التفاصيل
الحماية القانونية لكبار السن في التشريع العراقي

الحماية القانونية لكبار السن في التشريع العراقي

القاضي د.حيدر علي نوري

2020-08-24 09:18:00

يهتم التشريع العراقي والمقارن بكبار السن، من خلال ايجاد النصوص القانونية التي تتولى ‏حمايتهم ورعايتهم والمحافظة على حقوقهم سواء اكان ذلك بقانون خاص مستقل ام من خلال الاحكام ‏القانونية الواردة في القوانين المختلفة استنادا لما ينتهجه المشرع من فلسفة بهذا الخصوص، ويتأتى ‏ذلك الاهتمام بالمحاولات الدولية لإعداد مسودة القانون العربي الاسترشادي لحماية كبار السن ضمن ‏الاستراتيجية العربية لحماية كبار السن، بغية منهجة حمايتهم في تشريع خاص، اسوة بحقوقهم ‏المشار اليها  في المواثيق والإعلانات الدولية وفي التشريعات الدولية والقانون الدولي الانساني وفي ‏التشريعات الوطنية العربية ومنها التشريع العراقي.‏

‏   ويقصد  بكبير السن هو كل شخص اكمل 60 عاما، استنادا الى احكام قانون التقاعد الموحد ‏رقم (9) لسنة 2014 المعدل الذي حدد السن القانوني للإحالة الموظف على التعاقد بذلك السن بشكل ‏عام، وعلى الرغم من التزايد المستمر في أعداد الأشخاص كبار السن إلا أن حجم الخدمات المقدمة ‏لهم والاستجابة لاحتياجاتهم في مجالات الصحة، وسبل المعيشة، والحماية، متردية وذلك نتيجة ‏الازمات المزمنة، وغياب الخطط والبرامج التنموية التي تضمن تمتعهم بحقوقهم الدنيا دون  تمييز، ‏وتغدو مشكلة المفاهيم الخاطئة وغير السليمة إزاء كبار السن بوصفهم عالة وعبئا في الأسرة، أحد ‏الأسباب التي تؤدي الى تردي أوضاع هذه الفئة والى حدوث انتهاكات بحقهم داخل الأسرة، وكذلك في ‏المجتمع بصورة عامة، كما أن غياب إحصائيات كافية حول أوضاع كبار السن، وندرة عدد ‏المؤسسات التي تعنى بحقوق كبار السن، وإن وجدت، فإن تركيز عملها يكون في الجانب الاغاثي ‏دون التنموي، اضافة الى غياب برامج الحماية لكبار السن من عصف العنف الاسري والمجتمعي، ‏لعدم تشريع قانون العنف الاسري ، يجعل كبار السن يعانون من تهديدات مستمرة لحقوقهم، داخل ‏الاسرة وفي المجتمع.‏

‏  إن أهم احتياجات كبار السن هي الأمن الغذائي، وتوفير سبل المعيشة في القدرة على الكسب، ‏وضمان توافر سبل العلاج والمتابعة الصحية في ضل انتشار جائحة كورونا، وخصوصاً أن معظم كبار ‏السن يعانون من أمراض تتعلق بالقدرة على الحركة، الرؤية، الضغط، السكري، القلب، الأمراض ‏النفسية مثل القلق والضغط والشعور بعدم الاكتراث الكافي من قبل المحيطين بهم، كما يحتاج كبار ‏السن لتوفير الحماية لهم من عوائل الفقر والشيخوخة ومن مظاهر العنف بأشكاله المختلفة، ومن ‏المهم ملاحظة ان دلالات لفظ كبار السن لا ينبغي أن تشير دوماً الى حالة العجز التام عن العمل، ‏وكسب العيش، وبالتالي فان غياب الفرص التنموية  والبرامج التشغيلية، يعد بمثابة عائق أساسي ‏في تمكين كبار السن من توفير سبل المعيشة لهم والتقليل من تبعيتهم للآخرين، وخصوصاً في ظل ‏تفاقم ظاهرة التفكك الاجتماعي التي  تسببها عوامل متعددة منها حالة الفقر والبطالة،  وينبغي الاشارة ‏الى أن هناك غيابا في الحماية القانونية على الصعيد الوطني لكبار السن، اذ لا يوجد قانون خاص ‏ينظم حقوقهم، وتكمن فلسفة المشرع العراقي في حمايتهم  بجمله من النصوص العامة المتناثرة في ‏بعض القوانين.‏

‏   لقد خلت منظومة التشريعات الوطنية العراقية من قانون خاص يتعلق بحماية حقوق كبار السن، ‏ولكن يمكن استنباط حماية هذه الحقوق من المبادئ القانونية الكلية التي تضمنها دستور جمهورية ‏العراق لعام 2005 ، الذي كفل حقوق المواطنين دون تمييز على اساس السن، فالمادة (14) منه ‏نصت على ان ( العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بينهم بسبب الجنس أو العرق او اللون ‏أو الدين أو المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي )، والمادة (15) منه ‏التي  أكدت على ان  (لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او ‏تقيدها إلا وفقا للقانون، وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة )، والمادة (16) منه التي ‏نصت على ان ( تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الاجراءات اللازمة ‏لتحقيق ذلك )، اما المادة ( 17 ) منه فنصت على ان ( اولا - لكل فرد الحق في الخصوصية ‏الشخصية بما لا يتنافى مع حقوق الاخرين، والآداب العامة. ثانيا –حرمة المساكن مصونة، ولا ‏يجوز دخولها او تفتيشها او التعرض لها الا بقرار قضائي، ووفقا للقانون )، ومن المهم ملاحظة ان ‏المادة (29) منه تطرقت بشكل صريح الى كبار السن، اذ نصت على ان ( أولا - أ- الاسرة اساس ‏المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية. ب- تكفل الدولة حماية ‏الامومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشء والشباب، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم ‏وقدراتهم.

