة (والباديء اظلم ) إنما هي عبارة تسير في المعنى الى آلية إجراء التحقيق في الحادث اولاً والى التعويض الذي يجب على المبتديء بالجريمة ثانياً .

في المحصلة يمكن القول بأن العبارة اعلاه والتي كانت تشكل مبدءاً قانونيا في العصور القديمة وعلى قلة عدد كلماتها إنما كانت تضم العقوبة وآلية تطبيق العقوبة في نص واحد وهذا يدل على مديات ذكاء فقهاء القانون والقضاء في بلاد الرافدين عبر العصور .

مع ملاحظة أنه إذا كانت تثبت بعد عمليات التحري والبحث والإجراءات الدقيقة في اية قضية من تلك القضايا بأن طبيبا ما قد إرتكب الجريمة عمداً وبدافع العمد وليس الخطأ فإنه في تلك الحالة لم يكنوا يحكمون عليه بعقوبة السمل او القلع , بل كان يُحاكم بعقوبة الشروع في قتل آدمي ,,ومن هنا يظهر لنا مدى دقة ومجهرية النصوص القانونية الجزائية التي وضعها العراقيون قبل آلاف السنين