التفاصيل
حوادث المرور ودور المؤسسات التشريعية والتنفيذية في الحد منها

حوادث المرور ودور المؤسسات التشريعية والتنفيذية في الحد منها

القاضي صباح الداوودي / عضو الإدعاء العام في اقليم كُردستان العراق – السليمانية

2020-08-09 12:44:00

يضطلع رجل القانون سواءا القاضي او المدعي العام او المحامي - وثلاثتهم قضاة سواءا رسميا أو إعتبارياً - بمهمة تطبيق القانون بحسب ظروف كل دعوى او قضية ويأتي التطبيق هذا من خلال إستحضار النص القانوني ومفهومه لأجل إحاطة الإجراءات والقرارات والأحكام في كل دعوى بالغطاء القانوني والمنعة والحصانة التي تسبغها تلك النصوص على خطوات وقرارات وأحكام صادرة من القضاة مع ملاحظة أن تطبيق القانون من قبل المدعي العام او المحامي - طالما أننا قد قطعنا أعلاه بكونهما قضاة ايضا - يتم من خلال القاضي ايضا عن طريق طلباتهما او لوائحهما التي تستند بدورها الى نصوص قانونية ,,
ومع تطور عجلة الحياة وتعقيد وتنوع اساليب المعيشة في الحياة والتطور العلمي الحادث في العالم برمته وتطور وسائل الإتصال وصيرورة العالم قرية صغيرة بالفعل نتيجة ذلك فإن تطوير النص القانوني وجعله مواكبا للمجتمع وللأحداث والعلاقات فيه قد اضحى ضرورة غير قابلة للنقاش لا لأجل الإسراع والسرعة في تحقيق العدل فحسب ولإنما لأجل تسهيل عمل القاضي في سبيل ذلك لأن النصوص القانونية المتخلفة عن ركب تطور المجتمع او تغيره تصيب القاضي وسعيه الى التطبيق الصحيح للقانون بالبطيء والعثرة ما يؤدي في النهاية الى تنامي وتيرة الأقاويل التي سوف تنتشر بين الأفراد البسطاء في المجتمع او من غير الملمين بآليات تطبيق القانون ومؤداها في الغالب تهم جزاف يتم توجيه الأنامل بها الى القضاة أنفسهم في وقت يسعى ذلك القاضي الى بذل أقصى ما في وسعه لأجل إنفاق الجهد الذهني والفكري العميق من أجل إنزال النص القانوني على أرض الواقع من خلال الواقعة المنظورة من قبله وفي وقت يرى نفسه قد بذل العناية فوق المعتادة من أجل القيام بعمله بأكمل وجه, .
ومع اهمية نشر الوعي القانوني بين افراد المجتمع لإيصال المعلومة المعلومة القانونية إليهم لغرض جعلهم مدركين لحقيقة دور القاضي ومدى صلاحياته وهامش الحرية المتاحة لديه حسب إختصاصه وحسب النصوص القانونية الإجرائية الشكلية التي ترسم حركته الإجتهادية العلمية مع النصوص القانونية الموضوعية التي تحيط الواقعة فتشمله بالسريان إلا إن هذه التوعية غير كافية في مساعدة القضاء على أداء عمله بالشكل القانوني الصحيح إذ أن عملية التوعية تلك غير مضمونة النتائج كما أن المنهجية العلمية في نشر تلك التوعية والتثقيف مفتقدة أساسا في مجتمعات الشرق الأوسط بسبب الإضطرابات الدائمة وتأثير الأحداث السياسية والعسكرية والإقتصادية على الفرد والمجتمع لهذا تبقى أهمية إضطلاع مؤسسات الدولة التشريعية بمهامها في سن القوانين الجديدة او تعديل النصوص المتعطلة كلا او جزءا في الوقت المناسب ضرورة قصوى لأجل مساعدة الأجهزة القضائية في أداء دورها بالشكل الصحيح .
وفي حال ترك الأمر على حاله ولم يتم إيلاءه الأهمية الواجبة فإن النتائج والآثار السلبية لا يمكن ان تتوقف عند حد توجيه اللوم والعتب الى أجهزة الدولة وأداء الحكومات فيها بل سوف تتطور في النهاية لتنتج حوادث مؤلمة ذات أثر مادي ومعنوي نفسي بالغ في حياة الأفراد والمجتمعات ,