 ثالثا-  للأولاد حق على والديهم في التربية والرعاية والتعليم، وللوالدين حق على اولادهم في ‏الاحترام والرعاية، ولاسيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة).

 وكذلك الامر بالنسبة للمادة (30 / ‏ثانيا ) منه التي نصت على ان ( تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة ‏او المرض او العجز عن العمل او التشرد او اليتم او البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف ‏والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك  بقانون ).‏

‏    كما يمكن ان نستدل على ان المشرع العراقي سعى الى الاهتمام الكبير بحقوق شريحة المسنين في ‏المجتمع ورعايتهم، وذلك من خلال تشريع عدد من القوانين التي كفلت بعض موادها الرعاية الكريمة ‏لهم داخل أسرهم بما ينسجم مع قيمنا العربية الأصيلة وتراثنا الإسلامي الخالد ووفقاً لما جاء في ‏الصكوك الدولية لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني، وبما يدعم العلاقة المترابطة بين الأجيال في ‏المجتمع‎، وتجسد هذا الاهتمام  اضافة الى احكام الدستور المشار اليها انفا،  في التشريعات ‏العراقية المختلفة التي اهتمت بحقوق كبار السن وهي : ‏

‏1- صدور تشريع خاص بتشغيل المسنين المتقاعدين بدوائر الدولة رقم [361] لسنة 1985‏‎.‎

‏2-تخصيص راتب للمسن الذي ليس له دخل وغير قادر على العمل وهو راتب الرعاية الاجتماعية ‏بموجب قانون الرعاية الاجتماعية رقم (126) لسنة 1980‏‎.‎

‏3- إصدار قانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 39 لسنة 1971 المعدل، المنشور في ‏جريدة الوقائع العراقية رقم 1976 بتاريخ 22 /3 / 1971، بما يلبي احتياجات المسنين من العمال‏‎.‎

‏4-استحداث دور لرعاية المسنين في كل محافظة استنادا لأحكام الدستور والمادة (105) من قانون ‏الرعاية الاجتماعية رقم (126) لسنة 1980، وذلك بموجب المادة (1) من نظام دور رعاية المسننين ‏رقم (4) لسنة 1985 المعدل المنشور في جريدة الوقائع العراقية رقم 3038 في 25 / 3/ 1985. ‏

‏5- قانون الأحوال الشخصية المرقم [188] لسنة 1995 المعدل، إذ أوجبت المادة [61] منه على ‏الولد الموسر كبيراً كان أو صغيراً الإنفاق على والديه، وجاءت المادة [62] من نفس القانون لتوجب ‏النفقة لكل فقير عاجز عن الكسب من يرثه من أقاربه الموسرين بقدر ارثه منه‎.‎

 

‏6-قانون العقوبات رقم [111] لسنة 1969 المعدل، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ‏‏1778 بتاريخ 15 /9 / 1969، اذ نصت المادة [383] منه، التي تعاقب كل من عرض بنفسه أو ‏بواسطة غيره للخطر شخصاً عاجزاً عن حماية نفسه بسبب حالته الصحية أو النفسية أو العقلية ‏بالحبس أو الغرامة، كما  عاقبت المادة (371) منه، كل من امتنع بدون عذر مشروع عن القيام ‏بواجبه اتجاه من كان مكلفاً قانوناً أو إنفاقاً برعايته سواء كان شخصاً عاجزاً لصغر سنه أو لشيخوخته ‏أو بسبب حالته الصحية والنفسية أو العقلية بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.‏

‏7-قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014 المعدل المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ‏‏4314 في 10 / 3 / 2014، اذ تم بموجبه تحديد السن القانوني للإحالة على التقاعد بشكل عام ‏ب(60) سنة من العمر بغض النظر عن خدمته  (المادة 10 ) منه، كما لا يمنع عزل الموظف او ‏فصله او تركه للخدمة او استقالته من استحقاق حقوقه القاعدية ( المادة 13 ) منه، كما ان الحد ‏الادنى للراتب التقاعدي هو مبلغا قدره خمسمائة الف دينار (المادة 21 /رابعا أ، ب ) منه.‏

‏    نستنتج مما تقدم ان منظومة التشريعات الوطنية العراقية خلت من تشريع خاص يتكفل حماية ‏حقوق  كبار السن ولكن يمكن استنباط هذه الحماية من المبادئ القانونية الكلية التي تضمنها دستور ‏جمهورية العراق لعام 2005 ، الذي كفل حقوق المواطنين دون تمييز  ومن الاحكام الخاصة المشار ‏اليها  في التشريعات العراقية المختلفة التي اهتمت بحقوق كبار السن، وبهذا الخصوص نلفت انتباه  ‏المشرع العراقي الى ضرورة اصدار قانون خاص يتضمن حماية وافية وكافية لحقوق كبار السن في كافة ‏المجالات، وبما يضمن حمايتهم من العنف الاسري في ضل غياب قانون العنف الاسري حفاظا على ‏اواصر الترابط الاجتماعي بما يحقق المصلحة العامة.