وكمثال صارخ على واحدة من تلك الآثار والنتائج المترتبة على عجز المشرع لمواكبة الأحداث والوقائع من جهة ولرغبة اجهزة القضاء الحثيثة في أداء دورها من جهة أخرى يبرز مثال حوادث المرور  كمثال صارخ يمكن الإستشهاد به هنا فالجميع يعلم مدى الفداحة الناجمة عن تلك الحوادث ومدى ما تخلفه من آثار مؤلمة لا تتوقف عند إزهاق روح بعضهم وإصابة آخرين منهم بإصابات متفاوتة فحسب بل تتعداها لتسري على من يخلفون أولئك الضحايا ولأمد طويل فضلا عن الخسائر المالية ومن خلال مراجعة القوانين الصادرة في العراق طيلة النصف القرن الماضية نرى بأن تلك التشريعات كانت قد نجحت الى حد بعيد في التصدي لحوادث المرور ووقفت كسد منيع في وجهها ولعبت أبلغ الدور والأثر في التقليل منها إلا أن الملاحظ هو أن تلك القوانين مالت الى الخفوت والذبول وباتت ضعيفة بعد نهاية التسعينات ومطلع الألفية الحالية بسبب زيادة عدد السيارات والمركبات بأنواعها وأصنافها مع عدم تطور وتوسع وتعدد والتنوع  في الشوارع والجسور والطرقات ومع تحول عقوبات الغرامات الى عقوبات باهتة بسبب تدهور قيمة العملة الوطنية العراقية سابقا للأسباب المعروفة ما أدى في المحصلة الى أن يجد القاضي والمواطن على حد سواء أنفسهم إزاء قوانين غير مواكبة لركب التطور فالتطور المضطرد في مجالات زيادة عدد السيارات والمركبات وتطور نوعها من حيث سرعتها الجنونية لم تتواكب معها تطور في الطرق والشوارع والجسور والتي ظلت على حالها وهي التي كانت قد اسست وأنشأت قبل عقود تقارب السبع والثمان وحين دشنت وأسست إنما كانت قد اسست لأجل استيعاب طاقات سير مركبات بدائية وقليلة العدد وهذا التخلف في مضمار الطرق والشوارع رافقتها ظروف سياسية وأقتصادية عصيبة مرت على العراق وأقليم كُردستان عموما ما أدى الى صيرورة التشريعات القانونية المتصدية للحوادث المرورية بالتنظيم متخلفة وغير موفية بدورها لحق التصدي الصحيح لتلك الجرائم التي نعلم جميعا بأنها مصنفة كجرائم خطأ وليس العمد وقوامها الإهمال والرعونة وعدم الإنتباه والإهمال الجسيم كصور للخطأ ,,
إن الملاحظ هو أننا في العراق لازلنا نعتمد آليات قانونية كانت معتمدة في خمسينات القرن الماضي بخصوص حوادث المرور ولم يتم حتى الآن تفعيل آلية الإعتماد على شركات التأمين كما كان معمولا به في عقد الثمانينات رغم أننا اليوم بأمس حاجة الى هذه الآلية التي تبرز دور شركات التأمين وتجعلها متحملة لبعض الإلتزامات التي تترتب على حوادث المرور لأن إعتماد الآليات المعتمدة في الدول المتقدمة سوف لا يؤدي الى ظهور شركات تأمين في الساحة العراقية فحسب وإنما سوف ينسحب وجود تلك الشركات على نوعية السيارات المستوردة لأن شركات التأمين سوف لن تجازف بالتأمين على سيارة ما مالم تكن مستوفية لجميع شروط المتانة والأمان وتستطيع الدولة بدورها في حالة تفعيل دور شركات التأمين وربط دورها قانونيا ووفق تشريع خاص تستطيع أستيفاء حقها من الضرائب من تلك الشركات وتستطيع عن طريق تلك الضرائب المستوفاة أن تقوم بترميم وصيانة وتوسيع وتنويع الطرق والجسور وخطوط المواصلات عموما ما يؤدي في النهاية الى التقليل من حوادث المرور وهو الغاية المنشودة من الجميع .
نخلص الى القول إذاً بأن الدولة وعبر مؤسساتها التشريعية والتنفيذية تستطيع العمل على تقليل حوادث المرور والحد منها الى درجات كبيرة عن طريق سن القوانين المناسبة لتنظيم عمل وآلية عمل شركات التأمين في مجال التأمين على المركبات بأنواعها , أي إن الأمر مناط برمته بالمؤسستين التشريعية والتنفيذية وليس مناطا بالقضاء الذي يطالب الكثيرون بتشديد العقوبات بحق المتهمين إثر جرائم مرورية تحدث بإستمرار ويجهلون بأن القاضي لا ينظر الى جميع حوادث المرور وفق معيار الأواني المستطرقة وإنما وفق ما تمليه عليه النصوص القانونية التي تفرض عليه النظر الى قضية او جريمة بشكل منفصل عما سواها وفي وقت تحتم عليه المواد القانونية الخاصة بموضوعي ظروف التشديد والأعذار القانونية المخففة أن تتفاوت العقوبة التي يحكم بها تبعا لظروف وملابسات كل حادث مروري موضوع دعوى منظورة أمامه خاصة وأن هذه الحوادث هي مصنفة أصلا كجرائم خطأ .